حسين صالح المثقف الموسوعي والكاتب بالفطرة

من يصدق أن حسين صالح بكلّ علومه الموسوعية، وصوته الدافئ الهامس ونظرته العميقة الحانية قد امّحى من الوجود مرّة واحدة وإلى الأبد.
الاثنين 2018/10/15
مثقف جدير بالاغتراب

صلاح نيازي

إذن لا بدّ ممّا ليس منه بدّ. هكذا ببساطة وقع ما لم يكن في الحسبان قطّ. حسين صالح بكل عنفوانه، بكل تأريخه ومستقبله يُوارى الثرى مرة واحدة وإلى الأبد، بكلّ حواسه الممتلئة بالفضول والمعرفة والإنسانية. فراق ولا كالفراق، ما من لقاء بعد اليوم، يا للهول. “الكلّ باطل وقبض الريح”.

أين عدالة الحياة إذن؟ وأي دموع تلك التي “تشفي ولا تجدي” كما يقول ابن الرومي؟ في مثل هذا الفراق الأبدي ما من مواساة أبدا. فالموت جرح أحشائيّ خاص لا يعانيه إلا حامله. وكلّ مواساة نفالة، وكلّ تطييب خاطر فضلة. يتخذ الموت كذلك طابع المفاجأة دائماً، حتى لو كان متوقعاً. وكأنه يقع لأوّل مرّة فلا موت قبله ولا موت بعده. حتى لو زار عجوزاً “بلغ من الكبر عتيّاً”، لا فرق فإنه يتخذ صيغة المفاجأة كذلك، وصيغة الغدر. لأنه استلاب أبدي، يخلّف فراغاً لا يُملأ.

 بين مصدّق ومكذب مات حسين صالح، وكأنْ لا موت قبله ولا موت بعده. وأنا لا أدري بأي كلمات أبدأ. مَنْ يصدّق أن حسين صالح ببنيته الفارعة، وجسمه الرياضي المتناسق، قد اختفى؟ كيف توقفت تلك الحيوية التي لا تكلّ؟ وكيف تعطّلت خطواته المفعمة بالحياة؟ من يصدق أن حسين صالح بكلّ علومه الموسوعية، وصوته الدافئ الهامس ونظرته العميقة الحانية قد امّحى من الوجود مرّة واحدة وإلى الأبد. مَنْ يصدّق أن هذا الإنسان الممتلئ بالبشرية، قد اكتفى من كل ممالك الدنيا بمساحة تابوت فقط.

المفارقة المشؤومة أنني اتصلت به في ذلك الصباح. أردت أن أهنئه بالعيد.

- أهلاً عزيزي حسين.

فجاءني الجواب هذه المرة باللغة الإنكليزية وبكلمة واحدة. قال لي ابنه تيم: Passed away بوقار إنكليزي، حزين هذه المرّة.

لم أكن أشعر بفجاعة هذا التعبير من قبل كما ينبغي، ولكنّه الآن أصاب مقتلاً، فانهمر الدمع. ومرة واحدة شعرت أن شيئاً ما انثلم من حياتي “ولنْ يعود له سبك” كما يقول المعري. أردت أن أهنئه بالعيد، فإذا التهنئة تنقلب إلى تعزية. أي محنة تلك التي يمّحي فيها الحدّ الفاصل بين التهنئة والتعزية. رحماك يا ربّ.

تعرفت على حسين صالح عرضا في مكاتب الإذاعة البريطانية. لفت نظري إليه بحرصه على الإنجاز، وجديته في ما ينجز. يتقصى الخبر مهما كان صغيراً، فيشبعه بحثاً وتمحيصاً. يتعقب الكلمة مهما كانت شائعة ومتداولة في القاموس تلو القاموس إلى أن يقع على أسرارها. الإحاطة بالموضوع مهما بدا هيناً، جزء أساسي من شخصيته وكأنْه يفعل ذلك بالفطرة.

تمتنّت أواصر تعارفنا حينما كان يعمل مترجما وإدارياً في صحيفة عربية بلندن. كان يتميز بسعة معارفه وبتواضعه وخبرته العميقة بالكومبيوتر. فلا عجب أنْ بات موضع ثقة زملائه لما عُرف عنه من دقة في البحث ورقّة في التعامل.

كان حسين صالح موسوعة من نوع ما، يتحدث عن الرواية الإنكليزية باللباقة ذاتها التي يتحدث بها عن الشعر الجاهلي، ويتحدث عن شيكسبير كما يتحدث عن مقامات بديع الزمان الهمذاني، يتحدث عن المغني الأوبرالي جيلي كما يتحدث عن داخل حسن وهو “يطحن بقايا روحه، يداه تدوران فقط ولا تُسمع رحاه”.

ذكرت له مرة عرضاً اسم عبدالباسط عبدالصمد يوم جاء إلى بغداد بمناسبة وفاة الملكة عالية في أوائل الخمسينات. كان مشهده جليلاً وهو يضع على كتفيه إزارا أخضر مشبع الخضرة مهيباً. أذكر أنه قرأ في تلك التلاوة الآية التي استشهدت بها في بداية هذه الكلمة “يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربّك راضية مرضية…” كان صوته يترقرق بأعمق خشوع وطمأنينة ومواساة. وإذا بالصمت يرين في أنحاء صحن “الكاظمين” وكأنْ في غيبوبة روحية.

قلت والشيء بالشيء يُذكر، أنا معجب أشدّ الإعجاب بتلاوة عبدالصمد لقصار السُّوَر. تصورت أني أجيء له بمعلومة جديدة عليه. فقال لي حسين صالح، وأهم تلك التلاوات ما رتّله بجامعة دمشق.

هكذا توسعت دائرة أحاديثنا. باختصار كان حسين صالح جديراً بالاغتراب، بكل ما يعنيه الاغتراب من الإصغاء التام لأصغر معلومة، ومن التواضع مهما فاض علمه، ومن التأقلم لفصول الحياة خريفها وربيعها، صيفها وشتائها.

لا بدّ لي من التنويه كذلك بموسوعيته في الشعر الحديث، في شتى البلدان العربية، من أحمد شوقي، وهو شاعره المفضل، إلى محمود حسن إسماعيل. أما في النثر فله شغف خاص بنجيب محفوظ، وطه حسين ولا سيما كتابه “الأيام”، ومقالات جورج أورويل وروايته ذات العنوان العجيب: Coming up for air.

ما أريد أن أستخلصه أن حسين صالح شجرة مثمرة عميقة الجذور، يتخلّق بعمقها وصمتها. لم يسرد ماضيه بأي مناسبة حسباً أو نسبًاً، ولم يتطرق إلى شهاداته الجامعية (عرفت من غيره أنه كان أستاذا جامعيا في إحدى الجامعات البريطانية متخصصاً بالعلوم).

لا غرابة إذن أنني رغم طول السنين التي عرفته فيها لا أدري بأيّ مذهب ديني يتمذهب، ولا لأي حزب يتحزب، ولا أعرف حتى المدينة التي وُلد فيها بالعراق.

نسيت أن أذكر أن لغة حسين صالح العربية، ولغته الإنكليزية، أختان بالرضاعة.

15