حسين أمير عبداللهيان وقبلة يهوذا على خد حليفه الأسد

الأحد 2015/09/06
فكر متطرف لنظام يسعى لبناء امبراطورية توسعية

عرض حسين أمير عبداللهيان نائب وزير الخارجية الإيراني، مبادرة بلاده على حسن نصرالله والمبعوث الدولي دي مستورا في بيروت، ثم طار إلى دمشق للقاء رئيس النظام فيها، بشار الأسد ومساعديه، ولم يرشح، رسمياً، حتى اللحظة، ما يوحي بشكل تلك المبادرة أو بنودها، أو الاتجاه الذي ستمضي فيه، غير تصريحات عبداللهيان ذاته، التي أكّد فيها على ضرورة دور الأسد وحكومته في المرحلة المقبلة، بعد تطبيق المبادرة الإيرانية، وتشكيل حكومة وطنية مشتركة ما بين من تراهم إيران، وروسيا من خلفها، معارضة، من جهة، وبين شخصيات من نظام الأسد، على أن يبدأ كل شيء بوقف فوري لإطلاق النار، للتفرغ لمحاربة الإرهاب والتطرف.

حضارات وخيم

لم تخف إيران مشروعها الإمبراطوري، وحتى من يقدّمون أنفسهم فيها على أنهم معتدلون، ليسوا على استعداد للتخلي عن فكرتين معاً، نظام الولي الفقيه، وتبرير وجود المتعصبين القوميين في عمق بنية النظام الإيراني، دون محاسبتهم على تصريحاتهم المتطرفة والعنصرية تجاه العرب، وتباهيهم باحتلال أربع عواصم عربية، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، أو باعتبار بغداد مركزاً للإمبراطورية الفارسية العائدة إلى الوجود.

وقد تسرّب كلام إلى أحد زعماء المنطقة العربية، عن محضر اجتماع سري جرى مؤخراً، ما بين مسؤولين إيرانيين ومسؤولين مصريين، قول الإيرانيين لنظرائهم المصريين “نحن وأنتم فقط في هذه المنطقة، حضارات، الفارسية والفرعونية، وما تبقى من الدول كلها مجرد خيم لا أكثر”، ما يعكس رؤية طهران الحقيقية والاستراتيجية للشرق الأوسط اليوم، وما يشي بوضوح بتطور الخطاب العنصري الإيراني تجاه العرب، إلى قناعات ثابتة حول إعادة التاريخ القديم إلى ما هو أبعد من علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، أو الحسين ويزيد، وتجاوز الخلاف المذهبي والطائفي إلى عمق معنى الحضارات التي قصدها الإيرانيون، والتي لا يفهمون منها سوى النفوذ العسكري والأمني والقوة الغاشمة، مهما كان الثمن.

في تكوين النظام الإيراني، رجال دين، ورجال سلطة ومخابرات وقادة عسكريون، الجميع اليوم، كان قد تخرّج من تجربة الحرب الإيرانية العراقية، التي رأت إيران أنها خرجت منها منتصرة، ليس بشكل مباشر، ولكن بشكل حاسم، بفضل تحالفها مع الشيطان الأكبر، عدوها السابق، الولايات المتحدة، التي احتلت لها العراق وسلمتها رئيسه صدام حسين لتعدمه، ولتحتل البلد العربي الذي كان يشكل القوة الكبرى في وجه تصدير ما تسميه إيران بثورة الخميني، ثم غادرت القوات الأميركية، تاركة العراق مساحة إضافية مكتسبة أضيفت إلى مساحة إيران، التي توسعت غرباً نحو سوريا ولبنان، وجنوباً نحو اليمن.

جرائم الحرب التي ارتكبت في سوريا على يد الأسد والميليشيات الداعمة له، يقول عنها عبداللهيان إن أردنا التحدث حولها، فعلينا أن نذهب إلى محكمة دولية، ولا نلقي الاتهامات هكذا، حينها، حسب عبداللهيان، سيجلس كثيرون في قفص الاتهام، ومنهم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون والأمير سعود الفيصل وآخرون أرسلوا شحنات عسكرية لدعم المعارضة، وليس الأسد فقط

القيادة من الخلف

ولد عبداللهيان في العام 1964 في مقاطعة دامغان في إيران، وهو يتحدث العربية والانكليزية بطلاقة، ويتولى جميع المناصب التي كان قد كلّف بها سابقاً، في الوقت ذاته اليوم، وهو يعتبر مهندساً رفيعاً لشؤون المنطقة العربية في النظام الإيراني، يشرف على المصالح السياسية الإيرانية في الخليج وشمال أفريقيا، ويزور العواصم الخليجية بين الوقت والآخر، لشرح تطورات الموقف الإيراني للمسؤولين العرب، وكان تباهيه بحضوره حفل تنصيب الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي واجتماعه بالأمير عبدالعزيز بن عبدالله بن عبدالعزيز، نائب وزير الخارجية السعودي، أمراً لافتاً، لم يتردد عبداللهيان بالإفصاح عنه لدير شبيغل الألمانية، مؤكداً على أن إيران تريد الاتفاق مع السعودية على حل ينهي الأزمات في المنطقة العربية وعلى رأسها الملف السوري.

قضى عبداللهيان الشطر الأكبر من عقد التسعينات في بغداد، مسؤولاً أعلى في السفارة الإيرانية، ثم نائباً للسفير، وفي السنة التي سقطت فيها بغداد، بالاحتلال الأميركي المباشر، أصبح مسؤولاً عن الملف العراقي في الخارجية الإيرانية 2003، وأنشأ من أجل هذا قسماً خاصاً في النظام الإيراني، يتولى إدارة شؤون العراق.

كان عبداللهيان سفيراً لطهران في البحرين، حتى العام 2010 وساهم بدور كبير في تحضير بعض الجهات في البحرين، للعب دور سيأتي لاحقاً، ويؤجّج العلاقة ما بين الدولة من جهة وبين أولئك الذين رفعوا شعار المظلومية، مسلحين بما تموّنهم به إيران على مراحل من سلاح وذخائر ومتفجرات.

انتقل عبداللهيان من سفارة إيران في البحرين إلى منصب المدير العام لمنطقة الخليج والشرق الأوسط، ومع بدء انتفاضات الربيع العربي، في العام 2011، تم تعيينه نائباً لوزير الخارجية متخصصاً في كل ما يتعلق بالدول العربية والأفريقية، ليلعب الدور الأبرز في تخطيط السياسات الإيرانية ورسمها، وطرح أوراق العمل التي تعكس التصورات الإيرانية الحقيقية لمستقبل المنطقة.

يرى عبداللهيان أن دور إيران في إطفاء حرائق المنطقة، يكمن في دعم الانظمة والميليشيات التي تتحالف معها، ويكرر دائما أن إيران قامت بتقديم النصيحة لبشار الأسد وجيشه، بأشكال مختلفة، “حتى يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم ضد الهجوم الإرهابي”. ولكن عبداللهيان يضيف “هذا لا يعني أن نتجاهل مطالب المعارضة السياسية أو أننا نؤمن بأن الرئيس الأسد يجب أن يبقى رئيسا لبقية حياته”.

المبادرة الإيرانية، ذات البنود الأربعة، ترى أنه لا بد من حل سياسي للأوضاع في سوريا، بعيدا عن التدخل الخارجي، من أيّ دولة كانت، وهي بذلك تغض الطرف عن التدخل الإيراني ذاته، مستثنية نفسها من قاعدة "لا تدخل خارجي"، وتبدأ البنود من وقف فوري لإطلاق النار، تلتزم به الأطراف جميعها، ويجري تطبيقه بالقوة على من يخالف ذلك

ومع ذلك لا يستطيع نائب وزير الخارجية الإيراني أن يتصور أن الانتفاضة السورية كانت سلمية في بدايتها، وأن جيش الأسد قام بشن حرب عنيفة ضد المدنيين، بل إنه يرى أن كثيرين قد قتلوا في سوريا، خلال السنوات الماضية، بسبب الإرهابيين متعددي الجنسيات.

أما من يتحدث عن جرائم حرب ارتكبت في سوريا على يد الأسد والميليشيات الداعمة له، فإن عبداللهيان يقول له، عليك أن تذهب إلى محكمة دولية، ولا تلقي الاتهامات هكذا، حينها، حسب عبداللهيان، سيجلس كثيرون في قفص الاتهام، ومنهم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون والأمير سعود الفيصل الذين أرسلوا شحنات عسكرية لدعم المعارضة، وليس الأسد فقط.

وهو يعترف بأن هناك ضحايا من الأبرياء المدنيين سقطوا في هجمات لجيش الأسد، ولكنه لا يتجاهل حقيقة أن العديد من الدول وأجهزة الاستخبارات مكنت الإرهابيين، كما يقول، من شن الهجمات المضادة، ويضرب مثلاً على الإرهابيين المعارضين للأسد بجبهة النصرة.

إعادة تنظيم المنطقة

القناعة التي يتحرك وفقها عبداللهيان، تقول إن ما يحدث في الشرق الأوسط في السنوات الأربع الماضية، كان جزءاً من خطة تهدف إلى “إعادة تنظيم المنطقة”، وبناء على ذلك تم خلق التنظيمات الإرهابية، وإن دول الخليج العربي، ومنها السعودية وقطر ستكون هدفاً لتلك التنظيمات الإرهابية، وأن السيناريو هو تحريك الدمى الإرهابية للنهوض من تركيا عبر سوريا إلى المناطق السنية في العراق، وصولاً إلى الحدود الإيرانية.

ولا يبرّر عبداللهيان، كيف تدعم دول الخليج التنظيمات الإرهابية التي ستنقض عليها لاحقاً؟ ولا يجد متهماً يشير إليه بإصبعه سوى “الموساد” الإسرائيلي، الذي يقدّم “الخدمات السرية” للمتطرفين الإسلاميين السنة، والهدف النهائي هو “إقامة الخلافة الدولية”.

وبناء على ذلك، يتوجب على إيران الوقوف في وجه هذا المشروع، ومنع “إعادة تنظيم المنطقة”، ولكن ما يظهر عبر سلوك إيران، أنها لا تريد منع المشروع، إن صح وجوده، بل تريد المشاركة فيه، واقتسام النفوذ في المنطقة على حساب الدول العربية التي لا تراها جديرة بحكم نفسها بنفسها، متلاقية بذلك مع مفاهيم القوى الاستعمارية الكلاسيكية القديمة، التي رأت أن شعوب الشرق لا تملك القدرة على إدارة الشرق، ولذلك كان لا بدّ من انتداب يرتّب المنطقة وشؤونها.

عبداللهيان يمضي الشطر الأكبر من عقد التسعينات في بغداد، مسؤولا أعلى في السفارة الإيرانية، ثم نائبا للسفير، وفي السنة التي سقطت فيها العاصمة العراقية تحت الاحتلال الأميركي المباشر، يصبح عبداللهيان مسؤولا عن الملف العراقي في الخارجية الإيرانية 2003، وينشئ من أجل ذلك قسما خاصا في النظام الإيراني، يتولى إدارة شؤون العراق

خطة رباعية

ترى المبادرة الإيرانية، أنه لا بدّ من حل سياسي للأوضاع في سوريا، بعيداً عن التدخل الخارجي، من أيّ دولة كانت، وهي بذلك تغض الطرف عن التدخل الإيراني ذاته، مستثنية ذاتها من قاعدة “لا تدخّل خارجي”، وتضع من أجل ذلك أربعة أسس تبدأ من وقف فوري لإطلاق النار، تلتزم به الأطراف جميعها، ويجري تطبيقه بالقوة على من يخالف ذلك، بالطبع المستهدف من هذا التوجّه هو توسيع دائرة الحرب

الدولية على تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) ليشمل أيضاً المعارضة السورية المختلفة على امتداد الخارطة السورية، وليتشارك التحالف الدولي مع نظام الأسد في “فرض وقف إطلاق النار”.

المبدأ الثاني، يقوم على وضع ميثاق لضمان حقوق الأقليات الدينية والطائفية والعرقية في سوريا، منعاً لهيمنة الأكثرية، أو عمليات الانتقام أو الاقصاء، أو حتى (وهو ما ورد بالحرف الواحد في خطة دي ميستورا الجديدة) الامتناع الكلي عن أيّ اجتثاث لحزب البعث العربي الاشتراكي، أو محاسبة مسؤوليه.

المبدأ الثالث يقضي بإطلاق حوار وطني سوري ـ سوري، ينتهي بالمبدأ الرابع، وهو إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية بإشراف دولي، وهو ما رفضه الأسد حين ورد على لسان دي مستورا، وما تحاول إيران دفعه للموافقة عليه، من خلال زيارة عبداللهيان الأخيرة.

يعلم الأسد، ويعلم عبداللهيان، والعالم معهما، أن موافقة الأسد على إشراف دولي على أيّ عملة انتخابية شفافة تشمل الشعب السوري في جميع المناطق السورية، واليوم في بلاد اللجوء، ستؤدي بالضرورة إلى خروجه من الحكم، بعد الدمار الذي لحق بسوريا بسببه، والمجازر وجرائم الحرب التي ارتكبتها قواته.

في أثناء تطبيق المراحل السابقة، ستكون الحرب على الإرهاب مستمرة، وترى إيران أنه يجب أن تشارك فيها المعارضة السورية المسلحة، بإشراف دولي كذلك، ما يجعل مهمة الجميع، بسط سلطة الدولة السورية الديمقراطية التي هي هدف مشترك للكل، كما تقول إيران.

يشمل هذا كلّه إجراء حملات واسعة لتوفير المساعدات الإنسانية العاجلة، التي يصفها عبداللهيان بأنها “واجب ديني وإنساني في المجتمع الدولي”، وتعزيز المسار السياسي وتسهيل محادثات شاملة هي الطريقة الأنسب لتحقيق حل سياسي، والأهم بالنسبة إلى إيران، تعزيز محادثات حقيقية على المستويين الإقليمي والدولي، وتلك هي الطاولة التي ستفاوض فيها إيران على مكاسبها من استثمارها للأسد في سوريا، ويكون الأخير الذي دافعت عنه إيران بشراسة مصورة إياه للعالم على أنه رئيس بريء، يستعد اليوم لتلقي قُبلة يهوذا الإيرانية التي ستسبق تسليمه لمصيره المجهول.

إيران القادمة من الماضي، تريد إعادة التاريخ إلى الوراء، إلى زمن الفرس والفراعنة والرومان والإغريق، وهي بذلك لا تختلف عن فكر داعش الذي يرى العالم كما لو أنه في القرن السادس الميلادي، زمن الغزو والفتح والرومان والخلافة وكسرى والسبايا.

7