حسين عبداللطيف.. العراق على الصليب والشاعر يترجل

الثلاثاء 2014/07/15
عبد اللطيف حفر في ذاكرة العراقيين حضورا ثقافيا متميزا

بغداد- في اللحظة الأكثر خطورة وإيلاما في تاريخ العراق الحديث فجاة يتوقف قلب الشاعر حسين عبد اللطيف عن الخفقان، ليبدو خروجه من الدنيا صرخة احتجاج على ما فعل السياسيون بوطنه وما فعلته قوى الشر بأرض السواد التي أنشدها شعره. وحسين عبداللطيف هو شاعر عراقي من مواليد البصرة سنة 1945. ما يميز هذا الشاعر أن إضافته لم تتوقف على ما نشره من مقالات، على أهميتها، أو ما أصدره من كتب، أربعة دواوين، على ما تمثله من إضافة نوعية إلى المشهد الشعري العراقي والعربي عامة، حيث ساهم عبداللطيف بشكل ملموس في تكوين جيل مميز من الشعراء العراقيين خدمة للأدب والمدونة العراقية.

كان قبل ساعتين من رحيله، الخميس العاشر من يوليو الجاري، يحدثني عبر الهاتف، معافى، لم يكن هناك من مضاعفات لمرضه أو ما ينبئ بموته الوشيك. كان، كعادته دائما، منشغلا بالآخرين لا بنفسه، فلم يعرف عنه نرجسية الشاعر التي تتجلى عند الكثيرين من أصدقائنا الشعراء. حدثني عن ملف قيد الإنجاز عن الشاعر سعدي يوسف، وعندما قلت له أن شاعرا مثل سعدي يحتاج إلى ملف يليق به وبتجربته الكبيرة، قال إنه بصدد عمل معمق ومطول يتحرى تجربة هذا الشاعر. ولا أعرف إن كان قد أنجز قسما منه أم لا.


التجربة الشعرية


تمتد تجربة الشاعر حسين عبداللطيف الشعرية على أكثر من أربعين عاما، أصدر خلالها خمسة دواوين شعرية، وقام بنشر مجموعة هامة من المقالات. فكان على امتداد تجربته يتأمل حياته وحياة الناس من حوله.

ولم يكن ديوانه الأول “على الطرقات أرقب المارة”، الصادر عام 1977، البداية الفعلية لطريقه الشعري، فكتاباته الشعرية الأولى تعود إلى منتصف الستينات، غير أن الظروف الصعبة التي عاشها مع مجايليه من الشعراء والمثقفين البصريين، وبقاءه في الهامش المهمل من الثقافة العراقية، كانا سببا في تأخر ظهور ديوانه الأول.

وخلال ثمانية عشر عاما، ابتداء من عام 1977، لم يصدر لهذا الشاعر سوى ديوان واحد، في حين كان نشاطه الثقافي والأدبي مميزا، وهذا ما يشهد له به عشرات الكتاب البصريين، الذين قرأ أعمالهم وشجعهم على الكتابة. بل وكان يتوسط لهم لنشر إنتاجاتهم، في الصحف والمجلات العراقية بشكل خاص.

من هذه الزاوية نستطيع أن نؤكد أن معظم أدباء مدينة البصرة، ممن ظهرت كتاباتهم منذ نهاية السبعينات وحتى وقت قريب، كانوا قد استفادوا من تجربة هذا الشاعر ومن نصائحه وآرائه.

لذلك يكتسب الشاعر حسين عبداللطيف مكانة خاصة في المشهد الأدبي والشعري، في البصرة بشكل خاص، ويمثل نتاجه الشعري عصارة حياة ثقافية ومعاناة في استخلاص جوهر الشعر، من خلال النأي عن اليومي والمألوف، باستثمار لغة شعرية تكتنز بالمجازات والصور المبتكرة، وباطلاع واع على منجزات الشعر العربي والتأثر بترجمات الشعر الغربي، في مزاوجة اتضحت معالمها في شعره، وخصوصا في ديوانه الثاني “نار القطرب”.


حياة قاسية


تمتد تجربة حسين عبداللطيف الشعرية إلى أكثر من أربعين عاما أصدر خلالها خمسة دواوين شعرية ومجموعة من المقالات

لقد عاش هذا الشاعر حياة قاسية، بين عذاب مرض السكري المقيت، وألم رحيل ابنه البكر حازم. لكنه على الرغم من كل صعوبات حياته، انتصر على آلامه وتجاوزها، ليكون حاضرا بإضافته في قلب الحياة الثقـــافية العراقيــة بشكل دائم.ويتــــضح ذلك خاصة في ديوانه الأخير “بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلــــقالق ميتة”، حيث استثمر الشاعر مناخات قصيدة الهايكو للتأمل والحوار مع الذات، ونحت علاقتها بالطبيعة بعيدا عن منغصات الحياة والآلام المبرحـــة، التي عــــانى منهـــا كثيرا، وكــــانت تجربة شعرية ممــيزة وجديــدة على عــالمه الشعري.


بيت الشعر ينعاه


وقد أصدر بيت الشعر العراقي ببغداد بيانا نعى فيه الشاعر حسين عبداللطيف ومعه الشاعر محمود النمر، الذي توفي في الفترة نفسها، ومما جاء فيه: قد يُقال بواقعية ترتبط بالراهن العراقيّ، إنّ إصدار نعي لشاعر أو لشاعرين في ظرف معقد مثل الذي نعانيه الآن، سيمرّ مرور الكرام في نشرات الأخبار ورصد الوكالات والصحف.

فهو في النهاية حدث اعتيادي، بنظر بعضهم طبعا، تتفوّق عليه مآس وآلام لا حدود لها، حيث طفل يسقط هنا في لجّة المعركة الجارية، وعائلة تحزم حقائبها هناك لتهاجر بعيدا عن البلاد، ومجتمع يسيطر عليه الخوف والقلق من مآلات ما نحن فيه. كلّ ذلك بفعل مستجدات خطيرة تهدّد وحدة العراق ومستقبله.

وإذ ننعى إلى الشعراء والمثقفين العراقيّين والعرب، رحيل الشاعرين حسين عبداللطيف، في البصرة، ومحمود النمر في بغداد، فإنّه بدا من الواضح أنّ مكانة الثقافة وأهلها في تراجع مستمر، وتلك نتيجة طبيعيّة في مجتمعات مهدّدة، تتعرّض إلى محاولات التمزيق وضرب وجودها الحضاري وغنى التنوّع فيها.

لكنّ المؤلم في استمرار فقد المبدعين العراقيّين بهذا الشكل المرّ، أنّنا وصلنا إلى مرحلة باتت فيها أخبار الموت والخسران معتادة ومألوفة بشكل مؤسف، فمن يرحل على سرير المرض، من دون أدنى رعاية لائقة به بوصفه مواطنا عراقيا من أبناء البلد ذي الإمكانيات الكبرى، لهو محظوظ، منّت عليه السماء بنعمتها، مقارنة بمن تختطفه سيّارة ملغمة أو رصاصة من مسدس كاتم للصوت.

وداعا لحسين عبداللطيف (1945-2014)، صاحب المسيرة الثرية في المشهد الشعريّ العراقيّ، بمجموعات جدّد فيها أسلوبه وأدواته طوال أربعة عقود، منذ ديوانه الأوّل “على الطرقات أرقب المارّة”، عن دار الشؤون الثقافيّة 1977، و”نار القطرب”، عن “الشؤون الثقافيّة” نفسها 1995، مرورا بكتابيه “لم يعد يجدي النظر” دار الجمل 2003، و”أمير من أور” عن دار الينابيع 2010، وإلى كتابه الشعريّ الأخير “بين آونة وأخرى يلقي علينا البرق بلقالق ميتة – متوالية هايكو”، عن وزارة الثقافة ببغداد 2012. وليست الاستعانة بكلمات الفقيد إلا سبيلا لتجرّع هذه الخسارة، حقّا يا ابن البصرة وشاعرها العميق: “سنوات؟/ أم تلك ضرائبْ/ لمَطالبِها… ما من حد؟/ ..هل أملك نفسي الجمعة/ لأبعثرها السبت؟/ هل أختلق الذكرى/ كي أضرب صفحا عن ذكر الغد؟”

أخيرا، سيبقى الأدباء البصريون ، يستذكرون شاعرا مبدعا غاب عن مدينتهم ، بعد أن حفر في ذاكرتهم حضورا ثقافيا متميزا.

14