حسين آيت أحمد.. الأبقى في منظومة القيم

الأربعاء 2015/12/30

لم يكن الزعيم الراحل حسين آيت أحمد حالة جزائرية فريدة من ناحية العمل السياسي بعد الاستقلال، ولكنه بلا شك كان ثائرا وطنيا مخلصا، حاملا لرؤية واضحة تركزت في الدعوة إلى الديمقراطية، في وقت لم تكن فيه الجزائر على مستوى رفاقه على استعداد للدخول في أي تعددية، وذلك يعود، من خلال قراءتي للتجربة الجزائرية إلى أمرين، ظلا متحكمين في الواقع الجزائري إلى غاية إقرار التعددية في دستور 23 فبراير 1989، على خلفية تحرك الشارع من أجل مطالب اجتماعية واقتصادية في أكتوبر 1988، وقد استغلت تلك الأحداث من طرف السلطة بقيادة جبهة التحرير الوطني ومن المعارضة الممنوعة والخفية، وبفضلها وصلت الجزائر إلى تعددية حزبية نرى نتائجها اليوم في الصراع بين مؤسسات الدولة.

الأمر الأول: أن الجزائر عاشت في عهود الاستعمار الفرنسي تجربة قيام الأحزاب، وعانت من مطالبها التي لم تتعد، بحكم متطلبات ذلك الزمان، اعتراف فرنسا بحقوق الجزائريين، ومن تلك الأحزاب من كان يراهن على انتصار قوى اليسار في فرنسا ووصولها إلى الحكم، وحينها سيحصل الجزائريون على حقوقهم، وبناء على تلك الخلفية لم يكن الثوار المنتصرون على استعداد لإرساء ديمقراطية عبر أسسها الغربية، واختاروا ما أسسوا له وثائقيا وتطبيقيا “الديمقراطية المسؤولة” من وجهة نظرهم، والتي ظلت مبدأ وشعارا وتعريفا في صيغته الماضية والحاضرة، وهي “الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية”.

الأمر الثاني: أن حزب جبهة التحرير الوطني، لم يكن في الزمن الأول للاستقلال على استعداد لأن يفكك المكونات الحزبية للجبهة، ليس فقط لأنه الحزب المنتصر الوحيد، ولكن لأن الانضمام إليه في سنوات الثورة من الأحزاب التي كانت موجودة في ذلك الوقت تمّ من خلال حلَّها، صحيح أن الملتحقين به ظلوا حاملين لقناعاتهم الأيديولوجية وحتى التنظيمية، ولكنهم ذابوا في بوتقة جبهة التحرير الوطني، وهناك منهم من بقي ينتظر الفرصة لطرح تصوراته، ومنهم بالطبع الزعيم حسين آيت أحمد، إضافة إلى ذلك فإن جبهة التحرير الوطني تحولت بعد الاستقلال إلى دولة مدعومة من الجيش الوطني الشعبي، أي أنها تملك القوة التنظيمية، والرؤى السياسية والقوة العسكرية، والأكثر من هذا تأييد الشعب بعد انتصارها على المستعمر وتحرير البلاد، وقد زاد التمسك بها بعد أزمة صيف 1963.

آيت أحمد متمرد بطبعه، ولهذا فإن تصوراته الديمقراطية التي دعا إليها في وقت مبكر لم تكن مؤسسة من الناحية العملية

على النحو السابق، يمكن القول إن آيت أحمد لم يكن مرفوضا لشخصه من طرف رفاقه – إذا استثنينا من ذلك أحمد بن بلة حيث بدأ الخلاف بينهما منذ اتهامه لآيت أحمد بطرح المسألة البربرية – ولكنه رفض كان توجها ورؤية خاصة به ظل يدافع عنها طول حياته، وهي تكوين مجلس تأسيسي للدولة الجزائرية، ومن خلال رؤيته تمنّى أن يكون رئيسا للجزائر يوما، وحين ترشح في 1999 كان أمله كبيرا، لكنه انسحب مع غيره من المترشحين حين اكتشف أن الانتخابات لن تكون في صالحه، انطلاقا من أن الجيش يدعم عبدالعزيز بوتفليقة.

والواقع أن موقفه ذلك ـ الخاص بعدم التعاون مع الجيش ـ متجذر في تجربته التاريخية والنضالية منذ أن كان في السجن بعد اختطافه مع الزعماء الخمسة، فالمصادر التاريخية والشهود أيضا وأحاديث ثوار الأمس قادة اليوم، تشير إلى أن قيادة الجيش عرضت عليه الحكم، كما عرضته على رفيقه محمد بوضياف، وأيضا على أحمد بن بلة، فقبل هذا الأخير دعم الجيش والتعاون معه، وبذلك وصل إلى الحكم، في حين رفض آيت أحمد وبوضياف، ونهايتهما معروفة، وصول بوضياف إلى الحكم، وإن كانت مدة حكمه كانت قصيرة، أقل من 6 شهور وانتهى مقتولا، وتوفي آيت أحمد دون أن يصبح حاكما للجزائر.

يذهب البعض إلى أن آيت أحمد متمرد بطبعه، وهذا لا يتفق مع متطلبات العمل الديمقراطي، ولهذا فإن تصوراته الديمقراطية التي دعا إليها في وقت مبكر لم تكن مؤسسة من الناحية العملية، ويتجلى ذلك في مسارين حاسمين في حياته بالرغم مما يحمله من وعي ثقافي وتاريخ نضالي وبطولي، الأول: يتمثل في عدم نسيانه لخصومه ـ كما ذهب إلى ذلك الكاتب ووزير الإعلام الأسبق محي الدين عميمور في أحد مقالاته ـ ومن خلال حالته تلك بدأت مسيرته بعد الاستقلال بقيادته لتمرد في منطقة القبائل، تصفية للحساب القديم مع الرئيس أحمد بن بلة، وقد انتهى ذلك إلى القبض عليه وحكم عليه بالإعدام، وقد فر من السجن بعد ذلك، وواصل دراسته وحافظ على زعامته لجبهة القوى الاشتراكية، أهم الأحزاب المعارضة، التي حاولت عبر كل سنوات الاستقلال الحفاظ على وجودها تحت الأرض، وإن كانت لم تحقق نجاحا كبيرا في الانتشار عبر البلاد، وهو ما تأكد في مرحلة التعددية.. المهم هنا أنه من أجل السلطة تمرد على بن بلة، وليس من أجل الديمقراطية، ولو نجح التمرد في منطقته لأدى ذلك إلى تقسيم الجزائر.

المسار الثاني، وهو مساهمته الفاعلة في إيقاف المسار الانتخابي عام 1992، وذلك عندما حصلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على أصوات نصف الناخبين في الجولة الأولى عام 1991، ومع أن حزبه حقق فوزا كبيرا بحصوله على المرتبة الثالثة إلا أنه قاد مظاهرة حاشدة رافضة لانتصار الجبهة الإسلامية، تحت شعار “لا لدولة أصولية ولا لدولة بوليسية”، وكان نتيجتها قيام مجلس خماسي برئاسة محمد بوضياف، وهنا زاد عداؤه للجيش الذي لم يلجأ إليه واختار رفيقه بوضياف.

من خلال المسارين السابقين، وأيضا من خلال تجربته الطويلة في المعارضة، تبدو تصورات الزعيم الراحل حسين آيت أحمد للديمقراطية، ذات صبغة شخصية وهذا لا يعيبها، فالسياسة دائما هكذا، لكنه على مستوى الكفاح الوطني سيظل مرجع نور كلما حل الظلام في الجزائر، وهو أيضا مصدر تقدير وحب من جيل الثورة ومن الأجيال الجديدة، وذلك في منظومة القيم هو الأفضل والأبقى.

كاتب وصحفي جزائري

9