حسين العموش: السطو على حياة الآخرين حالة مشروعة

الكاتب العربي يكتب ليقول ما لا يستطيع أن يقوله، ليضع بصمته الخاصة على مجمل ما يعيش من واقع، يكتب ليتنفس هواء الحياة المثقلة بنوازع النفس البشرية المؤمنة بالوطن والأمة، يكتب في محاولة لتغيير الواقع المرير الذي نعيشه من حولنا، الواقع الذي صار مزيجا من الهوان والضياع والمجازر والتخلف والكبت. أوصاف هذا الكاتب العربي تنطبق على الروائي الأردني حسين العموش، “العرب” كان لها هذا الحوار معه في اكتشاف لعوالم كتابته اللصيقة ببيئتها.
الخميس 2015/07/16
لكل رواية خصوصيتها، المهم هو التقاط الموضوع وبناء الشخصيات والتواصل معهم

حسين العموش ولد في محافظة الزرقاء الأردنية عام 1969، حصل على درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى من معهد البحوث والدراسات العربية في القاهرة، عضو في نقابة الصحفيين وعضو في رابطة الكتاب الأردنيين، صدر له العديد من الدراسات والأبحاث الأكاديمية والأعمال الأدبية أشهرها “سلامة الحافي” و”رجال للبيع”، التي تمّ تحويلها إلى عمل درامي إذاعي.

الواقع والأدب

في سعيه إلى تغيير الواقع من خلال كتاباته وإن كان الأدب قول كلّ شيء في ظلّ هذا الواقع من حولنا، يقول حسين العموش: إنّ الكتابة تواجه الواقع المرير، هي محاولة لقرع الأجراس والطبول، بضرورة التغيير نحو الأفضل، فالخطوة الأولى نحو التغيير المطلوب تكمن في اقتناع صناع القرار السياسي بضرورة التغيير من خلال إيجاد حالة من الانقلاب على الذات أولا، الأدب الذي يسعى إلى التغيير هو قرع الطبول على مقربة من آذان أصحاب القرار، وقادة الرأي.

حسين العموش يعيش اليوم على ضفّة بلدين أحدهما محتل والآخر يعيش مخاضا صعبا، بين فلسطين وسوريا، يحيل ضيفنا كلّ ما يحدث إلى المؤامرة التي تحاك للأمّة، المؤامرة التي يقودها الغرب بأيد عربية، هو ينظر إلى المشهد جيّدا وينفي العفويّة عمّا حدث ويحدث، بالنسبة إليه فإنّ الأردن استطاع أن يخرج من عنق الزجاجة، فبلاده تقوم بدور محوريّ ومهم في المنطقة، رغم قلّة إمكانياتها وشحّ مواردها.

يرى ضيفنا أنّ السياسة الخارجية الأردنية، أبدعت في النأي بالأردن خارج حلبات الصراع العربي العربي، والعربي الغربي، والعربي الصهيوني، ويتّفق معها هنا ويختلف معها هناك، كما يقول، لكنّه أمر واقع يجعله ينظر إلى التجربة الأردنية على أنّها تجربة عربية فريدة ونوعية ومدرّبة وبعيدة المدى، رغم عدم اتّفاقه مع الكثير من أبعاد السياسة الخارجية الأردنية، وهذا الأمر لا يخفى في كتاباته الروائية حيث ظهر جليّا من خلال نقده لاتفاقية السلام مع العدو الصهيوني في رواية “رجال للبيع”.

حديثه عن رواية “رجال للبيع” دفعني لأسأله عن اتّهامه بالسطو على حياة الآخرين والكتابة عنها، حيث تناول في فصولها نماذج موجودة في المجتمع بقليل من التفكير يستطيع القارئ أن يحدّد المقصودين واحدا واحدا، ليقول إن مصطلح “السطو” بات مصطلحا أكثر حضورا في حياتنا، ولأننا لا نعيش بمفردنا في الحياة، فهنالك جوانب كثيرة نسطو بها على الآخرين، ولعل سطو الكتابة على أشخاص أو وقائع إحدى هذه الحالات، وهي حالة مشروعة جدا في حال تم توظيفها بطريقة تعالج المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمجتمع، ولذلك فهو سطو مسموح به طالما أنّه يحقق غاية الأدب في تعرية الشخصيات والبوح الداخلي والكشف عن المسكوت عنه أو عنهم في المجتمع.

الخيال ليس نقيض الحقيقة بل هو ابتداع وسائل وطرق وشخوص وحبكة وسرد، كلها تحاكي الواقع بطريقة خيالية صادقة وواعية

يؤكد العموش أنّ القارئ يستطيع التعرف على شخصيات الرواية بسهولة حيث استخدم أحيانا المقطع الأوّل من الاسم فضلا عن أسماء الصحف ورؤساء التحرير والأمكنة ورؤساء الحكومات و الوزراء، يعود ذلك إلى إيمانه بضرورة بناء الثقة بين المتلقّي والكاتب، بناء الثقة الذي أسّس له في “رجال للبيع” هو ما أدّى إلى نجاحه في روايته الثالثة “سلامة الحافي”.

رؤية عرضية

في أعماله الأدبية يحاول حسين العموش تقديم مقطع عرضي للمجتمع ككل، عن رؤيته للعقد الاجتماعي في الأردن تحديدا، يقول: إنّه لا يمكن الفصل بين الشخصيات والبيئة والمجتمع، فكلاهما يؤثر في الآخر، ما يعني أن الفرد هو انعكاس طبيعي للمجتمع، والمجتمع هو حاضنة هذا الفرد، فالعقد الاجتماعي في الأردن لا يختلف عن مثيله في أيّ بلد عربي، الظروف واحدة والقهر واحد وصعوبات الحياة واحدة والديمقراطية الممنوحة واحدة.

يحاول ضيفنا تقديم رؤية توثيقية للحظة من خلال سياقات سردية متنوعة، عن فهمه للعلاقة بين الأدب والتاريخ، يؤكد أنّ توثيق اللحظة بطريقة التكثيف، ربما يكون نمطا جديدا من أنماط الكتابة الروائية، على أنه لا يوجد قالب محدد للنمط الروائي الذي يتفوق على الآخر، غير أنّ توثيق اللحظة سواء كانت في سياق تاريخي أو غير تاريخي يحتاج إلى وعي بطبيعة اللحظة المعيشة، بحيث تكون مهمة الكاتب تمثّل الواقع، وعيش اللحظة حتى يكتب عنها بصدق.

الكتابة قرع للأجراس والطبول في مواجهة الواقع

ويلفت العموش إلى أنّه يمكن أن يكتب رواية كاملة في موقف اللحظة المكثّف، ليظلّ القارئ حبيسه فلا يفرج عنه إلا في الوقت الذي يريد. ضيفنا لا يعتقد أنّ مهمة الأدب فقط تسجيل التاريخ، التاريخ جزء من الأدب، لكن عندما يتحول الأدب أداة لحمل التاريخ على أكتافه يفقد العمل قدرته على الإبهار ليصبح عبارة عن سيرة ذاتية للشخص أو للآخر.

عن طريقة البناء الدرامي التي يفضّلها، وهو الذي ظهر في “رجال للبيع” بصيغة الراوي العليم على لسان بطل الرواية رضا، يقول الكاتب: إنّ لكلّ رواية خصوصيّتها، المهم هو التقاط الموضوع وبناء الشخصيات والتواصل مع القارئ.

الأدب الأردني كما يراه ضيفنا وفي جزء كبير منه يقترب إلى أدب الواقع، باختلاف أسلوب تناول هذا الواقع، وبقدرة الكاتب على تحويل ما يقوله إلى قصة أو حكاية، فلكل كاتب طريقته وأسلوبه في نقل واقع الحال الأردني.

يتحدث العموش عن موضوع مقالاته الصحفية التي يهاجم فيها حركات الإسلام السياسي، وعن دور الصحفي والأديب سياسيا، فيقول: إنّ دور الصحفي يختلف عن دور الأديب سياسيا، ذلك أنّ الصحفي يحلل ويكتب ويقدم منتجا يوميا أو آنيا، وهذا المنتج يقدّم رؤية فردية لواقع الحال الآني، وهنا ربما يصيب الصحفي أو يخطئ وهذا مشروع، لكن الأديب مطلوب منه أن يقدم نماذج حياتية وشخصيات وأحداث لا تقبل التأويل على أكثر من وجه.

فدور الصحفي سياسيا هو محصور في كلمة واحده هي الحقيقة، بينما لدى الأديب فإنّ هنالك جناحا آخر يحلّق في سماء الإبداع من خلال الخيال، والخيال ليس نقيض الحقيقة بل هو ابتداع وسائل وطرق وشخوص وحبكة وسرد، كلها تحاكي الواقع بطريقة خيالية صادقة وواعية.

رواية رجال للبيع تمّ تحويلها إلى عمل درامي إذاعي، عن هذا يقول العموش: إنّها رواية جريئة، شخّصت واقع المجتمع الأردني بكافة أبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وإنّ اختيارها كمسلسل إذاعي فاجأني خاصة من مؤسسة رسمية وحكومية هي مؤسسة الإذاعة والتلفزيون.

15