حسين العباسي… النقابي الذي لا يرضع إصبعه

الأحد 2013/09/08
العباسي تمكن من وضع السلطة والمعارضة على طاولة الحوار

تونس- مفاوضات ماراثونيّة خاضها حسين العبّاسي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل مع ممثلي حزب النهضة الحاكم والأحزاب المعارضة للخروج من أزمة تكاد تعصف بالجميع، من جرّاء موجة الاغتيالات السياسيّة والجرائم الإرهابيّة التي لم تشهد لها تونس مثيلا منذ استقلالها قبل قرابة الستين عاما.

رصدت أطوار المفاوضات الشاقّة والمشاورات الحثيثة التي يُديرها الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العبّاسي حينا في بطحاء محمد علي، حيث مقرّ اتحاد الشغل بقلب تونس العاصمة، وحينا آخر على بعد كيلومترات قليلة في مقرّ "اتحاد عمال المغرب العربي".

ورغم مسحة التشاؤم التي تلفُّ العديد من الفاعلين في المشهد السياسي التونسي فإنّ العباسي، يبقى إلى حدّ هذه الساعات الحاسمة، متفائلا بمصير مبادرة منظمته العتيدة للخروج من الأزمة السياسيّة الحارقة. ومع أنّه مُقِلٌّ في التصريحات وغير مسهبٍ في الكلام، فقد أكّد العبّاسي مرارا خلال هذا الأسبوع أنّ غالبيّة الأحزاب السياسيّة، بما في ذلك حزب النهضة الإسلامي الحاكم، تقبل بمبادرة اتحاد الشغل.


المفاوض المتمرس


يحفل سجلّ الحسين العبّاسي بتجربة نقابيّة متنوّعة في المهام والمراتب، لاسيّما أنّ هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل لا تسمح لأيّ كان حتّى من أبنائها بـ"حرق" المراحل أو القفز بسرعة من المراتب القاعديّة الدنيا إلى المواقع القياديّة العليا.

انطلق العبّاسي في نشاطه النقابي الدؤوب منذ عام 1983، حيث نشأ في "السبيخة" إحدى قُرى عاصمة الأغالبة القيروان، ولم يصل إلى سدّة القيادة المركزيّة لاتّحاد الشغل إلاّ بعد قرابة عشرين عاما عندما حطّت الثورة التونسيّة رحالها.

فهو لم يقُم بعملية انقلاب للوصول إلى قيادة منظمته الكبرى، بل حاز أعلى نسبة من أصوات أكثر من 300 من القياديين النقابيين بعد الثورة خلال مؤتمر حاسم لمنظّمة تضمّ في صفوفها ما يزيد عن 600 ألف مشترك.

سمات عديدة عُرف بها حسين العبّاسي ولاسيّما الهدوء والقدرة على الاستماع لمناوئيه واستيعاب ما لديهم من شروط تفاوضيّة للمرور إلى مرحلة حلحلتها. هو مفاوض متمرّس بامتياز، اكتسب تجربته بالأساس زمن بن علي، حين كانت قيادة اتّحاد الشغل لا تجرأ على ليّ ذراع رئيس النظام السابق، لكنّ بعض القطاعات النقابيّة مثل التربية والتعليم كانت حتّى في زمن الدولة البوليسيّة تضغط بتنظيم إضرابات عن العمل لفائدة منظوريها.

ومنذ عام 2006 استفاد العبّاسي من إشرافه على قسمين هامين بالمنظمة النقابيّة وهما "التشريع والنزاعات" و"الدراسات والتوثيق"، فقد أتاح له ذلك تفحّص مختلف الملفّات الفنيّة والقانونيّة الشائكة ومصافحة الكثير من الخبراء والمختصّين في المجالات التي يطرقها، ممّا أسهم في إثراء تجربته النقابيّة وجعله يتبصّر المشهد التونسي بمنظار دقيق.

حين كثُرت المقارنات منذ أيّام بين دور الجيش في مصر واتحاد الشغل في تونس، وجّه العبّاسي رسالة طمأنة إلى الحكومة التونسيّة وحزبها الحاكم وحتّى إلى الخارج. رسالة ضمّنها، أمين عام أكبر منظمة في تونس، رفضَه هذا التشبيه أو مقارنته بقائد المؤسّسة العسكرية المصريّة عبد الفتاح السيسي، قائلا بأنّ "الوضع في مصر يختلف عمّا هو عليه في تونس" وأنّ "الاتحاد ليس الجيش المصري وأنا لست سيسي آخر".

وفي المقابل اعترف العبّاسي بأنّ منظمته لن تتردّد في استخدام نفوذها لوضع حدّ للمواجهة السياسية بين حزب النهضة الإسلامي الحاكم والمعارضة، محذّرا من أنّ للاتحاد "خيارات وسيجد الآليات المناسبة لفرض الحوار" على جميع الأحزاب.

لم يُعلن النقابي القيرواني المخضرم بذلك عن موقفه ممّا جرى ويجري في مصر. ومن المؤكّد أنّ تصريحه يهدف، في جوهره، إلى وضع حدّ لتلك الإيحاءات بكون الاتّحاد العام التونسي للشغل يتعجّل الخطى في اعتماد أسلوب الانقلابات. ومن ثمّة جاء تأكيد العبّاسي بأنّ "الحلّ الوحيد للخروج من المأزق هو الحوار ثم الحوار"، حتّى وإن استدعى الأمر فرضه.

ومن ثمّة، تمكّن العباسي من جرّ حزب النهضة وزعيمه الغنوشي إلى ميدانه المفضّل، إلى مربّع مفاوضات يُتقن فنونها وثنايا أوراقها. فلئن انتصر العباسي لمطالب المعارضة، فقد نجح أيضا في فرض صورة المُحاور الحيادي والمستقل والمنحاز قبل كلّ شيء إلى المصالح العليا لتونس. هذا ما أجمعت عليه زعامات أحزاب المعارضة والسلطة في تونس خلال الفترة الأخيرة.


إفشال حملة تطويع الاتحاد


يتحمّل العبّاسي، بلا شكّ، نصيبا من مسؤوليّة الصمت عن الفساد المستشري والانتهاكات الجسيمة زمن بن علي. فقد كان أمينا عاما مساعدا لاتحاد الشغل منذ عام 2006. لكنها مسؤوليّة يتحمّلها السواد الأعظم من التونسيين بجميع فئاتهم، بما في ذلك بعض قياداتٍ في حركة النهضة حاولت منذ سنوات فتح قنوات اتّصال مع رئيس النظام السابق للصفح عنها وطيّ صفحة الماضي، دون أن تلحظ بدء هبوب رياح الثورة ثمّ لم تلبث أن زعمت بعد يناير2011 الإسهام فيها.

ابن قرية السبيخة بمحافظة القيروان واجه، وقوفًا دون انحناء، حملة تشويه ورميا بالفساد وبالانتساب إلى فلول النظام السابق وبالاستفادة مالا وجاهًا من منظمة اتحاد النقابات على حساب المساكين من العمّال وسائر الكادحين… حملة متلاطمة أمواجها عرفت أوجها حينما فشلحزب النهضة الحاكم ميدانيّا في تطويعه والهيمنة على قرار اتّحاد الشغل.

لم يُزمجر العبّاسي أو يتوعّد، واكتفى بالكشف جهرًا عن قيمة إجمالي ما يتقاضاه من أموال، من معاشه ومنحة منظمته، بما لا يزيد عن 1135 دينارا تونسيا وهو ما يقلّ عن700 دولار، أيّ أقلّ من عُشُرِ منحة ابنة حزب النهضة ونائب رئيس المجلس الوطني التأسيسي "محرزية العبيدي"، وحوالي خُمُس رواتب وزراء.

جهر القيادي النقابي بذلك في حين تحفّظ معظم أعضاء الحكومة ونوّاب المجلس التأسيسي عن ذكر قيمة الرواتب والمنح والامتيازات التي يتلقّونها، إعمالا للقانون و"الأخلاق السياسيّة".

يعلم التونسيّون وفي مقدّمتهم أنصار حركة النهضة الإسلامية الحاكمة أنّ حزبهم حاول، بكلّ ما في وسعه، كسر شوكة الاتحاد العام التونسي للشغل، لكنّ محاولات عديدة باءت بفشل مُعلن. فقد اعتقدت النهضة، بفوز كاسح حقّقته خلال انتخابات 23 أكتوبر 2011، أنّ الأوان قد حان لتتربّع على عرش تونس وتصبح لا فقط القوّة السياسيّة الوحيدة في البلاد وإنّما أيضا القوّة الاجتماعيّة الهادرة التي لا يقف في وجهها ولا يحدّ من إقبالها الشره على ممارسة الحكم أيّ فصيل آخر. وبدا واضحا أنّ الحزب الحاكم بأمره لم يستوعب قطّ ماهيّة اتّحاد الشغل ولا بعض قياداته الذين لم يُلوّثهم نظام بن علي من أمثال حسين العبّاسي.

في أواخر شهر نوفمبر 2012، اشتعلت الاحتجاجات الشعبيّة في ولاية سليانة شمال غربي البلاد، وأمام شدّة الاحتقان في منطقة تعاني الحرمان أصلا لم تجد الحكومة برئيسها السابق حمادي الجبالي، الذي يشغل أيضا منصب أمين عام حزب النهضة، سوى قمع التحرّكات الشعبيّة بالغازات المسيّلة للدموع ولكن بالخصوص بما يُسمّى بـ"رصاص الرشّ"، وانفجرت آنذاك فضيحة إصابة بعض المحتجّين بالعمى، فأعلن أهالي المنطقة العصيان التامّ. وفي حركة فريدة من نوعها في العالم غادر سكان سليانة وعددهم يفوق العشرين ألفا مدينتهم وتركوها للوالي ولأشباح الحكومة.

حينها لم تجد تونس سوى اتّحاد الشغل بقيادة حسين العبّاسي للخروج من تلك الأزمة… ومع ذلك لم يهدأ من روّج أنّ العصابات الإجراميّة وعملاء اتحاد الشغل هم من دفعوا سكّان محافظة بأسرها إلى العصيان.

وبعد أيّام قليلة، في 4 ديسمبر 2012، حين كانت قيادة اتّحاد الشغل تستعدّ لإحياء الذكرى الستين لاغتيال الزعيم النقابي والوطني فرحات حشّاد، داهمت جموع أنصار حزب النهضة الحاكم، وممّن يسمّون أنفسهم رابطات حماية الثورة، المقرّ المركزي لاتحاد الشغل في قلب العاصمة وتطوّر المشهد إلى اعتداءات وعنف شديد، تمكّنت المنظمة النقابيّة في خاتمتها من الدفاع عن مكاتبها ومنع احتلالها وتنصيب قيادات جديدة موالية للسلطات الجديدة. فأثبت الاتّحاد مجدّدا قدرته على المناورة وفي آخر لحظة أعلن عن إلغاء إضراب عام، كان كفيلا بمزيد تأجيج الأوضاع.

ففي عجز حزب النهضة الحاكم عن ليّ ذراع اتحاد الشغل وقيادته المركزيّة، الممثلة في حسين العباسي ومساعدي الأمين العام الاثني عشر، ليس هناك من سرّ. فقيادات النهضة الذين تشتّتوا، طيلة عقدين، بين السجون والمهاجر لم يسبق لهم ممارسة الحكم وهم غير عارفين بالدور المحوري للاتحاد العام التونسي للشغل في المشهد السياسي والاجتماعي وحتّى الاقتصادي في تونس. وإن كابر البعض في تمييع الدور الأساس للهياكل الوسطى للمنظمة النقابية أيّام الثورة، فقد بدا له أنّ اتّحاد الشغل طريّ العود والعظم.


صاحب مبادرة، لا مجرد وسيط


بوضوح أصدع حسين العبّاسي بأنّ اتحاد الشغل ليس مجرّد وسيط، بل صاحب مبادرة يقف في منتصف المسافة بين السلطة والمعارضة… العبّاسي لم يترك شاردة ولا واردة في مبادرة منظمته، لأنّه يعلم علم اليقين احتمالات الالتفاف عليها ومحاولة تفريغها من محتواها على "الطريقة الإنجليزيّة" في تأويل الوثائق التاريخيّة بشكل يخالف صريح العبارة والدلالة.

يأبى النقابي القيرواني الخوض في مناورات الأحزاب السياسيّة الحاكمة والمعارضة على حدّ سواء. ومع ذلك أدلى بدلوه في ما يخصّ تلويح نوّاب النهضة والكتل النيابيّة الحليفة لها بالاتّجاه إلى عزل رئيس المجلس التأسيسي مصطفى بن جعفر بسبب تعليقه أشغال المجلس إلى حين إيجاد مخرج توافقي لأزمة سياسيّة خانقة يختزلها حزب "حركة النهضة"، في مختلف بياناته، في مجرّد"صعوبات سياسيّة" تمرّ بها البلاد.

العبّاسي، ذو السادسة والستين من العمر، لم يتردّد في التأكيد أنّ أغلبية الطيف السياسي اعتبرت تعليق بن جعفر لأشغال المجلس "إجراءً أسهم في تسريع تقارب وجهات النظر وإمكانية الوصول إلى حلّ للأزمة". وهو ممّن لا يجترّ كلامه وإن عمل غالبا على تجنّب الخطاب الصدامي مع أيّ من الفرقاء السياسيين حتّى يُبقي على الدور الحيادي لمنظمته. كما أنّ مبادرة اتحاد الشغل، "تتحدّث عن الحكومة وعن المجلس التأسيسي ولا يمكن أن نأخذ منها جزءا ونتخلّى عن الجزء الآخر"، وفق تصريحه.

اتّخذت الاجتماعات التي يشرف عليها حسين العباسي نسقا تصاعديّا، حتّى لم يعد يجد أيّ وقت لوسائل الإعلام، ولا حتّى لنفسه ولجسده وعقله المُجهدين ولعائلته التي أضحت تتابع أخباره في أوقات متقطّعة عبر هاتف يرنّ طويلا دون أن يُستجاب إلى ندائه. فقد بدا أمين عام اتحاد الشغل، هذه الأيّام، لصيقا بقاعة الاجتماعات، تجمعه بها علاقة حميمة من جرّاء المفاوضات المتواترة مع مختلف الفرقاء السياسيين.

لا يخرج العباسي من القاعة التي دخلها صباحا إلاّ بعد الزوال في مفاوضات عسيرة مع ممثلي الائتلاف الحاكم ومعارضيهم. وبملء التفاؤل جدّد التأكيد "الترويكا تعهّدت باستقالة الحكومة"، وكذلك بتكوين حكومة تترأسها شخصية مستقلة وتضمّ كفاءات غير متحزّبة. العباسي لم يأخذ فقط بظاهر القول فقد حذّر ونبّه من أنّ هناك تمشّيا زمنيّا للاستقالة الفعلية للحكومة وتشكيل الحكومة المستقلة. ولم ينس أن يؤكّد مجّددا أنّه يُمسك العصا من الوسط، قائلا إن "الذهاب إلى الحوار الوطني رهين جملة من التنازلات من المعارضة والترويكا الحاكمة".

«لا يرضع إصبعه»!

باللهجة العاميّة التونسيّة يمكن أن نقول إنّ هذا الشخص "لا يرضع إصبعه" بمعنى أنّ العبّاسي ليس طفلا بريئا يُمكن استغلال طيبته وثقته العمياء في محيطه حتّى يُستبلهُ بسهولةٍ ويُسرٍ. ولذلك ردّ بشكل متهكّم على اقتراح رئيس الحكومة علي العريّض تشكيل "حكومة انتخابات" بعد إنهاء المجلس التأسيسي أعماله في أفق 23 أكتوبر 2013. كشف العبّاسي أنّها المرّة الأولى التي يسمع بمصطلح "حكومة انتخابات"، داعيا زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي إلى تقديم "شرح واضح حول مفهوم هذه الحكومة".

ماذا يقصد العبّاسي بهذا القول تحديدا؟ لقد لمّح ببساطة إلى أنّ قياديي حزب النهضة يتعمّدون طرح مفاهيم غامضة بهدف تأويلها على طريقتهم عند الحاجة. وبالحجر نفسه رمى أمين عام اتحاد الشغل طائرا آخر، من خلال مطالبة رئيس حركة النهضة بتقديم الإيضاحات اللازمة بنفسه، بدعوى عدم فهم كنهها ومراميها. فهو لم يتوجّه إلى رئيس الحكومة صاحب الاقتراح بل تجاهله، رغم أنّ المتحدّث المفترض لأيّ منظمة نقابيّة هو الحكومة وليس الحزب الحاكم.

اتّهم العبّاسي إذن رئيس الحكومة ضمنيّا بالغموض في وقت تبدو فيه البلاد في حاجة ملحّة إلى وضوح المواقف. ومن دون شكّ أنّ هذا الموقف المترفّع عن مخاطبة علي العريّض يُعدّ ردّا مباشرا على محاولته الاستنقاص من دور اتّحاد الشغل، حينما دعا في مقترحاته إلى ضرورة مواصلة رئاسة الجمهوريّة الاضطلاع بدورها في إدارة الحوار الوطني. وهو ما لا يُمكن أن يُفهم إلاّ على أنّه استهداف لاتّحاد الشغل وأمينه العام رأسا.

فلا يخفى أنّه قد مضى زمن منذ أن أصبح معظم التونسيّين على يقين من أنّ رئيس الجمهوريّة المؤقت المنصف المرزوقي يتحرّك سياسيّا لحسابه الخاص ويخضع لهيمنة حزب الأغلبية، ولا يمكنه أن يكون طرفا محايدا مؤهّلا للإشراف على أيّ حوار وطني جدّي. هكذا بدا حسين العبّاسي متمرّسًا بفنّ التفاوض والمفاوضات، واهبا نفسه لمقاومة نهم الهيمنة على مفاصل السلطة والبلاد.

10