حسين البدري: طوبى لمن مات على العهد

السبت 2015/01/17
حسين البدري ليس مجرد روائي بل شاعر يكتب الرواية بما يقارب الشعر

رواية “رهانات خاسرة” للكاتب المصري حسين البدري، الصادرة عن دار “أوراق للنشر والتوزيع”، فازت حديثا بجائزة مؤسسة سويرس فرع الرواية لشباب الأدباء/ المركز الثاني (يناير 2015). وسبق للبدري أن أصدر كتابا شعريا بعنوان”صلوات سبع إلى روح صديقي الميت” ورواية “حزن البلاد”.

“طوبى لمن مات على العهد” بهذه الجملة يختار حسين البدري إنهاء روايته “رهانات خاسرة”، وكأن الجملة أعلان من بطل الرواية “منصور” عن الأمل الذي وحده يعطي مشروعية الكتابة وتحديدا كتابة رواية مثل هذه، ركيزتها الحزن ومحورها الاغتراب.

ينتمي حسين البدري إلى جيل جديد من الروائيين المصريين، جيل تتبلور هويته في زمن انتقالي ينتابه الغموض، وهو إلى هذا ليس ابن المرحلة الجديدة الذي يأتي ليحصد ثمار التغيير، بل الناقد المحذر الذي يراقب تحولات مجتمعه فيتنبأ بمآلاته ويرصد جذور التحولات.


نشيد للحزن


هذا الجيل الذي تفتح وعيه الهوياتي تجاه بلده ومجتمعه في ظل الفساد والاستبداد، لم يركن إلى الصمت والخنوع ولم يسلم نفسه لآلة صهر الوعي التي أنشأها الاستبداد، إنما اختار صناعة الأمل بأن يكون ما هو خير وأفضل.

رهانات خاسرة يضعها مثقف بدوي على مجتمع يطحنه الزيف حتى كأن رجاله ليسوا سوى نساء بلحى

ولعل هذه هي بالذات وظيفة الأدب الحقيقي الثائر والنبوئي الداعي إلى الأمل في ظروف اليأس المطبق، وإلى التغيير انطلاقا مما هو كائن.

ليس من المبالغة وصف البدري في “رهانات خاسرة” ككاتب ثوري، رغم اليأس المطبق عليها، ليس بمعنى الانخراط في الثورة ولكن بمعنى التبشير بها ورصد ما يحفزها، وبالتالي ليس الموت، موت الصديق، في الرواية سوى سؤال ممض عن المعنى والآتي وتعبير عن موت مجتمع كامل بفعل الخيانة والغدر، سؤال لا يعدم الكاتب وسيلة في إيجاد جوابه.

يتبع الروائي الشاب أسلوبا فنيا مفاجئا، فالرواية كلها ليست سوى نشيد طويل للحزن والشجن على حال الوطن وما أصابه. وما يجعل هذه الرواية ممكنة هو محض الأمل الذي تلتبس به حيواتنا وكأنه يريد أن يقول في النهاية إن هذه الخاتمة ليست صحيحة.

في سياقها السردي تروي القصة مصائر ثلاثة أصدقاء درسوا القانون في إشارة متخفية إلى واقع يفارقه القانون والأهم العدالة، قمعهم الواقع فوجدوا أنهم صاروا مستلبين ومغتربين عن بلدهم وناسهم ومجتمعهم الذي يميز ضدهم لأنهم بدو، والبدوي (المثقف الحالم:المغاير)، لا يشي بتحديد عرقي بمقدار ما هو وجودي، كائن من كوكب غريب لا يريد المجتمع المتمدن الاستهلاكي، الذي يأكل نفسه، التصالح معه، بل لا يريد أن يفهمه.

وهو بدوره يرفضه ويرفض أن تصهر وعيه أكاذيب الحداثة المزيفة، محاولين إيجاد سبلهم في عالم مضاد بل يكاد يكون معاديا، فتقتل أحدهم الخيانة ويقتل ثانيهم الثأر ويبقى الثالث (الراوي) يبحث عن معنى الوجود في “مدينة ساحلية حنونة تمنح الغرباء شاليهات على البحر وتمنح أبناءها البحر ذاته ليشربوا منه”!

الرواية إشارة متخفية لواقع يفارقه القانون والعدالة

في مثل هذه الظروف يصبح انحراف عبدالكريم وخيانته وتسليمه علي للموت نيابة عنه، كتكثيف بؤري شديد لحالة الاغتراب والانفصال عن الواقع الذي يعيد تشكيل قيمه وقلبها رأسا على عقب، وكنتيجة حتمية لهجر الصحراء (الوطن الطبيعي) والالتحاق بما هو زائل ومتقلب. فقد فقد عبدالكريم هويته عندما اختار مغادرة الصحراء كوطن وحولها إلى موطن لجريمته وانحرافه، يصبح المكان هو انعكاس لوعينا له ومرآة عاكسة لهويتنا.


الصحراء لا تتكلم


في المنفى الاختياري الذي انتهى إليه منصور، يثقل لسانه عن الكلام وكأن اللغة لم تعد لها حاجة، فالصحراء لا تتكلم، بل لعل لها لغة خاصة لا يتقنها إلا أبناؤها، ولا مفر إلا أن يلوذ بوحدته التي تريحه من مصارعة ما لا يطيق ويحتمل، في مجتمع يتمزق بهدوء ودون صوت على وقع تغيرات عنيفة لا يجد قدرة على ملاحقتها.

“قد أكون خسرت الكثير باختاري حياة كهذه، كنت دائما أعتقد أنني أستطيع تغيير عالمي أو جعله يبدو أفضل، لو فشلت في تغييره تماما، لكني فشلت في تحقيق كل ما كدسته في عقلي الصغير”.

إلى ذلك فإن حسين البدري ليس مجرد روائي، بل شاعر يكتب الرواية بما يقارب الشعر، فتبدو كنشيد طويل عن “الرهانات الخاسرة” التي يضعها مثقف (بدوي – مختلف) على مجتمع يطحنه الزيف، حتى كأن رجاله ليسوا سوى (نساء بلحى)، ويذهب الزيف إلى حد أن المجتمع يمنح قداسة لهذه اللحى المزيفة، حيث لحية مزيفة هي أعلى مقاما من امرأة جالبة للخطيئة أو مبشرة بالانحلال، في واقع لا يجد غضاضة في احتضان كل أنواع المساوئ مادامت مستورة، ولا تمشي في الشارع لتفضح عريه الحقيقي، رغم أنها رواية حزينة مليئة بالشجن والغربة إلا أنها تبقى رواية الواقع الذي لابد من التمرد عليه في النهاية بالعودة إلى الأصول الصحيحة لهوية الإنسان ووعيه بذاته، “طوبى لمن مات على العهد”.

16
مقالات ذات صلة