حسين آل دهيم: قصيدة النثر العربية لها قدرة استثنائية على "الصراخ" بالحرية

الجمعة 2014/03/14
آل دهيم: لا يجب على الشاعر الحقيقي أن يؤمن بالإجماع

الرياض- الشاعر السعودي حسين آل دهيم أصدر مؤخرا ديوانه “أوبة الهرطيق” بلغة حملت في كفها أكثر من وجه شعري، تقف على الأسئلة قدر وقوفها على الجمال. لغة تضع المتلقي أمام نفسه وأمام العالم وكأن النصوص تتكلّم معه بفم كبير، ينتقل آل دهيم من نص إلى نص آخر بثقة عالية يراهن عبرها على ما يريد من النص. ورغم كونه يقدّم مشروعه بأساليب شعرية مختلفة إلا أنه يصل في كل مرة للدهشة مع المتلقي. صحيفة "العرب" توقفت مع الشاعر حسين آل دهيم للحديث عن مجموعة “أوبة الهرطيق”.

وزّع الشاعر حسين آل دهيم مجموعته “أوبة الهرطيق” على ثلاثة مفاصل شعرية هي “سيدي الشعر كان هناك” و”سورة الأصدقاء” و”تشكيل آخر لحافة الهاوية”.

وعن المجموعة يقول: “أوبة الهرطيق ما هي إلا محاولة لتجاوز “هلوسة تعتمل في فمي” (ديوانه السابق) من حيث الرؤى والصيغ الجمالية، هي حالة ربما حاولت فيها الاتكاء على أكثر من حدّ للوصول إلى مناطق لم أطأها من قبل في الكتابة، هي كما قلت محاولة آمل من خلالها أن تقاطعني بعوالم الآخر”.


أول الأحرار

نص "الرائي" من مجموعة "أوبة الهرطيق"
قلبُه زُقاقٌ خلفيٌّ، بلا قناديلَ ولا شرفاتٍ/ يتجولُ به كثيراً ، إلى أن ينسحقَ ظِلُّه منَ المشي./ يعرِفُ كيفَ يعلمُ جسدَهُ أَن يكونَ مهبطاً للريحِ/ دونَ أن تتحطمَ عليه،/ ويعملُ على تربيتِه أَن يكونَ ساحلاً/ حتّى يُصابَ بالارتجاجِ من فرطِ الزبدِ،/ ثم يعلنُ أنهُ قد أُوحيَ إِليَّ:/ أنَّ الغيمةَ ليست وشاحَ الأرضِ المبتلِّ،/ وأن العصافيرَ لا تعدو أَن تكونَ وشماً على بطنِ السماء،/ فلأقطعْ لسانَ المدى الذي لا يبدأُ من أذني.

***

عندما كانَ طِفلاً،/ استحوذت عليهِ فكرة أن يخبرَ أظافرَه/ أنها ليست ثالثَ ثلاثةٍ ،/ تقترفُ نبشَ الرمادِ لحلِّ الأَحاجِي/ وأن الاشتعالَ ما هو إلا صورةً أخرى لتشقُّقِ رُكبتيهِ./ المدى عندَه كالصمتِ،/ كلاهُمَا مصابٌ بالأرقِ والشَّرقةِ/ وزفيرُه كأسٌ وحيدةٌ لا تراقُ في الأشهرِ الحُرُم./

***

عندَ كُلِّ شفَقٍ، يتكومُ عند بابِهِ ويتذكرُ/ أنَّ الشمسَ فخَّارٌ مشتعلٌ يتكسرُ على عنقِ الأرضِ/ ويذوبُ في جوفِها نبيذاً تثملُ به، وهي تلبسُ عباءَتها السوداءَ/ كي ترقصَ رَقصتَها المسائيةَ،/ لغوايةِ الأفلاكِ المهاجرة،/ و يبقى متسائلاً، ما بال خطواتِي متعرجةٌ ، وجذعي مستقيمٌ ورجراج؟/


إذا كانت الهرطقة -على المستوى الديني- تعدّ تغييرا في منظومة معتقدات ثابتة تحت تأثير سلطة الأسئلة الفلسفية فإن الشاعر تحت هذا المدلول يرغب في أن يكون هرطيقا كبيرا يفسد منظومة الوجود ليعيد صناعتها ثانية وفق رؤيته الشعرية.

يقول آل دهيم عن هذا الشأن: “الشاعر لا يودّ أن يكون هرطيقا، بل يجب أن يحقق حقيقته بأن ينفصل عن كل قطيع، والانفصال هنا هو التجاوز بالنسبة للشاعر لكنه بالنسبة للمجموع هو هرطقة أو ما يعادلها من مصطلحات دالة على هذا التوجه كالزندقة والصعلكة والخروج وخــلافه. إذن، الشاعر الحقيقي لا يجب عليه الإيمان بالإجماع، الإجماع تبعية والشاعر أول الأحرار على الأرض”.


ابتلاء الخيبة


من الواضح أن أثر الربيع العربي بدا واضحا في تفاصيل القصائد التي أرادت أن تنأى عن الوقوع في فخ المباشرة، ورغم خفّتها في القفز إلى سماء الحدث فإنها تحمل رائحة الأرض والطين وانكسارات ما بعد الربيع التي أصابت المثقف العربي بالخيبة من تحوّل الهامش إلى هامش مضاعف على مستوى المكتسبات الثـــقافية واليوميــة التي تتيحها الحرية في أقصى حالتها ضيقا.

عن ذلك يتفق معنا آل دهيم ويضيف: “لا يستطيع أيّ مراقب عن كثب للربيع العربي وتحوّلات ما بعده أن ينكر بأنه لم تتزعزع لديه بعض الثوابت وإيقاظ الخيبة التي كانت تنام بعين مفتوحة، أنا كأيّ قارئ لما جرى ولما يزال يجري من سرقة لتعب الإنسان واغتيال لأحلامه، لا بدّ أن أصاب بالخيبة”.

يظل سؤال قصيدة النثر قائما في زمن الربيع العربي الملطّخ بدماء الشعوب البريئة، فالشاعر -أحيانا- ينزع رداء البلاغة ليصرخ عاليا. يقول آل دهيم: “في رأيي إن قصيدة النثر العربية أثبتت عبر مسيرتها بأن لها قدرة استثنائية على “الصراخ” بالحرّية دائما لما تملكه من معادل موضوعي لتحقيق الحرية في ذاتها، قصيدة النثر باختصار كائن تعبيري لا يخذل الكاتب بقدر ما يحقق له التعبير عمّا يهجس به بصورة مثالية”.

14