حسونة المصباحي: يهاجمونني ويهدرون أوقاتهم في تسول "الدعوات الثقافية"

الاثنين 2013/10/21
المصباحي: اليسار وضعني على قائمة المعادين للثورة

هو واحد من أبرز كتاب الرواية في تونس وأكثرهم إثارة للجدل. تروج حوله إشاعات كثيرة. لا يستقر في مكان. أعداؤه كثيرون وأصدقاؤه قلة كما يقول عن نفسه. خصوماته الفكرية مع نظرائه من الكتاب والشعراء لا تنتهي. مظهره يوحي بالخشونة واللامبالاة لكنه "يتألم" ويبكي لأغنية أو ذكرى. يكتب في صمت وعزلة مما دعا بعضهم إلى اتهامه بالغرور والتعالي غير أنه لا يعبأ ويقول: "يغارون مني"، إنه حسونة المصباحي، صاحب روايات "الآخرون" و"حكايات تونسية" و"نوارة الدفلى".

ولد الكاتب التونسي حسونة المصباحي في قرية "الذهبيات" بريف القيروان عام 1950، درس الآداب الفرنسية في جامعة تونس. بعد أن أمضى أكثر من عشرين سنة في مدينة ميونيخ الألمانية، عاد إلى بلده حيث يقيم ويعمل الآن في مدينة الحمامات. ترجمت أعماله إلى اللغة الألمانية، وفازت روايته "هلوسات ترشيش" بجائزة Toucan لأفضل كتاب للعام 2000 في مدينة ميونيخ.


الخوف من الفوضى


ابتدأنا حوارنا مع المصباحي بسؤاله عن نظرته إلى الواقع التونسي ما بعد الثورة، فأجابنا بقوله: "أوّلا وقبل كلّ شيء لا بدّ أن أعترف لك أنني أبديت منذ الأيام الأولى التي أعقبت سقوط نظام بن علي، رفضي لحلّ حزب التجمع رغم الأخطاء التي ارتكبها، ورفضي أيضا لبعث مجلس تأسيسي بهدف كتابة دستور جديد، وحملات "ارحل" التي طالت عددا كبيرا من المسؤولين الكبار في الدولة، والتي كانت القوى اليسارية وراءها، والمحرّضة عليها. وسبب رفضي لكلّ هذا هو الخوف من الفوضى، ومن تآكل الدولة، ومن انهيار مؤسساتها.

وهو ما حدث في العديد من دول العالم الثالث جارّا على شعوبها كوارث، وفواجع كثيرة. وبطبيعة الحال، هاجمتني القوى اليساريّة المعروفة بتنطّعها، وبجهلها لتاريخ البلاد، ولواقعها.

بل إن أحد اليسارييّن المعروف بعشقه للشعارات الفارغة، وللشطحات الثورية المضحكة وضعني على القائمة السوداء لمن سمّاهم بـ"المعادين للثورة" التي لم يشارك فيها إذ أنه كان "يتشخلع" في تايلاند! غير أن تلك الهجومات لم تفتّ في عزيمتي، ولم تمنعني من مواصلة انتقاد ما كان يجري، ويحدث. وأنا على يقين بأن الحركات اليساريّة المتطرّفة لعبت دورا هاما في تسليم مفاتيح البلاد إلى حركة النهضة، سامحة لها باستغلال الفراغ الهائل الذي كانت هي المتسبّبة فيه، والمسؤولة عنه.

ويعلم الجميع أن بعض اليساريين استغلوا ضعف الراجحي وزير الداخلية آنذاك، وأقنعوه بضرورة "تطهير" الأمن من الضباط الكبار الذين كانوا يمتلكون الدراية، والحنكة، ومطلعين على خفايا القضايا الخطيرة، والهامة. وهكذا وجدت النهضة تونس خالية من رجالها الذين ضمنوا لها الاستقرار والأمن على مدى عقود طويلة.

وهي التي درّبت أنصارها على العنف منذ نشأتها، وراحت تحرضهم على اكتساح المساجد، والأحياء الشعبيّة، لتجييش الناس باسم ما سمّاه الغنوشي "نصرة الإسلام".

كما أنها نجحت في جرّ خصومها السياسيين، اليساريين منهم بالخصوص، إلى الحلبة التي تتقن اللعب عليها مثل الهوية وغير ذلك. وهكذا تمكنت في ظرف زمني قصير، هي التي كانت تنشط، وتعمل في السريّة، وكان قادتها في المنافي، من أن تمدّ جذورها في المجتمع لتحصل على أغلبية المقاعد في المجلس التأسيسي.

والأمر الذي لم ينتبه إليه إلاّ القلائل هو أن حركة النهضة ليست لها أية رغبة في المشاركة في أيّ عمل يسمح بترسيخ الديمقراطيّة في تونس إذ أن هدفها الحقيقي منذ نشأتها هو تدمير، وتخريب المشروع الإصلاحي الحداثي الذي تميّزت به النخب التونسيّة منذ خير الدين باشا.

وها نحن نعاين أن النهضة لم تتغيّر كما توهّم الكثيرون، بل هي لا تزال متمسّكة بأساليبها القديمة. وبالعنف تواجه خصومها. واغتيالات المناضلين؛ لطفي نقض، وشكري بلعيد، ومحمد البراهمي أدلّة قاطعة على ذلك.

كما أن العمليات الإرهابية التي حصدت العشرات من جنود، وضبّاط جيشنا الوطني تعطي أدلّة أخرى على أن النهضة ليست مهتمّة إلاّ بمشروعها التخريبي الذي تحدثت عنه. ولا أخفي أنني أعيش راهنا خوفا دائما على مصير وطني، وعلى مصير الأجيال القادمة".


تشويه سمعتي


عن سؤالنا له حول عدم سعيه إلى المشاركة في الحراك الثقافي التونسي وإثراء واقع الثقافة بعد عودته من الغرب، يقول المصباحي: "عدتّ إلى تونس في صيف عام 2004. ومنذ البداية وجدتّ نفسي أنا الذي أمضيت فترة طويلة من حياتي في الغربة، عرضة لتهجّمات عنيفة من قبل العديد من المثقفين والكتاب الذين لا تربطني بهم أيّة صلة، ولم يسبق لي أن التقيت بالبعض منهم.

وأتذكر أن كاتبا معروفا هددّني قائلا: "نحن في انتظارك لنصفّي حساباتنا معك" وأما مجلة "الملاحظ" المقرّبة جدّا من نظام بن علي، فقد دأبت على مدى سنوات طويلة على مهاجمتي أسبوعيّا، والتشنيع بي، وتشويه سمعتي. ولمّا اشتكيت أمري إلى رئيس تحريرها بوبكر الصغير قال لي: "نحن بالمرصاد لك".

وعليّ أن أشير أيضا إلى أني كنت أقصى دائما من حضور الندوات المخصصة للرواية التونسيّة. بل إن أستاذا جامعيّا معروفا شطب اسمي من قائمة الروائيين التونسيين الذين برزوا خلال العشرين سنة الماضية.

وقد قبلت جائزة "لجنة التحكيم" التي تمنحها مؤسّسة "كومار" بعد أن أصدرت روايتي "نوّارة الدفلى"، غير أني رفضتها عندما منحت لي لروايتي "رماد الحياة" لاقتناعي بأن اللجنة مصرّة على مواصلة ظلمي، وتجاهل قيمة أعمالي.

وهربا من الأجواء الثقافيّة الفاسدة، اخترت الإقامة بعيدا عن العاصمة لأعيش منفى داخليّا تمكّنت فيه من أن أواصل عملي في الصمت والهدوء، وأن أنجز أعمالا في مختلف مجالات الكتابة، والإبداع والترجمة. وأعتقد أنني فعلت خيرا بنفسي. فأنا أرى أن المبدع الحقيقي لا بدّ أن يهتمّ بعالمه الداخلي.

وعندما أتعب من القراءة والعمل، وعادة ما يكون ذلك في نهاية النهار، أحب أن أستمع إلى ما أعشق من الموسيقى من مختلف أنحاء العالم، خصوصا السمفونيّات الكلاسيكيّة. وعليّ أن أشير أيضا إلى أني أحب كثيرا الأعمال المنزلية مثل الطبخ، وترتيب البيت.

وفي ذلك أجد متعة كبيرة، مع ذلك لا أنكر تعاطف بعض الأصدقاء معي خلال الحملات التي كانت تشنّ ضدي. وهم كانوا حقّا أصدقاء رائعين. وزياراتهم لي كانت تمنحني القوة والعزم، وتقدّم لي الدليل السّاطع على أن الخير، والحب، والصداقة وكلّ القيم النبيلة لا يمكن أن تذبل، وتموت في بلاد حنّبعل، وابن خلدون، والشابي، والحداد".


أشواك وياسمين


حول ما يتهمه به البعض من التزلف والتقرب من بعض قادة الأحزاب لحيازة منصب أو تكليف، يجيب المصباحي بالقول: "أنا لست تابعا لأيّ حزب، ومنذ أواخر السبعينات من القرن الماضي، لم أمارس أيّ نشاط سياسيّ.

وأفكاري السياسيّة أعبّر عنها من خلال ما أكتب من مقالات، ومن قصص، ومن روايات… وأنا لا أخفي أني أبدي نوعا من التعاطف مع حزب نداء تونس، وأكنّ تقديرا كبيرا لزعيمه الأستاذ الباجي قائد السبسي. غير أني لم ألتق به، ولا أعرف حتى عنوان مقرّ حزبه. لذلك أرجو أن التثبّت من الحقيقة قبل طرح أسئلة قائمة على الإشاعات والأقاويل المغرضة".

وعن سبب عودته للعيش في الغرب من جديد، يقول: "قررت العودة إلى تونس بعد أن فقدت عملي في جريدة "الشرق الأوسط" عام 2004. كما أنني كنت قد بدأت أشعر بأن تجربتي الألمانيّة اكتملت ولن تكون دافعا للكتابة، والإبداع كما كان الحال من قبل…وهكذا عدت.

وقد أمضيت عام 2012 في لوس أنجلس بمنحة ألمانية مكنتني من كتابة رواية جديدة بعنوان "أشواك وياسمين" وهي تروي فصولا من تاريخ تونس في الماضي والحاضر. كما مكّنتني من أن أكتشف مناخات ثقافية رائعة، ومن تعلم كتابة السيناريو، ومن إلقاء محاضرات في جامعات أميركية عريقة مثل برنستون بنيويورك. والآن أنا أعيش في تونس رغم الفوضى التي غرقت فيها في ظلّ حكم النهضة".

يتهم كتاب تونس المصباحي بكونه أقصاهم على مدى عشرات السنوات ولم يكن غيره يمثل تونس في الخارج نظرا للصداقات التي يتمتع بها مع القائمين على المهرجانات والفعاليات الأدبية في العالم العربي، وفي هذا الشأن يقول: "أنا لست متعهّد حفلات أو مهرجانات. وهؤلاء الذين يحمّلونني مسؤوليّة عدم دعوتهم إلى المهرجانات هم في الحقيقة يحضرون المهرجانات أكثر منّي، ويصرفون جلّ أوقاتهم في تسوّل الدعوات.

وثمة منهم من ليست له أيّة قيمة ثقافيّة أو فكريّة أو فنيّة تخوّل له حضور المهرجانات. لذا عليهم أن يسألوا القائمين عليها ليعرفوا سبب عدم حضورهم، ودعوتهم. وعندما كنت في ألمانيا، أقنعت بعض المؤسسات الثقافية بدعوة شعراء من أمثال أولاد أحمد ومنصف الوهايبي ومحمد الغزي ومحمد علي اليوسفي وفضيلة الشابي وزهرة العبيدي وغيرهم.

وأعلم أنه لا أحد من هؤلاء اقترح اسمي ولو لمرة واحدة لحضور مهرجان أو ندوة، غير أني لم أحاسبهم على ذلك. ثم لماذا يحملني هؤلاء السادة مثل هذه المسؤولية؟ هل أنا وزارة الثقافة؟ هل أنا مؤسسة ثقافيّة كبيرة تتمتع بميزانيّة مثل اتحاد الكتاب؟ وفي النهاية أقول لهؤلاء بأن المهرجانات لا تصنع الكتاب، ولا الفنانين، وما يصنع المبدع هو ثباته على العمل. لذا يكفيكم تباكيا، واعملوا على أن تفيدوا أنفسكم، وتفيدوا الناس إن أمكن لكم ذلك.


متعة الوحدة


عن زواجه وعلاقته بزوجته، يقول المصباحي: "تزوجت في صيف عام 1990 من طالبة ألمانيّة كانت تدرس تاريخ الفنون. فعلت ذلك بعد أن أمضيت معها سنتين في علاقة حرة. وهي تتقن ثلاث لغات: الفرنسيّة والإنكليزيّة والإيطاليّة. وقد قمنا برحلات إلى العديد من البلدان. وقد أحبتْ تونس كثيرا، خصوصا مدينة القيروان. لكن بعد مرور سبع سنوات على زواجنا، انفصلنا. وهي الآن صديقة عزيزة. في كلّ زيارة إلى ميونيخ، أقضي معها أوقاتا ممتعة وسعيدة للغاية".

المصباحي يعيش الآن وحيدا، فهل هو خيار أم واقع مفروض عليه لسبب أو لآخر؟ يجيبنا في هذا الغرض بقوله: "الوحدة ضرورية للمبدع، وإلاّ تشتت ذهنه وبات معنيّا بالعالم الخارجي بضجيجه وصخبه، وليس بالعالم الداخلي . وما ألاحظه في تونس هو عدم قدرة العديد من الكتاب والشعراء على تحمّل الوحدة، بل هم يفرون منها هاربين كلّما توفّرت لهم فرصة ليكنوا بعيدا عن هرج العالم الخارجي، ومرجه.

وأنا درّبت نفسي على العيش وحيدا منذ الطفولة. فقد كنت أقطع المسافات الطويلة بين المدرسة والبيت في ريف القيروان وليس معي غير أحلامي، وأوهامي، ومخاوفي، وهواجسي. والآن أجد في الوحدة متعتي، وراحتي وملاذي الأمين. ثمّ إني أعيش من قلمي، وليس لديّ وقت أبدّده في المقاهي، وفي الثرثرة الفارغة مع من لا يدركون معاني الأدب والكتابة والوقت".
15