حسونة المصباحي: الكتابة أنقذتني من الانهيار

تجربة الكتابة تمنح الكاتب دفقا مستمرا وحارقا نحو التقاط الجماليات المختلفة ونحت التجربة الخاصة به، وهذا ما يقود روح الكاتب إلى عدم الاستقرار والاطمئنان، ويذهب بها تطوافا بين الأماكن والأزمان، وبين الأفكار والهواجس في كل مسرب تلاقيه أمامها كي تحاول الخوض فيه اكتشافا لمجاهله، ولكن الكاتب غالبا ما يقابل برفض اجتماعي قد يصل بالبعض إلى محاولة عرقلته. “العرب” التقت الكاتب التونسي حسونة المصباحي في أصيلة المغربية بمناسبة حصوله على جائزة محمد الزفزاف للرواية العربية، في حوار عن الكاتب والكتابة.
الاثنين 2016/08/01
حسونة المصباحي يتسلم الجائزة

استهوت الأديب التونسي حسونة المصباحي عوالم الكتابة فاستغرق فيها حتى أضحت له مهنة، إذ الكتابة أصبحت عنده فعلا يوميا يمارسها بلذة ومتعة شديدتين، لأنها باتت قدره الذي لا يستطيع أن يتخلى عنه، بل هي من سمح له باجتياز الكثير من المراحل الصعبة في حياته.

رحلة الكتابة

يستذكر حسونة المصباحي ما عاشه أواخر السبعينات، حين سجن وتعرض بعد خروجه إلى البطالة وعاش سنوات من التشرد، وقد روى تفاصيل ذلك في رواية “الآخرون”؛ أصيب بأزمة نفسية حادة أصبح من جرّائها على شفا الانهيار العصبي، فتوجه إلى الطبيب الذي وصف له دواء يتكون من مسكنات ومهدئات، لكن ما إن غادر المصحة وتأمل الوصفة حتى ألقى بها في القمامة.

يتابع المصباحي حديثه “قلت يجب أن أشفي نفسي بنفسي، فتركت العاصمة وتوجهت إلى الريف حيث ولدت، لأعيش مع أمي في الوحدة التامة أقرأ وأكتب، شيئا فشيئا أحسست بأنني بدأت أستعيد توازني النفسي؛ الكتابة أنقذتني، وأنا مازلت شابا في ذلك الوقت، كان يمكن أن أدمّر وأغدو فأر مستشفيات، لكن الشفاء جاءني من الكتابة ومن حرفة الأدب”.

ويضيف “بعد ارتحالي إلى الغرب انغمست في الكتابة أكثر لأنني وجدت راحتي فيها. في ألمانيا تعلمت الكثير من الانضباط وحب العمل، ودربت نفسي جيدا على الوحدة والعزلة، وكنت عندما أزور العاصمة تونس أتعجب من هؤلاء المثقفين الذين يقبعون طول الوقت في المقاهي؛ متى يقرأون ومتى يكتبون؟ بالنسبة إليّ أنا يوميا أمارس طقس الكتابة، فالكتابة يجب أن تعطيها الكثير”.

يقودنا هذا إلى الحديث عمّا أعطته الكتابة لحسونة المصباحي وما أضافته له، إذ يرى ضيفنا أنه الآن يزداد توهجا أكثر من ذي قبل، وأكثر عمقا في تفكيره وكتاباته ووعيه باللغة والأساليب التقنية، وهذا يعود إلى أنه يعمل بشكل يومي على تخليص نفسه من السلبيات.

الكاتب يستفيد من نقد الآخرين إذا كان النقد إيجابيا فعلا كما الحال عند الغربيين، عكس ما لدينا في العالم العربي

في حديثنا معه عن رأيه في النقد وكيف يتقبله، يعتقد المصباحي أن الكاتب يستفيد من نقد الآخرين إذا كان النقد إيجابيا فعلا كما الحال عند الغربيين، عكس ما لدينا في العالم العربي، بحسب رأيه، حيث يقتصر النقد على السب والشتم والاعتداء، ولا وجود للنقد الإيجابي الذي يقدم قراءة أخرى للنص أو يجعل الكاتب يستكشف نفسه من جديد ويعيد النظر في ما يعتبره من المسلمات.

ويواصل مبينا “النقاد في تونس بصراحة لم يقرأوا أعمالي، وكم من مرة اصطدمت بأحدهم بعد أن يكون قد كتب مقالا تجديفيا ضدي، فأسأله بهدوء كم عملا قرأت لي؟ فيضطرب ويرتبك، وفي النهاية يعترف أنه لم يقرأ لي شيئا إطلاقا. وهذه هي مأساتنا الآن؛ فأن تهاجم الكاتب دون أن تقرأ له معضلة كبيرة”.

بمناسبة استحقاقه لجائزة محمد زفزاف، نسأل الكاتب التونسي عن الجوائز وما تضيفه إلى الكاتب والمبدع، ليقرّ بأن كل جائزة هي شيء جيد، مستشهدا برأي الطيب صالح ذات مرة “هي مكرمة”، إثر الدورة التي رفض فيها صنع الله إبراهيم الجائزة، حيث قال “المكرمات لا تردّ”.

المافيا والصعاليك

يعتقد المصباحي أنه رغم تكاثر الجوائز في العالم العربي اليوم، فإن الشيء الجيد مع الأسف يتحول إلى سلبي، كما يقول، فالجوائز مرهونة بيد اللجان التي تشرف عليها، وهذه اللجان غالبا ما تعاني من أمراض “الشلة”، إذ تتصرف بمبدأ انصر أخاك ظالما أو مظلوما، وهكذا تحيد الجائزة عن أهدافها وتبرز سلوكات خاطئة كالانتقام من كاتب ما أو ما شابه ذلك. وكأننا بضيفنا يحدثنا عن مافيا للمخدرات أو السلاح أو غيرهما، حيث أن محترَفُ الكتابة هو أيضا لا يخرج عن هذه القاعدة.

يقول المصباحي “عندما كنت شابا في مسيرتي الأدبية تعرفت على البياتي في مدريد، وجلست معه، كان ممتعا وله حضور قوي، وكان يحدثني عن المافيات الثقافية، فكنت أقول في نفسي لعله يبالغ. لأنني كنت أؤمن أن الثقافة بعيدة عن عقلية المافيا، لكن عندما أصبحت في قلب معمعتها أيقنت جازما أن المافيات الآن هي الـتي تحرك الثقافـة العربية”.

ويتابع “في تونس مثلا تراجعت المافيات بعد انهيار النظام السابق، لكن صعدت مافيات الجامعة من الجامعيين الذين يريدون انطلاقا من مراكزهم العلمية وشهاداتهم الأكاديمية أن يهيمنوا على الثقافة في تونس؛ المكتبة الوطنية تشرف عليها جامعية، والمركز الوطني للترجمة يشرف عليه أيضا جامعي، وكل دورة من دورات معرض الكتاب يعين جامعي دون إنتاجات أكاديمية أو إبداعية تذكر. لذا فإن هؤلاء الجامعيين ينتقمون من كل كاتب عريق في ما يتعلق بنيل الجوائز”.

الأديب دائما وأبدا صعلوك لا يعرف الجمود وهذا ليس جديدا، من هوميروس إلى أبي نواس ورامبو وغيرهم

ولا ينفي حسونة المصباحي هذه الممارسات أيضا عن جماعة اليسار في تونس، الذين لا يقبلون الاختلاف، حيث يتحدثون عن الإقصاء وهم أكثر من يمارسه.

هل كان حسونة المصباحي المولع بالرواية والقصة والأدب، يقرأ لحسونة المصباحي الروائي؟ يجيب ضيفنا “أعيد قراءة بعض الأعمال التي كتبتها قبل عشرين سنة فأعجب ببعضها وأشعر بخيبة عند قراءة أخرى.. إني أتطور من خلال تنويع قراءاتي، وأعيد قراءة البعض من الأعمال العالمية وكأنني أقرأها لأول مرة. من ناحية أخرى فإن كتابي الجديد الذي أنا في طور تأليفه عنوانه “البحث عن السعادة”، وهو عبارة عن رحلة في عالم الكتب، أحكي فيه سيرتي وقصتي مع الكتب المتنوعة والمتداخلة في موضوعاتها، تلك التي أحببتها والتي كان لها تأثير قوي في حياتي، وهي طريقة جديدة في الكتابة، لقد تأثرت بكتاب همنغواي تاريخ القراءة، والمكتبة في الليل، وكتاب هنري ميللر: كتب في حياتي. لذلك أردت أن أكتب بطريقتي الخاصة رحلة في عالم الكتب”.

ويحدثنا المصباحي عن الأديب الذي يراه دائما وأبدا صعلوكا، فهذا في نظره ليس جديدا؛ هوميروس الأعمى كان يطوف في بلاد اليونان ويقرأ أشعاره، وكان مشردا، ورامبو وأبو نواس وغيرهم، وفي المغرب محمد زفزاف الذي نال جائزته كان صعلوكا، شأنه شأن محمد شكري ومحمد خير الدين. وأديبنا يرى نفسه أيضا من ضمن هؤلاء.

يرى المصباحي أن بلده تونس هي الحبيبة التي تخونه مع ألدّ أعدائه، ويراها مريضة بملل ونحل وبأحزاب وبأيديولوجيات تخريبية، ولم تتشاف بعدُ من عللها وجراحها إثر أحداث 14 يناير، خاصة في ظل الإسلام السياسي الذي كان يتربص بالدولة منذ عهد بورقيبة، والذي أضر بتونس اليوم.

ويختم الكاتب “في أصيلة نوقشت الكثير من القضايا السياسية المهمة في ارتباط مع الثقافة، وكانت الندوة التي عقدت مهمة جدّا، لكن أين هو تشخيص هؤلاء الباحثين والمهتمين بالواقع، أتساءل هل هم فاعلون في الواقع؟ لست أدري، فمن يقدم تحليلا جيدا لواقع الحال ويكون غير قادر على أن يكون فاعلا في الواقع موضوعيا، فكأننا مثل الذي يريد أن ينبت الزهر في الصحراء”.

15