حسين حبش: الشعور بوضاعة الضمير العالمي مازال مستمرا

الجمعة 2014/03/21
حبش: أوطاني كثيرة ومشتتة ولا وطن لي في الوقت نفسه

اعتلى الشاعر السوري الكردي حسين حبش عام 2009 منصة القراءة في الساحة العامة لمدينة غراناذا التاريخية ضمن فعاليات مهرجانها الشعري في نيكاراغوا. يومها قرأ قصيدته التي لا تبالي بالموت، “ما همَّني كيف وأين أموت”، أمام جمهور لاتيني يحتفي بالحياة. اقتربت منه امرأة شابة بعد إنهائه القراءة، وقالت له: “أظن أن عليك أن تبالي”. يأتي الشاعر بعد جملتها بسنوات أربع، ليصدر ديوانا جديدا بعنوان “ملاك طائر”، الذي سيكون للموت فيه نصيب “الأسد”.

“ما هَمَّني إنْ متُّ وأنا في حانةٍ أو في مَرْقَصٍ أو في ملهىً أو على صدر عاهرةٍ بليدةٍ في ماخور!/ طفلايَ يأكلانِ البطاطا المقلية مع المايونيز/ وهذا هو الأهمُّ”، هذا مقطع من قصيدة حبش التي قرأها في مدينة غراناذا، وفيها كان يبدي عدم اكتراثه لما تحاول المخلوقات كلها الهروب منه. صوته في القصيدة يبدو قويا جهوريا وهو يحاول مواجهة موت لم يقترب منه. صوت الشاعر سيتبدل تماما في الديوان الأخير، الديوان الذي يصدر منه صوت إطلاق رصاص، ونحيب وعويل ورائحة جثث، وأطفال لا يأكلون البطاطا مع المايونيز.


نصوص الموت


عن أجواء كتابته لهذا الديوان يقول حبش إن نصوص هذا الكتاب كتبت في أجواء كابوسية ومرعبة شبيهة بأجواء كافكا، بل وأغرب منها بكثير. فبعد مقتل الطفل حمزة الخطيب والتمثيل بجثته بتلك الطريقة البشعة، وقبلها ما حدث لأطفال درعا شعرَ بخطورة الوضع، وبأن آلة القمع والبطش والقتل ستطال البشر والحجر ولن يكون أحدٌ بمنأى عنها حتى ولو كان طفلا صغيرا أو رضيعا أو حتى جنينا في بطن أمه.

ففي وسط أجواء الذهول والصدمة والحزن والتمزق وعدم التصديق لمَا تعرضه الشاشات ووسائل الإعلام من مشاهد مرعبة لا يصدقها العقل من انتهاكات فظيعة ووحشية تطال الأطفال في سوريا كل يوم من قتل ونحر وذبح وجوع ويُتمٍ وتشرد ومشاهد أخرى لا يتحملها العقل والمنطق.

كان يقف مذهولا، ويردد من القهر والألم بينه وبين نفسه: “يا إلهي، كيف يستطيعون قتل الأطفال؟ كما كان دويستوفسكي يردِّد: يا إلهي، كيف يموت الأطفال، والفرق ـ كما نعلم ـ شاسع جدا بين الموت والقتل”. وسط هذا الخراب الشامل دوَّن نصا بعد آخر عن مأساة وعذابات أطفال سوريا دون أن ينتبه بأنه بعد الانتهاء من كل نص كان يُدمِّر قلبه وتغرق روحه في لجٍّ عميق من الأسى والحزن والكآبة.
دون نصا بعد آخر عن مأساة وعذابات أطفال سوريا وبعد الانتهاء من كل نص كان يدمر قلبه

لذلك وفي نهاية عام 2012 توقف عن الكتابة في نفس الموضوع نهائيا، فلم يكن هناك من خيار آخر، فإما أن يستمر ويفقد توازنه النفسي والعقلي أو أن يتوقف.. فتوقف. ويتابع بأن المأساة ما زالت قائمة ومستمرة، وما زال الشعور بوضاعة الضمير العالمي وتفاهته مستمرا، وما زال أطفال سوريا يتعرضون لأبشع أنواع الموت والقتل والفتك والإبادة دون أن يحسَّ بهم أحد.

وما زال يقف حائرا، يذرع الغرفة جيئة وذهابا، ويتمتم بطوباوية: “إذا ارتجف طفل من البرد أو من الخوف، على قلب العالم أن يرتجف من الخجل. وإذا قتل طفل، فعلى العالم أن يضع رأسه في الوحل إلى الأبد. وما زال رأس العالم غارقا في الوحل إلى هذه اللحظة، بل وأسوأ من الوحل بكثير!”.


شتات الأوطان


وعمّا إذا كانت القصيدة هي ملاذ الشاعر الأخير قال إنها قد تكون كذلك سواء كان عاجزا عن فعل أي شيء أو لم يكن كذلك. رغم أنه هنا لا يحبذ كلمة العجز. فالشاعر يستطيع أن يفعل أشياء كثيرة مثله مثل الآخرين خارج إطار الكتابة، ولا يجد له أي مبرر أن يتوارى ويعزل نفسه بهذه الحجة أو تلك، ويدّعي أنه قد أدى واجباته تجاه الحياة والعالم على أكمل وجه بمجرد أنه كتب قصيدة أو نصا. هذا لا يشفع له، ولا يعفيه من المسؤولية.

فواجب الشاعر الأول أن يكتب قصيدته بمنتهى الجمال، ومن واجبه أيضا أن لا يتنازل عن هذا الشرط أبدا. لكن من واجباته الأخرى أيضا أن يشارك ويتفاعل مع كل ما يجري في العالم من أحداث ومشاكل وأهوال وكوارث وتغييرات وثورات ومخاضات وصراعات، وألا يتهرب من مسؤولياته تجاهها.

فالشاعر يؤثر ويتأثر، وهو في قلب العالم وخضمه، ولا يمكنه أن يعيش بمعزل عن هموم الآخرين. الدوائر المغلقة والضيقة تخنقه وتحدُّ من حريته، ومما لا شك فيه لن يقبل أي شاعر بهكذا أمر.

سألته عن انتمائه لثقافتين (كردية وعربية)، وعن أوطانه المشتتة على المستويين الجغرافي واللغوي وتأثير ذلك على تجربته الشعريّة، فقال إنه في بعض الأحيان عندما يكون المرء متحررا من عبء الأوطان أو بعيدا عنها يكون حرا من كل عبء آخر.

وأن هذا ما يشعر به نسبيا. فهو يعيش في أوروبا منذ زمن بعيد. يقرأ بثلاث لغات ويكتب باثنتين. نادرا ما يتكلم العربية، ففي البيت اللغة السائدة هي الكردية وخارج البيت هي اللغة الألمانية وفي الكتابة هي اللغة الكردية والعربية.
نصوص هذا الكتاب كتبت في أجواء كابوسية

أوطانه مشتتة وكثيرة ولا وطن له في نفس الوقت. في باريس يشعر بأنه مواطن فرنسي وفي مدريد يشعر بأنه مواطن إسباني وعندما يكون في مناغوا حتما سيشعر بأنه مواطن نيكاراغوي وهكذا. لكن عندما يكون في مكان كردي يشعر بحزن عميق لا يستطيع الفكاك منه إلا بمرور زمن طويل، وذلك لمعرفته المسبقة بأن الأرض كردية والسيادة ليست كردية، وهذا مؤلم جدا.

فهذا التشتت الجغرافي واللغوي والشعري إذن لا يعني أنه كان سلبيا دوما. فله جوانب مثمرة وإيجابية، فهو الذي فتح عينيه على ثقافات وحضارات كثيرة ومتنوعة وغنية جدا، وجعله على احتكاك يومي ومباشر مع لغات عديدة وأناس من مختلف القوميات والأعراق، وأفسح المجال أمامه لعبور البلدان والقارات دون عوائق تذكر. كل هذا وسّع من رؤيته لنفسه وللعالم وجعل قصيدته ترنو دوما إلى البعيد.


مجانين غراناذا


شارك حبش في مهرجانين شعريين أقيما في أميركا اللاتينية، (كولومبيا ونيكاراغوا)، وكان رأيه أن الشعر حاليّا يقيم فيها، عن ذلك أوضح بأنه بخلاف ما عودتنا الرؤية التقليدية بأن أميركا اللاتينية هي أرض الرواية عبر أسمائها الكبيرة كماريو فارغاس يوسا وميغيل أستوريا وغيرهما..

إلا أنه يرى أنها أرض خصبة بالشعر، وربما أكثر من الرواية. فعندما يقرأ نصوصا شعرية قادمة من هناك يشعر بالانتشاء والزهو والسعادة الغامرة، لأنه يدرك في الحال بأنه قد وضع قلبه مطمئنا على شعر حقيقي مليء بالدهشة والغرابة والجمال والنباهة. شعر يستمد وجوده من جسد الأرض وأنفاس الطبيعة الأم. شعر يغوص في كينونة الإنسان وجذوره المغروسة في الأزل. شعر طازج، ثاقب وهائل وبعيد عن التكلف والادعاء وثقل الكلمات. شعر يمور في قلب الحداثة وروح العصر، وفي نفس الوقت لم يفقد بدائيته وبراءته وحتى وثنيته بعد. شعر له تميزه وفرادته وخصوصيته.

فهو لا يقلد ولا يتبع ولا يشبه أي شعر آخر في أي بقعة أخرى من العالم. فكل ما قرأ حتى الآن من الشعر القادم من هناك لم يخيِّب ظنه. وبإلقاء نظرة سريعة على أسماء هؤلاء الشعراء سندرك كم هذه المنطقة من العالم غنية بالشعر وكم هي محظوظة بشعرائها الكبار كروبين داريو وإرنستو كاردينال وبابلو نيرودا وقيصر باييخو ونيكانور بارا وخايمي سابيناس وفرانسيسكو ده أسيس فرنانديس، أمبرتو أكابال، خوتاماريو أربيليس، خوسيه لويس أيالا، فيسنتي هويدبرو، جيوكندا بيلي، أنجيلا غارسيا، مرسيدس روفي، غابرييلا ميسترال وأوكتافيو باث، رغم أن أوكتافيو ينتمي إلى الشمال (المكسيك) إلا أن حبش يعتبره شعره امتدادا طبيعيا لشعر أميركا اللاتينية.

أما عن مدينة غراناذا النيكاراغوية التي التقيته بها، والتي كتب قصائد عنها، فقد قال إنها مدينة محرّضة على الكتابة، بها أجواء ساحرة بامتياز، أناس طيبون ورائعون، بساطة متناهية، حركة دؤوبة لأجل الشعر، شعراء متألقون ومجانين، قراءات مختلفة هنا وهناك، طبيعة ساحرة، طقوس غريبة وبدائية، أقنعة وأزياء، سحر وتعاويذ، أساطير وخرافات، أثواب مزركشة، نساء جميلات وساحرات، باعة وأسواق شعبية مدهشة، حانات ونبيذ رخيص.

15