حسين ماضي لبناني يهب المفردة البصرية قوة اللغة

تشكيلي لبناني يرسم وينحت بخطوط تحمل الكثير من الرسائل الشعرية، لديه خطط لتغييب المعنى من أجل أن يكون الجمال حاضرا.
الأحد 2019/09/22
رسام الخلاصات وإيقاعاتها

ترسم عصفورا فيكون عصفورك الذي لا يشبه أي عصفور آخر. ترسم شجرة فتكون شجرتك التي تتشبه أوراقها بأحلامك. الطبيعة تلهمك غير أنك في الوقت نفسه تستولي على مفرداتها لتضمها إلى قاموسك الشخصي. تلك موهبة لا يتمتع بها الكثير من الرسامين.

شغف حسين ماضي بالطبيعة جعله يتخطى مرحلة القرب منها ليقيم في قلبها ويتلمس الطريق إلى جوهرها. إنه يرسم وينحت لا بإلهام منها بل كما لو أنه يؤدي عملها. هو الحارس اليقظ الذي يؤدي جزءا من مهمته من خلال التقاط أحلامه قبل أن تشتبك بها عناصر الطبيعة. في اللحظة التي يطبق المشهد على حقوله يهرب ماضي بلقيته.

لقد اكتسب ماضي من الطبيعة واحدة من عادات جمالها.

لا تنتظر الطبيعة كثيرا حتى تتغير. كل لحظة تمر تجلب معها شجرة مختلفة عن تلك التي سبقتها. لهذا فقد تعلم ماضي كيف يكون وفيا للحظة جمال، لو لم يهرب بها لكانت قد فنيت.

معلمه الخيالي

شغف ماضي بالطبيعة جعله يتخطى مرحلة القرب منها ليقيم في قلبها ويتلمس الطريق إلى جوهرها. إنه يرسم وينحت لا بإلهام منها بل كما لو أنه يؤدي عملها
شغف ماضي بالطبيعة جعله يتخطى مرحلة القرب منها ليقيم في قلبها ويتلمس الطريق إلى جوهرها

ينحدر من ماضي الطبيعة ليؤسس لمستقبله الشخصي.

ترف ورخاء وهدوء. هذا ما تعلمه من الفرنسي هنري ماتيس. معلمه الخيالي الذي شاء أن يطور تجربته ونجح في ذلك.

لقد تعامل ماضي مع ملهمه الأسلوبي ماتيس بالطريقة نفسها التي تعامل من خلالها مع ملهمته البصرية “الطبيعة”. وكما أرى فإنه ظل وفيا لمصدري إلهامه من غير أن تكون له حاجة في إنكار ذلك. فقد كان مخلصا لمفهومه الشخصي عن الجمال. وهو مفهوم يمزج الزهد بالنشوة، التخلي بالفتنة، القلة بكثرة ما تنطوي عليه الطبيعة من محرضات جمالية.

ماضي يرسم وينحت بخطوط تحمل الكثير من الرسائل الشعرية. لديه خطط لتغييب المعنى من أجل أن يكون الجمال حاضرا. حينها لا يكون العصفور سوى زقزقته ولن يكون الديك سوى صيحة صباحه ولن تكون الشجرة سوى خضرتها العابرة.

ولد ماضي عام 1938 في قرية بقعاتة كنعان بقضاء كسروان. أنهى دراسة الرسم في الأكاديمية اللبنانية للفنون. بعدها انتقل إلى روما ودرس في أكاديميتي بيلي أرتي وسان جاكومو. وعاش متنقلا بين روما وبيروت حيث كان يمارس تدريس الرسم في الجامعة اللبنانية. حين عاد من روما أصبح أستاذا في معهد الفنون الجميلة ببيروت.

 عبر عشرين سنة قضاها ماضي في روما رساما ونحاتا وحفارا تعلم تقنيات فن الفريسكو والموزاييك. وفي عام 1965 عرض لأول مرة أعماله في روما. بعدها أقام أكثر من ستين معرضا شخصيا.

حصل على جائزة الصالون الخامس لمتحف سرسق، وجائزة الصالون الثامن للنحت التي قدمها المركز الثقافي الإيطالي، كما نال الجائزة الأولى للحفر في إيطاليا عام 1974. إضافة إلى ذلك فقد تم تقليده وسام نجمة التضامن من قبل الحكومة الإيطالية عام 2003. 

صرامة الأشكال التي يبتكرها ماضي تنتج شعرا بصريا من نوع مختلف
صرامة الأشكال التي يبتكرها ماضي تنتج شعرا بصريا من نوع مختلف

يقول ماضي “في روما لم أترك تقنية لم أدرسها وأتعامل معها، لأنني عاهدت نفسي منذ البدايات أن أختار كل ما من شأنه أن يضفي قيمة ومعنى على منجزي الفني، وإلا سأصبح مجرد مكرر ومجتر للأشياء من غير إضافة أو معنى. هذا العهد جعلني أخوض منذ البداية في مجال التقنيات المتنوعة، فتعاملت مع الحفر على الحجر والخشب واللينوليوم وصب البرونز إضافة إلى الفريسكو والموزاييك وغيرها من التقنيات والمواد المختلفة. ومعها جميعا كنت أحاول إغناء تجاربي حتى أتمكن من الوصول إلى تبسيط تعابيري واختزالها ضمن خصوصيتي إلى أقصى درجة ممكنة”.

حسب علمي لم يمزج ماضي الفنون التي تعلمها بعضها بالبعض الآخر كما فعل فنانون آخرون. لقد مارس كل واحد من تلك الفنون على حدة. فكان بشكل أساس رساما خالصا ونحاتا خالصا. غير أن أشكاله ظلت تتنقل بين الفنين. وهو ما سمح له بالتعرف على القدرات الكامنة لتلك الأشكال. فالشكل الذي سبق له وأن اكتشفه مرسوما على سطح لوحته صار سواه حين تم نحته وأصبح مجسدا في الفراغ. ولهذا فإن ذلك الشكل حين يعود من النحت إلى الرسم يكون محملا بخيال جديد وطاقة تعبير مختلفة.

ما لم يكن ماضي قد تعلمه أثناء دراسته تعلمه أثناء الممارسة العملية. لقد نمت أشكاله بين الفنين بطريقة قد تكون قد أدهشته شخصيا قبل أن تدهش متابعي أعماله.      

في رسومه ومنحوتاته على حد سواء غالبا ما يكتفي ماضي بمفردات قليلة. أحيانا مفردة واحدة تكفي. فهو يمارس الرسم والنحت زاهدا بالبلاغة المؤثثة بالزخرف وإن كان أحيانا يلذ له أن يستجيب لإيقاع الزخارف التي تكون جزءا من الموضوع وتضفي عليه طابعا ساحرا.

لغة شعرية صارمة توشح أعمال ماضي لا تقبل أي نوع من التكرار
لغة شعرية صارمة توشح أعمال ماضي لا تقبل أي نوع من التكرار

في الأساس فإن لغة ماضي هي ضرباتها الإيقاعية وليست قدرتها على التعبير. وهو من خلال تلك الإيقاعات ينشئ عالمه الذي لا يتضمن لحظة بؤس واحدة. إنه عالم سعيد. عالم النساء الجميلات اللواتي يعشن عند حدود الحلم، كما لو أنهن لم يتعرفن على الحياة الواقعية من قبل.

من وجهة نظري فإن رساما متعويا مثل ماضي لم يكن يرسم إلا بعد أن تتمكن منه المفردة خياليا. سيكون الرسام بمثابة اليد التي ترسم ما يمليه خيال تلك المفردة عليها. شيء أشبه بالإيحاء الذي يحضر مثل لغز. ماضي هو رسام أيقونات حياة لا تزال قيد التداول. صرامة ماضي في ضبط الحدود الخارجية لأشكاله تتناقض مع الطابع الشعري لتلك الأشكال. علينا أن نكون حذرين في الوصف. ذلك لأن أعمال هذا الفنان تقع خارج الوصف. فهي لا توصف وإن كانت تستعرض مفردات هي في حقيقتها نتاج خيال لا يزال في طور الاستعمال.

سيكون علينا مع ماضي أن نتعلم لغة شعرية صارمة لا تقبل أي نوع من التكرار والأهم أنها لا تستعمل العاطفة من أجل ابتزاز متلقيها. صرامة الأشكال التي يبتكرها ماضي تنتج شعرا بصريا من نوع مختلف. يود الفنان أن ننصت إلى الإيقاع باعتباره بديلا عن اللغة.

أسرار حياة مكتظة بالحكايات

يقول الناقد الفني والرسام غسان مفاضلة عن ماضي “اكتشافه المبكر لجماليات الطبيعة ووقوفه على تراثها المنثور على امتداد الأفق الموصول بمسقط رأسه في جبل حرمون بمزارع شبعا شكل له رافدا لم ينقطع عن إمداده بالمفردات والعلامات التي راح معها يستدرج مخبوءات المرئي إلى عتبات المشخص والمجرد نحتا وتصويرا”.

ستكون تلك الفكرة هي الأساس الذي يبني عليه حسين ماضي معرضه الاستعادي والذي عنونه بـ”حياة بلا حدود”. تلك هي الحياة التي عاشها. الحياة التي اخترعها وخيل إليه أنه عاشها كما لو أنها حياة حقيقية. حين يلتفت ماضي إلى الوراء فإنه لا يرى سوى حياة تبدأ بحكاية لم تنته بعد. وهي حكايته الشخصية التي صار يرويها بلغة لم تتمكن منها الحكاية التقليدية. إنها لغة تتماهى مع شعر، كان بمثابة الهامش.

يلذ لماضي كما قلت أن يُظهر متعته بالزخرفة. وهي كما أظن متعة مؤقتة يستعرض من خلالها الفنان رغبته في أن يتحرر من الأشكال التي رافقته من الأحلام إلى سطوح اللوحات. إنه يطلق من خلال تلك الزخرفة حيوية غير متوقعة ستكون بمثابة إطار لحياة رموزه التي تستمد قدرتها على العيش من اتصالها الجمالي بالطبيعة. وهو ما يعتبره الفنان جزءا من أسرار حياته.     

9