حسين الجسمي الهوية إماراتي والهوى مصري

الأحد 2014/06/01
الجسمي له من الذكاء ما يجعله يفصل بين كونه فنانا وبين السياسة

القاهرة - ربما لا يمكن للمتابع أن يقدم تفسيرا يستند إلى قراءة عقلية محضة لاتساع نطاق المشاهدة التي حققتها أغنية “بشرة خير” عقب أن أطلقها الفنان الإماراتي حسين الجسمي، قبل أيام قليلة من انطلاق السباق الرئاسي في مصر، فقد تحولت خارطة تلك المشاهدة إلى خارطة مليونية خلال عدة ساعات من انطلاق الأغنية، وهو أمر نادر الحدوث في مصر، على الأقل في السنوات الأربع الأخيرة، وتحديدا منذ انطلاق شرارة ثورة الخامس والعشرين من يناير، حيث لم تقتصر الفوضى المصرية على الميادين العامة التي حملت رمزية الثورة معها، بل انسحبت الفوضى على التراث المعنوي للشعب الذي يطلق عليه نخبتها ” القوة الناعمة المصرية “.

القراءة العابرة للواقع المصري، في لحظته الراهنة، ترصد حالة شعبية من القلق والترقب والخوف يتسع نطاقها ساعة بعد ساعة، وتتجسد عشرات التحديات أمام مستقبل البلاد الذي لازال يكتنف الغموض العديد من جوانبه، من هنا ربما تبدو حالة التعلق بالفنون وصرعات الموضة، وغيرها من أوجه التسرية وبناء الذوق، نوعا من الترف في مجتمعات تعيش رهنا لضغوط بهذا الحجم المتزايد، غير أن القارئ للمزاج المصري سيتنبه سريعا إلى أن فن الغناء في المدونة المصرية أقدم ربما من عشرات ومئات الظواهر التي تمثل المزاج النقيض الذي يعد العنف الظاهر أعلى تجلياته.


تراث واحد


الغناء المصري لم يترك جانبا من جوانب الحياة إلا وغمره بمزيد من الكشف الإنساني وتخليد المبهرين، حيث بات يمثل هذا التراث واحدا من أندر المدونات في الفنون العربية القديمة والحديثة على السواء، لذلك فإن جزءا من قلق المصريين على المستقبل لا ينفصل عن حالة التعلق الشديدة التي رافقت أغنية ” بشرة خير” للفنان الإماراتي حسين الجسمي، حيث تستعيد حالة الإجماع الوطني زخمها وقوتها وتجددها عبر لغة تعمل على توحيد وتعضيد المشاعر الجمعية لملايين المصريين في لحظة يستشعرون فيها خطرا محدقا بوطنهم.

حدث ذلك على مدار التاريخ الوطني المصري منذ ثورة 1919 حيث كان فنان الشعب سيد درويش أحد صناع هذه الحالة بفنه الرفيع الذي يحيا في ذائقة المصريين والعرب حتى أيامنا، وقد حدث الشيء نفسه مع ثورة يوليو، حيث خلقت اللحمة الوطنية فنانيها وكتابها ومفكريها، وأظن أن إرهاصات ما يحدث الآن في مصر ليست أكثر من إعادة تمثل لتلك الحالة التي شهدت فيها الوطنية المصرية أعلى درجات وحدتها وقوتها.

في هذه المرة يبدو الجسمي شريكا في صناعة المشهد الوطني الذي تجاوز كونه مشهدا مصريا إلى كونه تعبيرا عربيا عن الرفض الواسع للتحولات القسرية المبيتة التي كانت ترسمها القوى الكبرى للمنطقة نحو تنصيب الإسلام السياسي في سدة الحكم هنا أو هناك


شركاء في المشهد


في هذه المرة يبدو الجسمي شريكا في صناعة المشهد الوطني الذي تجاوز كونه مشهدا مصريا إلى كونه تعبيرا عربيا عن الرفض الواسع للتحولات القسرية المبيتة التي كانت تنتويها القوى الكبرى للمنطقة والتي تكشفت خيوطها جلية مع صعود الإرهاب الإسلامي في مصر وبعض البلدان العربية إلي سدة الحكم، ويتبدى للعيان التقدير الشعبي لمشاركة الجسمي كفنان في صناعة هذا المشهد النابض والحي، لكن ما لا يجب أن ينسى لدى المصريين كون الجسمي إماراتيا، وهذه وحدها كانت سببا من أسباب طلب منح الفنان الجنسية المصرية، وهو طلب لم يصدر فقط عن آلاف النشطاء على صفحات التواصل الاجتماعي، بل صدر عن نخب معروفة من الصحافيين المصريين ونجوم الإعلام الرسمي وغير الرسمي. يتعزز هذا الشعور يوما بعد يوم بعد الموقف الإماراتي الناصع من ثورة الثلاثين من يونيو ودعمها غير المحدود للشعب المصري، وهو دعم طالما أعلنت رئاسة الدولة أنه قائم وسيظل قائما حتى تخرج مصر من أزمتها.

في هذا السياق دشن عدد من النشطاء على موقع “تويتر” هاشتاج تحت عنوان “شكرا_حسين_الجسمي”، تعبيرا عن امتنانهم لـ “بشرة خير”، التي أهداها للشعب المصري والتي تحث الشعب على الخروج إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيسهم.


سيادة المواطن


والأغنية الأخيرة للجسمي ليست أول تعبيراته عن حب مصر بل سبق له أن قدم عددا من الأغاني التي يمكننا أن نلتقطها الآن على ألسنة العامة مثل: “سيادة المواطن” وكانت في احتفالات أكتوبر الماضي، وأغنية “تسلم إيدك”، و”أجدع ناس” و”عزيزى الشاب المصري”، و”بحبك وحشتيني” و”بعد الفراق”.

الجسمي: الابتسامة عادت لوجوه المصريين بعد سقوط الإخوان ولا أنحاز لسياسي بعينه لكني أريد الخير لمصر

كان الجسمي من الذكاء بحيث يفصل بين كونه فنانا وبين السياسة، لذلك كان يعلن دائما أنه يغني لمصر لا يغني لأحد بعينه، ويبدو أن هذه التأكيدات المتكررة كانت ردا على ما تشيعه عناصر ما يسمى بـ “الثورة المضادة” من أن الجسمي يؤيد المشير عبدالفتاح السيسي وأن أغنيته “سيادة المواطن” كانت حثا للمشير على الترشح للرئاسة، وسرعان ما صوب الجسمي تلك الأكاذيب عندما قال: ” قدمت هذه الأغنية وتركت كل شخص يفسرها حسب ظنه ومزاجه، فالأغنية تفسر الحالة الوطنية التي يعيشها المصريون ومدى حبهم لبلادهم، وهذا الحب من أهم المزايا التي يتمتع به هذا الشعب، وفي النهاية فأنا فنان ولست مسؤولا في حزب حتى أقدم أغنية تقدم توجيها للشعب بانتخاب مرشح أو غيره ولقد وجهت هذه الأغنية لكل المصريين ولم أقدمها لشخص بذاته”.

حالة الحب الجلية التي يعبر عنها الجسمي لمصر لم تكن مقتصرة على أغانيه بل انسحبت على أحاديثه الصحافية، وقد عبر عن ذلك صراحة بعد النجاح الباهر لأغنيته الأخيرة عندما قال: “شرف لأي فنان عربي الغناء لمصر، خاصة وأن كل أغنية مصرية قدمتها من قبل كان لها أثر كبير في نفسي وأعتبرها محطة مهمة في مشواري الغنائي، وحبي لهذا البلد العظيم وشعبه الجميل يؤكد شرف الغناء له”.

وقد كان هذا الارتباط الحميم بالفضاء المصري سببا في التواجد شبه المستمر للجسمي في القاهرة، لكنه كان شديد الحرص على ألا تجرفه السياسة، فالفنان في رأيه يجب أن يمتلك الوعي الكافي للفصل بين كونه فنانا وكونه داعية سياسة ويقطع هنا هذا الالتباس بقوله ” يجب ألا يكشف الفنان عن اتجاهاته حتى لا يؤثر على جمهوره، فالفنان يمتلك سلاحا ذا حدين وهو حب الناس، وحب الناس نعمة من الله ويجب ألا يتاجر بها أحد أو يضعها لتحقيق مصالح خاصة، الفنان يقدم للجمهور على أنه شخص عليه إسعاد جمهوره بتذوقه للفن”.

"بشرة خير" تدفع نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي وكتاب صحفيين للمطالبة بمنح الجنسية المصرية للمطرب الإماراتي الشاب


دفاع عن النفس


وربما يتبدى هنا دفاع الجسمي عن مصر وكأنه دفاع عن نفسه وعن تجربته الفنية المتجددة، فهو يذكر جيدا كيف كان الحال خلال عام كامل حكم فيه الإخوان مصر، حيث كان مضطرا للتوقف نهائيا عن الغناء حتى تم عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي، وقد عبر حسين الجسمي عن ذلك عندما قال: “مصر في هذه الفترة كانت تعيش حالة من الكآبة والضبابية، فلأول مرة أرى وجوه المصريين دون الابتسامة المعهودة، وكنت أشعر بأن الناس في الشارع تسير بهمومها، شعرت أن مصر توقفت عن الحياة في هذا العام”. وقد كان مناخ الخوف من المستقبل الذي أشاعه حكم الإخوان سببا في تعزيز رؤية حسين الجسمي للدور المصري ، وأعادت الأزمة إلى أفواه كثيرين في العالم العربي مفردات مثل: “مصر قلب العالم العربي، ولا بد لها من العودة إلى دورها الرائد”، وكان الجسمي في قلب هذه الأصوات المؤثرة، من هنا فهو يرى أن دعم بلده لمصر ليس إلا دعما لمستقبل لا يحتمل أية رهانات أو مزايدات أو محاولات للإيقاع والوشايات، فالمصير العربي في عين الجسمي هو مصير واحد.


النشأة والتكوين


الفنان حسين الجسمي ولد في العام 1979، وبدأ مشواره الفني من عمر السابعة عشرة مع الأغاني الشعبية، وشارك في برنامج البحث عن المواهب ضمن مهرجان دبي للتسوق حيث فاز بجدارة بالمركز الأول عن فئة الهواة.

وقد شارك الجسمي إخوته “صالح وجمال وفهد” تأسيس فرقة موسيقية هي “فرقة الخليج”، حيث كانوا يحيون مناسبات الأفراح بالمنطقة الشرقية لدولة الإمارات، وكانت من الفرق المحلية المشهورة.

وفي عام 2002 تعاون حسين الجسمي مع شركة “روتانا”، وأصدر أول ألبوم بعنوان “حسين الجسمي 2002”، ونال الألبوم شهرة واسعة خصوصاً أغنية “بودعك” وأغنية “سافر”.

يرى كثيرون أن النموذج الفني الذي يقدمه الفنان الإماراتي حسين الجسمي يستعيد النماذج الواعية بدور الفن في صناعة العقل العربي وتجديد ذائقته وحفز مخيلته كما لا يبتعد هذا النموذج عن تكريس حالة ثقافية تستعيد الشيء الكثير من الفن بمعناه القومي، الأمر الذي يوسع قاعدة المشتركات في الذائقة العربية

وكانت أولى إطلالات الفنان حسين الجسمي رسميا عبر “مهرجان هلا فبراير” 2002 بعد صدور ألبومه الأول، كما أصدر ألبوم “الجسمي 2004 “، وفي عام 2006 قام بأداء أغنية “بحبك وحشتيني”، ضمن أحداث الفيلم المصري “الرهينة” ثم أطلق ألبومه “حسين الجسمي 2006” الذي يتضمن الأغنية نفسها مع عدد من الأغاني الأخرى.

وفي عام 2007 حاز الجسمي على جائزة الإبداع الفني المتميز من مهرجان ART عن مجمل أعماله التي قدمها خلال عام، وجائزة أفضل أغنية “بحبك وحشتيني”، وجائزة أفضل مطرب عربي، وذلك ضمن فعاليات حفل “موريكس دور”، ثم أطلق ألبوما بعنوان “احترت أعبر” في نفس العام، ثم أطلق بعض الألبومات التي حملت أسماء أغان مثل ” متى متى” و “الجيل” وآخرها “أدعي”.

حسين الجسمي اشتهر بغناء مقدمات مسلسلات رمضان مثل ” بعد الفراق” و”هوامير الصحراء” في 2008 ومقدمة مسلسل “أهل كايرو” و”صعب المنال” في 2010 ، وآخرها في رمضان 2012 ، مقدمة مسلسل “فيرتيجو” وبرنامج “غداً أجمل” على قناة اقرأ.


صناعة العقل العربي


ويري كثيرون أن النموذج الفني الذي يقدمه الفنان الإماراتي حسين الجسمي يستعيد النماذج الواعية بدور الفن في صناعة العقل العربي وتجديد ذائقته وحفز مخيلته، كما لا يبتعد هذا النموذج عن تكريس حالة ثقافية تستعيد الشيء الكثير من الفن بمعناه القومي، الأمر الذي يوسع قاعدة المشتركات في الذائقة العربية، ولا ينكفئ على الخصوصية المحلية التي تكرس عادة لحالة عشائرية أو شعبية تكون محدودة التأثير في أغلب الأحوال، وهذا على ما يبدو فيه أبعاد سياسية، إلا أنه في حقيقته لا يستحضر السياسة باعتبارها حالة براغماتية بل باعتبارها تجسيدا لمعني القومية في أنصع صورها، بحسبانها التجلي الأعمق والأشمل لفكرة الوطنية بأبعادها المحلية، ويعتقد كثيرون أن نجاح الثورة المصرية في بث الروح داخل أجداث الماضي عبر تصورات جديدة تدرك متغيرات الواقع العربي، سوف يساهم في إعادة الاعتبار لقومية الفن العربي ودوره التاريخي رسميا وشعبيا.

9