حسين عبيد ابن الروح العُمانية المغمور بسحرها

عالم التشكيلي العماني يضيق ويتسع، حسب الحركة الإيقاعية لمفرداته. إنه ينصت إلى أصواتها القادمة من بعيد.
الأحد 2018/10/14
حسين عبيد رسام الأسرار التي تقيم خلف حُجب

كمَن يبحث عن ثغرة في جدار لينفذ من خلالها إلى ماضيه الشخصي سعى العماني حسين عبيد إلى أن يستحضر في رسومه العلامات والخدوش والخربشات والإشارات والرموز التي شكلت فضاءه البصري عبر سنوات امتزاج حواسه بما يحيط به من عوالم مكتظة بطقوس سحرية.

فنان الأثر والمحيط وهو ابن البحر والبر معا. كانت هناك لغات غير منطوقة تحيط به من كل جانب هي سر انجذابه إلى مشاهد مهملة ومنسية هي جزء من حياة صامتة، مر بها الزمن وترك عليها أثره من غير أن يحتويها لتكون جزءا من نفائسه.

تأوهات لبشر عابرين

لقد كان على الرسام العماني أن يزيل الغبار عن الجدران ليصقلها فتكون بمثابة المرايا التي صار يرى من خلالها صورا عاطفية هي جزء من ذاكرة المكان الذي تعددت سطوحه. في كل سطح من تلك السطوح تقع حياة ناقصة، صار عبيد يستأنفها كما لو كانت جزءا من حياته الشخصية.

المكان: مسقط. الموضوع: حجر عماني هو أشبه بنيزك لا عمر له. في ذلك الإطار الوصفي يبدو الرسم شأنا موضوعيا، غير أنه في سياق تجربة هذا الرسام يتخلى عن الوصف لصالح البحث عن مغزى الأشكال التي تراكمت، بعضها فوق البعض الآخر.

لا يسير عبيد وراء فكرته أفقيا فهو لا يتبعها بل يفتش عنها عموديا عن طريق التنقيب بحثا عما تبقى من أثر.    

في وقت مبكر من شغفه بالرسم اكتشف جماليات الجدران فصارت عالمه وليست واحدة من مفرداته التشكيلية. يقيم في ذاكرة المكان. وهو يحلم المكان لا يتذكره. ليعيد صياغة وقائع، هي في حقيقتها مجرد تأوهات لبشر عابرين.

لا يسير عبيد وراء فكرته أفقيا فهو لا يتبعها بل يفتش عنها عموديا عن طريق التنقيب بحثا عما تبقى من أثر.    
عبيد لا يسير وراء فكرته أفقيا فهو لا يتبعها بل يفتش عنها عموديا عن طريق التنقيب بحثا عما تبقى من أثر

وإذا ما كان الرسام العماني قد تأثر برسوم عدد من الرسامين العرب الذين اهتموا بجماليات الأثر والمحيط فإنه نجح في أن يختط له طريقا شكلية خاصة به، من خلال استلهامه لمفردات المكان العماني بكل ثرائه الخيالي.

ولد عبيد في مسقط عام 1968. درس الرسم بطريقته الخاصة. انتسب عام 1987 إلى مرسم الشباب. ثم انتقل بعد سنة إلى النادي الثقافي. في عام 1993 أصبح عضوا في الجمعية العمانية للفنون التشكيلية. أقام أول معارضه الشخصية عام 1991 في مرسم الشباب. بعد ذلك المعرض توزعت عروضه الشخصية ما بين لبنان والأردن وبلده الأصلي. غير أنه شارك في معارض جماعية وحضر ملتقيات فنية حول العالم، كان أبرزها في باريس، الشارقة، روما، القاهرة، المكسيك، الكويت، بروكسل، أنقرة وبرلين.

شغف في بدايات ظهوره بجماليات الحرف العربي فأقام معرضا بعنوان “الحروفية العربية” عام 1997. غير أنه سرعان ما أتبعه في السنة التالية بمعرض كان عنوانه “ذاكرة الصحراء والبحر” أقامه في قصر اليونسكو ببيروت. سيكون عليه في ما بعد أن يمزج بين العالمين لينتقل إلى “مملكة الحلم” وهو عنوان معرضه الذي أقامه عام 2002 بمسقط.

في ذلك المعرض بدا واضحا أن عبيد تمكن من أدواته وتوصل إلى نوع من الاستقرار الأسلوبي عبر من خلاله عن استيعابه لتأثيرات المفردة الجمالية المحلية، بحيث لم يعد في حاجة إلى تجسيدها بقدر ما صار يستلهمها مكتفيا بأثرها. وهو ما جعله ينتقل بثقة إلى مرحلة أسلوبية جديدة هي الأكثر عمقا واستقرارا مثلها معرضه “الجدار” الذي أقامه عام 2008 في الأردن.

حين يلتفت عبيد اليوم إلى بداياته لا بد أن يكتشف أن فكرة استلهام الحرف العربي جماليا كانت أساسية في تشكيل وعيه الجمالي، بحيث أنها رافقته في مختلف تحولاته وإن كانت تظهر بصور لا تذكر بالبدايات، يوم كان الحرف مقصودا لذاته، من جهة كونه مصدرا بصريا للجمال.

اليوم يظهر الحرف باعتباره أثرا ليس إلا. بقاياه تشير إلى لحظة إنسانية عابرة وسط تركيب تجريدي غامض.

يرى بقوة الحكاية

حسين عبيد فنان عُماني بعمق
حسين عبيد فنان عُماني بعمق

سعى عبيد وهو ابن بيئة يتقاسمها البحر والصحراء إلى أن يستثمر التضاد اللوني في خلق إيحاء بتراكم سطوح، هي في حقيقتها ليست موجودة إلا على مستوى بصري. وهو ما يعكس اطمئنانا نفسيا إلى ما يمكن أن ينتج عن محاولة الغوص بين الطبقات بحثا عن معنى النظر إلى ما لا يقع في متناول العين.

 كنا نقف على شاطئ البحر، تظللنا سماء عميقة بزرقتها حين أشار حسين إلى جهة تقع في البحر وهو يقول “هل ترى الجزيرة هناك؟”. خُيل إلي يومها بعد أن عجزت عن رؤية تلك الجزيرة “المتخيلة” أن صاحبي كان يحلم بحكايات اختزنتها ذاكرته البحرية. كنا في “سداب” ولم يكن الرسام في حاجة إلى أن يحدثني عن أزرقه الذي أفسدت خياله الصحراء حين اقتحمته بكنوزها الجمالية.

لم أكن منصفا يومها حين اعتقدت أن من الضروري للرسام أن يدير ظهره للصحراء. فكل أثر قبضت عليه يده كان قادما من الصحراء. كانت جزيرته “المتخيلة” الجزء المتمم لحكاية بدأت في الصحراء. بقوة تلك الحكاية كان الرسام يرى ما لم تكن عيناي تصلان إليه. محفورات الفنان على سطوح لوحاته تؤكد أنه يبحث عن ذلك الشيء الذي هو لقيته الروحية التي لا ينافسه عليها أحد. ذلك لأنها تقع في مكان خفي من أعماقه.

بلاده تفعل الشيء نفسه

حسين عبيد يرسم بقوة سحر بلاده
حسين عبيد يرسم بقوة سحر بلاده

لأسباب كثيرة لم يجد عبيد ضرورة لأن يكون تعبيريا في تجريده. هناك سكون يرى فيه الرسام ضالته كمن يرسم حياة صامتة، تجذبه إليها الرائحة قبل الصورة. ولأن الرسام العماني مسكون بقوة أشياء لم تعد تحيطه إلا من خلال ما ترسب منها في ذاكرة حواسه فإنه يستسلم لرغبة عميقة في التحليق تحملها المفردات إليه.

عالم عبيد يضيق ويتسع، حسب الحركة الإيقاعية لمفرداته. إنه ينصت إلى أصواتها القادمة من بعيد. يشم رائحتها وهي تنبعث من مكان خفي. لا يحتاج إلى انفعال مستفز ليصل إلى ذروة متعته بالأشياء من حوله. إنه يحتاج إلى أن يبطئ من حركته ويخفض صوته لكي يسمح لتلك الأشياء بأن تمر وتترك على سطوح لوحاته شيئا من أثرها.

علينا أن نصدق أن عمان، بلاده تفعل الشيء نفسه.

حسين عبيد يرسم بقوة سحر بلاده. وهو سحر لا يقيم في المشاهد الطبيعية وحدها بل في اللغة والإشارات والرموز والطقوس والعادات المبهمة التي تشير إلى نوع من الحياة لم يفك ارتباطه بعد بالبعد الماورائي للثقافة.

هو ابن البيئة العمانية. هذا صحيح، غير أن الصحيح أيضا أنه ابن الروح العمانية التي لا تزال مقيمة خلف حجب من الأسرار.    

حسين عبيد فنان عُماني بعمق.

9