حسين الأعظمي يحذر من انحسار المقام العراقي

يعتقد قارئ المقام العراقي حسين الأعظمي أن الوضع السياسي والاجتماعي بعد عام 2003 حوّل الموسيقى إلى شيء ثانوي، ولكنه واثق أن الأغنية البغدادية لن تموت ما دام المقام العراقي موجودا فهو مرجعيتها.
الأحد 2016/07/31
الأعظمي يتسلم جائزة العمل الغنائي العربي لعام 2014

عمّان – حمّل قارئ المقام العراقي حسين الأعظمي في حوار أجرته معه “العرب” في العاصمة الأردنية عمّان، حيث يقيم، المسؤولين الحاليين في العراق مسؤولية انحسار الأغنية العراقية نتيجة خلفياتهم الثقافية والسياسية والأجندات المنوط بهم تنفيذها.

يقول الفنان حسين الأعظمي أنّ الغناء العراقي مرّ في فترة عصيبة من تاريخه، والمقام العراقي جزء من الحياة فبان الانحسار المباشر أكثر من سواه من أنواع الموسيقى فلم يعد المقام ولا الموسيقى يتمتعان بأيّ أهمية لدى المسؤولين الحاليين، إما نتيجة خلفياتهم الثقافية والسياسية وإما بسبب الأجندات المنوط بهم تنفيذها وإما لأسباب أخرى، و”لهذا فإني لا أحب السياسية ولا أقترب منها”، يقول الأعظمي.

تراث لن يموت

يحدد حسين الأعظمي تاريخ انحسار الأغنية البغدادية، وفي مقدّمتها المقام العراقي، بعقد الثمانينات من القرن الماضي، حيث ازدهرت في عقدي ستينيات القرن الماضي وسبعيناته بنحو واضح، ولكنّ الانحسار والانهيار دبّا إليها بعد ذلك بسبب التأثيرات السياسية، مُقرا بأن السياسة ورغبات المسؤولين جعلا الغناء العراقي ينهار، لتغيب الموازنة بين حقوق هذه الموسيقات كلها والاهتمام بها من دون مسوّغ يذكر.

وعمّا إذا كنا نستطيع أن نقرر قدرة الأغنية البغدادية على الصمود أمام طغيان الرداءة المنتشرة حاليا في الأغنية البغدادية وغرقها في المراثي والهوسات والكولات بسبب المترفين، أم أنها ستندثر تدريجا؟ يجيب ضيفنا “إذا أردت اعتقادي، كمختص، فإني أجزم أنه ما دام المقام العراقي موجودا فإن الأغنية البغدادية لن تموت، لأنّ المقام هو الأساس الأصيل لها ومنه تستقي تعابيرها، وهو المرجعية التي تضمن لها الازدهار وعدم التدهور، والمقام تراث، وفي علم الفلكلور ما من تراث يموت.. نعم قد يمر بمرحلة انحسار، لكنه سرعان ما يعود إلى الازدهار بعد تغير السياسات وتنحية العقليات الجاهلة بقيمة الموسيقى والغناء”.

وتميز الأعظمي عن أقرانه ومن سبقه من قراء المقام والمغنين العراقيين بالتأليف والبحث في مجال اختصاصه، وكان غزير الإنتاج في هذا المجال، وعن هذا يقول “أصدرت إلى الآن 10 كتب ولديّ ثلاثة أخرى تحت الطبع وما لم يدفع للطبع 10 كتب أخرى، والكتب السبعة الأولى التي صدرت لي خصصتها لغناء المقام العراقي ولم أترك شاردة ولا واردة في المقام إلاّ وعالجتها فيها، وكل كتاب منها احتوى 400 صفحة من الحجم الكبير، وبذلك أكون قد ألّفت موسوعة المقام العراقي”.

حسين الأعظمي يحدّد تاريخ انحسار الأغنية البغدادية، وفي مقدّمتها المقام العراقي، بعقد الثمانينات من القرن الماضي

ويضيف “وابتداء من الكتاب الثامن أخذت أنشر كتبا مختلفة منها “الجزائر عروس المغرب العربي” وكتاب مذكرات بعنوان “حكايات ذاكرة صورية”، وهو في عدة أجزاء، و”الجزائر عاصمة الثقافة العربية” في العام 2007، ومن كتبي المخطوطة والتي هي قيد التأليف، الآن، كتاب “ربع قرن مع منير بشير”.

وإلى جانب هذه الكتب عمل الأعظمي معدّا ومقدما لبرنامج تلفزيوني باسم المقام العراقي وله أكثر من 150 ساعة تلفزيونية في قنوات فضائية مختلفة، وكان أوّل مغن يؤلّف في الأغنية بهذه الغزارة وظهر بعده آخرون سلكوا دربه وقلدوه منهم موفق عبدالهادي وحامد السعدي، و”لكن الحاج هاشم الرجب الذي غنى بعض المقامات وكان عازفا وباحثا وخبيرا في المقام العراقي سبق الجميع في التأليف، إذا اعتبرناه مغنيا” حسب تصريح الأعظمي لـ”العرب”.

وللأعظمي رأي صريح وجريء وصادم بالشيخ جلال الحنفي، وهو رجل دين عراقي كان مهتما بالمقام العراقي والموسيقى، إذ يقول عنه “بغض النظر عن علم الشيخ جلال الحنفي، فإنه كان يمتلك حضورا طاغيا وكاريزما تجعله مثيرا للجدل، وهو شخصية مشاكسة تقتحم الكثير من المجالات بحق أو بدون حق”.

ويوصّف الأعظمي تجربة الشيخ جلال الحنفي بقوله “هو من وجهة نظري، امتلك من المعرفة الكثير، ولكنه كان مشتتا بين الكثير من الاختصاصات ولم يركّز على اختصاص واحد، فلم يكن عميقا على الرغم من تبجحه بمعلوماته وكان يفرض آراءه بالقوة على الآخرين، وفي المقام العراقي فإن معظم أحاديثه وآرائه وكتاباته لا تتعدى أن تكون أحاديث مقهى، فهو لم يكن ضليعا به، وثلاثة فقط كانوا خبراء في المقام العراقي لم يكن هو بينهم وهم الحاج هاشم الرجب ويوسف عمر ومجيد رشيد، والباقون ‘عيال’ على هؤلاء الثلاثة، وكان الشيخ الحنفي وأمثاله من الطبقات الأدنى”.

مؤلف موسوعة المقام العراقي ومنشدها

حاصد الجوائز

حسين الأعظمي أكثر فنّان عراقي سعت إليه الجوائز الوطنية والعربية والعالمية، وكانت أول جائزة يحصل عليها هي جائزة الإبداع الكبرى في العراق في العام 1999 من وزارة الإعلام العراقية، إذ كان الموسيقيّ الوحيد الذي يحصل على الجائزة في تلك السنة، وعلى الرغم من أنها أفرحته، إلاّ أنه شعر أنها جاءت متأخرة، لأنه ظل الرائد الأول مقاميا منذ بدء العقد السبعيني من القرن الماضي حتى اليوم.

ومثّل الأعظمي العراق عالميا ونشر المقام العراقي في الأرجاء كلها.. ومن أهمّ ما حصل عليه من جوائز عالميا هو جائزة “الماستر بيس″ التي تمنحها الأمم المتحدة -منظمة اليونسكو- سنويا، وذلك في العام 2004 عن عمل قدمه إليها في العام 2002، وأعلنت الأمم المتحدة نتائج الفوز بعد احتلال العراق بأشهر، وأخيرا حصد جائزة العمل الغنائي العربي التي يمنحها المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية العام 2013، وتسلم هذه الجائزة في احتفال كبير أقيم في دار الأوبرا المصرية يوم السابع من أبريل 2014، وقدم خلاله فاصلا غنائيا.

وكان أول بلد عربي يغنّي فيه الأعظمي هو تونس، إذ أوفده العراق، مطلع سبعينات القرن الماضي إلى هذا البلد بدلا من المطرب يوسف عمر الذي اعتذر عن السفر لأسباب شخصية، ويصف رحلته إلى تونس بأنها حكاية مثيرة رواها في كتابه “حكايات ذاكرة صورية”، الذي صدر العام الماضي في بيروت.

وعن تونس يقول الأعظمي “في تونس أعجبني غناء ‘المالوف’ التونسي الذي يمثل التراث الغنائي لمدينة تستور التونسية وتونس كلها، وتستور أشبه ما تكون بقرية تسعى إلى التحضر، وهي تبعد عن تونس العاصمة حوالي 50 كيلومترا وترعرع فيها غناء المالوف الذي يقام له مهرجان تراثي حقيقي، وفيها غنيت خلال هذه الرحلة في ثلاث حفلات، و10 حفلات أخرى في محافظات تونسية عدة، ثم شاركت بعد ذلك في مهرجانات تونسية عديدة آخرها كان في العام 2007 في مهرجان قرطاج الدولي الثالث والأربعين”.

ويواصل الأعظمي متحدثا عن تونس “تتميز تونس بأن أكثر من 400 مهرجان فني موسيقي تقام فيها سنويا، فتأمل مدى رواج السياحة ونجاحها في هذا البلد الجميل، وتعرفت على مغنين تونسيين كثر منهم المطرب المعروف لطفي بوشناق، الذي تعرفت عليه في بغداد قبل أن ألتقيه في تونس، وقد كسب هذا الفنان شهرة عريضة في العراق، كما تعرفت على المطربة التونسية سنية مبارك ولطيفة التونسية والمطرب زياد غرسة والمرحوم صالح المهدي وهو أول رئيس للمجمع العربي للموسيقي وأساتذتي الذين درّسونا في معهد الدراسات النغمية العراقي في بغداد أمثال الدكتور محمد خماخم وصلاح المانع وغيرهم الكثير”.

كاتب من العراق

15