حسين العودات: المثقف العربي لم يستطع التمرد على قسوة السلطة ورجال الدين

الخميس 2013/12/05
العودات: علاقة المثقف العربي بالحاكم معقدة

لم تفضح ثورات الربيع العربي ولم تعرِّ فساد النظم العربية وتخلفها فقط، وإنما فضحت وعرّت أيضا سطوة خطابات وموروثات متشددة ومتطرفة، أدّت إلى عزلة الرؤى والأفكار وحجمت تطورها وتجديدها، فكان أن أصيبت البنية الفكرية والثقافية والمعرفية لمختلف النخب بالضمور، والنتيجة تدهور حادّ في الفكر العربي المنوط به تجديد الخطابات وفرز الموروثات وتشكيل الحاضر والمستقبل.. حول أزمة جمود الفكر العربي في ظل الراهن الحالي وعلاقاته بما جرى ويجري في المشهد العربي، كان هذا الحوار الأول في سلسلة من الحوارات أجريناها مع مفكرين ومبدعين ذوي اتجاهات ثقافية مختلفة.

كشف المفكر والكاتب السوري حسين عودات أن محاولة الحاكم تنميط المواطن وقيمه ومفاهيمه، لعب دورا هاما في التضييق على الإبداع وفي ترسيخ الجمود الفكري، وأن التعسف السلطوي لعب الدور نفسه.

حيث رأى أن الأنظمة العربية حاربت العقل والعقلانية والاجتهاد والإبداع وساهمت في تخلف العقل العربي وجموده وتقصير الفكر العربي عن أداء دوره في التحديث والتطوير، وزاد الأمر تعقيدا دخول الإسلام السياسي طوال النصف الثاني من القرن العشرين في الصراع على السلطة، ومحاولته فرض قيمه وتقاليده وأنماط تفكيره على الدولة والمجتمع، وفي الحوار مزيد من التفاصيل.


مسيرة فاشلة


بداية نفى المفكر والكاتب السوري أن يكون ما يحدث في البلدان العربية من أزمات ومشكلات الآن يرتبط ارتباطا مباشرا بجمود الفكر العربي، فربما كانت أسباب الجمود هي نفسها أسباب الأزمات وليست الواحدة نتيجة للأخرى.

ويرى أن "الأمر هو نتيجة عوامل عديدة، ومسيرة تاريخية لتطور المجتمعات العربية منذ عصر النهضة حتى أيامنا، مرورا بالنظام السياسي الاقتصادي الاجتماعي الذي فرضته السلطنة العثمانية والمرحلة الاستعمارية الغربية. وكذلك طبيعة التيارات الثقافية والسياسية التي تبلورت مع بداية عصر النهضة، وأعني بها التيار الليبرالي والتيار القومي والتيار الإسلامي، وفهم كل منها للنهضة والحداثة ولمعايير الدولة الحديثة، وانعدام وجود حامل اقتصادي اجتماعي للتطور باستثناء قيام الطبقة الوسطى كحامل في بعض المراحل التاريخية في القرن الماضي، وكان المأمول أن تقوم هذه الطبقة بأعباء التطور، لكنها لم تستطع استكمال نموها والتصدي لمسؤولياتها. وعلى ذلك فأسباب الأزمات ليست آنية ولا راهنة إنما هي وليدة تطور طويل بدأ في القرن التاسع عشر ومازال مستمرا حتى أيامنا".


أهداف كبرى

المثقف بين نارين: إما أن يؤيد الحاكم وتعسفه وتسلطه ويتحول إلى بوق، وإما أن يعرض نفسه للضغوط وقطع منابع رزقه وتجويعه وربما اعتقاله وتعذيبه


وأشار عودات إلى أن علاقة المثقف العربي بالحاكم هي علاقة معقدة وقديمة، بدأت منذ مطلع التاريخ العربي الإسلامي ومنذ قيام الدولة الأموية خاصة، حيث كان نظام الحكم ومازال يطلب من المثقف تأييده وتبرير شرعيته التي يصعب تبريرها، وإلزامه بالمعايير والقيم والمفاهيم التي يريدها الحاكم. ولهذا السبب كان المثقف دائما إما صديقا للحاكم إن برر شرعيته، أو كان مغضوبا عليه ومذموما إن لم يفعل.

وأضاف "كانت حرية التعبير والحريات الأخرى غائبة غالبا في أنظمة الاستقلال العربية، التي كانت ترفض احترام هذه الحريات والعمل بها، كما تجاهلت معايير الدولة الحديثة الأخرى مثل مرجعية المواطنة والديمقراطية والعدالة والمساواة، الخ.. وضيقت خاصة على الحريات وعلى الأخص على حرية التعبير وإبداء الرأي والتواصل والحوار وغيرها..

وكان لهذا التعسف السلطوي، ومحاولة الحاكم تنميط المواطن وقيمه ومفاهيمه، دور هام في التضييق على الإبداع وفي ترسيخ الجمود الفكري، وقد استحوذت "الأهداف الكبرى" أي شعارات التحرر والوحدة والعدالة الاجتماعية وغيرها، على اهتمامات المفكرين وعلى الفكر العربي والنضال العربي بشكل عام على حساب مفاهيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والحداثة والتحديث، فأهمل الفكر العربي بذلك هذه القضايا المهمة، دون أن يحقق "الأهداف الكبرى".


نقد التراث


وحمّل عودات الأنظمة العربية التي قامت بعد الاستقلال المسؤولية عن استمرار جمود الفكر العربي وتخلف المجتمعات العربية وبطء تطورها ومنع الحداثة والتحديث في الفكر والمجتمع من الانتشار والتطبيق، وإبقاء القيم والأفكار وأنماط التفكير التي ورثتها المجتمعات العربية منذ مئات السنين دون تغيير أوتطوير، وتجاهلت نقد التراث العربي والفقه الإسلامي وإعادة النظر في سلم القيم، وحاربت الإبداع "كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" و"كل جديد بدعة" وذلك كونها أنظمة شمولية أو ديكتاتورية لا تهتم إلا بهدف استمرارها بالسلطة، وكان من مصلحتها إبقاء كل شيء كما هو فكريا واجتماعيا، ومحاربة التطور وتنميط التفكير والسلوك والحياة عام.

وكانت هذه الأنظمة تحاول دائما استرضاء الفقهاء ورجال الدين، وتمالِئهم وترفض معهم تجديد الفقه والخطاب الديني، لأنها كانت وما زالت تدرك أن الجمود الفقهي والتراثي يخدمها ويمنحها شرعيتها، ويستنكر الثورة عليها، ويرفض أي تجديد أو تحديث وخاصة في "المجال الفلسفي والفكري والديني".

لذلك حاربت الأنظمة العربية العقل والعقلانية والاجتهاد والإبداع ومالأت الإسلام السياسي وساهمت في تخلف العقل العربي وجموده وتقصير الفكر العربي عن أداء دوره في التحديث والتطوير".


قسوة الخطاب الفقهي


وردّ عودات أسباب هشاشة الفكر العربي جزئيا إلى نمط التعامل مع المثقف الذي كان مضطرا أمام سطوة الأنظمة السياسية وقسوة الخطاب الديني التقليدي والفقهي المتخلف إضافة إلى أسباب أخرى ذاتية وموضوعية، أن يبقى كما فرض عليه هذا التعامل وخاصة في مجال تشكيل الوعي وممارسة الحوار والنقد، ولم يكن باستطاعته التمرد أمام قسوة السلطة ورجال الدين وثقل التقاليد والقيم المعمول بها.

كان نظام الحكم ومازال يطلب من المثقف تأييده وتبرير شرعيته التي يصعب تبريرها، وإلزامه بالمعايير والقيم والمفاهيم التي يريدها الحاكم

وزاد الأمر تعقيدا دخول الإسلام السياسي طوال النصف الثاني من القرن العشرين في الصراع على السلطة، ومحاولته فرض قيمه وتقاليده وأنماط تفكيره على الدولة والمجتمع. إضافة إلى التضييق على الحريات الذي لم يتح للمفكرين العرب والفكر العربي الاجتهاد واستكمال تحديث الفكر، واستكمال النهضة متعددة الجوانب، مما اضطر النهضويين إلى تبني فكر النهضة الأوروبي كما هو، دون أخذ الخصوصية العربية الإسلامية بعين الاعتبار، واعتبار أن ما صلح لأوروبا يصلح لبلادنا، وتجاهل الظروف الموضوعية في المجتمعات العربية، إضافة إلى أن تطور المجتمعات العربية لم يتح للطبقة الوسطى التطور الصحي لتحمل أعباء النهضة وتؤسس دولة حديثة ، فبقيت نهضتنا بدون حامل وبدون هوية".


بين نارين


ورأى عودات أن إحياء الفكر العربي هو قضية معقدة ومن الصعب تحقيقه لاعتباره يرتبط بسبب واحد وبفاعل واحد كالمفكرين أو الفلاسفة أو المثقفين.. لأن هذا الإحياء يتعلق بتطور المجتمعات العربية، وبتحقيق ديمقراطية الأنظمة السياسية، واحترام الحريات والقبول بمعايير الدولة الحديثة، وتطوير المعايير الموروثة القائمة، واحترام الرأي والرأي الآخر، وتعزيز الحوار والنقد وإرساء تقاليدهما وهذا ما تفتقده المجتمعات العربية حتى الآن. وأكد أن الأنظمة العربية الشمولية القائمة وضعت المثقف بين نارين: إما أن يؤيد افكارها وممارساتها وتعسفها وتسلطها ومصادرتها للدولة والمجتمع، وللثروة والسلطة، ويتحول إلى بوق.

وإما أن يعرّض نفسه للضغوط وقطع منابع رزقه وتجويعه وربما اعتقاله وتعذيبه وحتى إعدامه. وقد أصبح الخيار ضيقا أمام المثقف العربي بسبب سطوة هذه الأنظمة وقساوة عقوباتها وشدّة فسادها واستبدادها.

وأخيرا وجد نفسه مضطرا إما إلى التحول إلى مثقف تقليدي في خدمة السلطة وبرامجها، ملتزما بعملها متجاهلا ممارساتها، أو أن يدفع ثمنا غاليا قد يوصله إلى السجن أو الاغتيال، فماذا كان يمكنه أن يعمل؟

* غدا: إبراهيم فتحي: الفكر العربي يتصف بالتشتت والتخليط والتسطيح والتلفيقية

15