حسين الجسمي… مع تحياتي

الجسمي استطاع كفنان متمكن أن يفرض اسمه ولونه وتجربته ورقيه الإنساني، وقدم صورة رائقة عن وطنه وشعبه وبيئته الاجتماعية.
الخميس 2020/08/13
الجسمي صوت الإمارات الصادح في ديار العرب

الفنان الرقيق الراقي حسين الجسمي، صوت رائع محرّكه قلب مليء بالحب، نموذج للفنان الساعي دائما لنشر البهجة والسعادة، والوفي لانتمائه العربي، غنى تقريبا لكل الدول العربية أو غنى من تراثها أو تعامل مع مبدعيها، لا أعرف لماذا أشعر دائما بأنه لا يزال يعيش طفولته كما يجب، ربما لذلك تسلل إلى قلوب عشرات الملايين من المعجبين، وأصبح واحدا من نجوم الكوكبة الأولى في سماء الأغنية العربية.

هناك جاذبية خاصة في صوته، برزت منذ خطواته الأولى في صنف المواهب أواسط التسعينات وهو لا يزال في السابعة عشرة من عمره، وعندما أصدر ألبومه الأول في العام 2002، كانت هناك مساحة واسعة من الإعجاب في انتظاره، لينطلق منها إلى فضاء النجومية الخالية من أية مثالب، فحسين لم يزج بنفسه في الصراعات ولم تلاحقه الإشاعات، الحقيقة أنه أخذ من البيئة التي تربى فيها الكثير من الطيبة والنقاء والحياء والرقي في التعامل.

ولكن على الناجح دائما أن يدفع الثمن، هذا هو واقعنا العربي الذي يدار للأسف من قبل حزب أعداء النجاح، وبخاصة بعد أن أصبح لكل حاقد وعابث ومتآمر شاشته وإذاعته وصحيفته الخاصة، وباتت هناك جيوش للكراهية تدار من خلف الكيبورد، لتطلق شحنات العداء المجاني، فيتلقفها البسطاء والسذج، ويتعاملون معها كحقائق لا تقبل الشك أو التأويل، كما هو الحال في مسألة التنمر على حسين الجسمي، والتي بدأت في الظهور منذ سنوات، فقط لأنه صوت إماراتي غنى لمصر وشعبها وجيشها بعد ثورة 30 يونيو التي أطاحت بحكم الإخوان.

لم يخل زمن من الكراهية والحقد و«قديما كان في الناس الحسد» كما قال عمر ابن أبي ربيعة قبل 1400 عام، والساحة الفنية كما نعرفها على الأقل منذ بدايات القرن الماضي كانت دائما مشحونة بالحروب والمناكفات، ولكن الأمر كان في أقصى الحالات يتعلق بمقال مدفوع الثمن في صحيفة أو مجلة فنية، حتى أنه يقال إن محمد عبدالوهاب أخذ عددا من الصحف التي كانت تتهجم عليه إلى راعيه ووالده الشاعر أحمد شوقي وأخبره بأنه قرر التخلي عن الفن، فنظر إليه شوقي ودعاه إلى وضع تلك الصحف على الأرض والوقوف فوقها، ثم خاطبه قائلا«ألا ترى أنك صرت أطول؟ واصل طريقك ولا تهتم».

علينا كعرب أن نشكر القدير على أن إرثنا الفني العظيم ظهر وانتشر وجرى تسجيله قبل ثورة الاتصالات الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي التي أعطت لأسوأ ما فينا فرصة الانطلاق، لا أعتقد أن أم كلثوم كانت ستغني إلى ما بعد السبعين من عمرها، ولا عبدالحليم كان سيواصل مشواره، ولا فريد كان سيستمر، ولا عبدالمطلب كان سينجز رصيده الغنائي، ربما كان أغلب مبدعينا الكبار قد ماتوا قبل الأوان، لو كانوا في مثل هذه الظروف التي قد يتفاجأ فيها المرء بآلاف أو حتى بملايين المتهجمين عليه دون سبب مقنع، خصوصا عندما يتم التجييش المتعمد ضد شخص ما بشكل يخلو من الأخلاق والذوق والأدب كما في حالة استهداف الجسمي.

أعتقد أن الجسمي استطاع كفنان متمكن أن يفرض اسمه ولونه وتجربته ورقيه الإنساني، وقدم صورة رائقة عن وطنه وشعبه وبيئته الاجتماعية، وكل الذين يعرفونه عن قرب يعرفون نقاءه وطيبته ولطفه وأصالته، كما أنه وكفنان أثبت حسه الإنساني والتزامه الوطني وامتلاءه بعروبته وقدرته على أن يبني جسرا من الحب بينه وبين مختلف الشعوب العربية من الخليج إلى المحيط، ولذلك فإن أية محاولة للإساءة إليه ستنتهي إلى خيبة في نفوس أصحابها، وسيبقى الجسمي صوت الإمارات الصادح في ديار العرب، وكأني به يردد «يا قلبي الحسّاس، لو تنجرح لا باس، فيه حُب يمحي حُب، وفيه ناس تمحي ناس».

24