حسين مختار: في الجزائر الدخول إلى المسارح مجاني.. لكنها فارغة

المسرحي الجزائري يرى أن الفن سيصبح ضرورة لمعالجة شعب يخرج من تجربة مليئة بالمآسي.
السبت 2020/04/04
مستقبل الفن متعلق بمستقبل البلد

من المعروف عن حسين مختار منذ سنوات نضاله الثقافي، فهو لا يتوقف عن المحاولة حتى ما قبل الحراك الجزائري، لترسيخ مسرح حر، سواء في عمله الخاص كمخرج أو ممثل، أو من خلال جولاته التكوينية التي يقوده فيها هاجس واحد هو أن الفن هو العلاج. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الفنان حول تجربته ورؤاه المسرحيين.

ينشط المسرحي حسين مختار في مجالات متعددة داخل الفعل المسرحي، نجده في التمثيل والإخراج والتكوين، لا يتوانى في التنقل بين مدن ولمسافات طويلة، أو خارج الجزائر إلى تونس ولبنان مثلا، لا رهان له غير المسرح.

يقدم مختار نفسه كمسرحي وفنان، على أنه من حي بابا علي بمدينة صغيرة داخلية بغرب الجزائر اسمها معسكر.

ويقول “لدي من العمر ما يكفي لسرد قصة ومن المآسي ما يكفي لتفقد الأمل ولا أزال حيا بسبب المسرح”.

المسرح والعراقيل

نبدأ حديثنا من النعت الرائج للكتاب والمسرحيين والمبدعين عامة بـ”الشاب”، نعت مخاتل لا نفهم إن كان مدحا أم ذمّا. يقول مختار “إنها كلمة يستعملها الجيل السابق لنعت جيلنا ضنا منهم أنها كلمة تحط من مستوانا، وهناك الكثير من الكلمات والتعابير المستعملة مثلها وللغرض نفسه، بينما في رأيي أن الفنان الحقيقي لم يعد شابا منذ أصبح يلقب بالفنان. فالفن مرحلة ما بعد النضج، إنه كيف يمكنك تقديم خدمة للبشرية بهذه المادة التي تمتلكها وهنا تسقط الأعمار والتقسيمات”.

وحول مشاريعه الفنية التي يعمل عليها، يؤكد مختار لـ“العرب” أنه يحضر الآن نصا مسرحيا يتوقع أن يكون هو نفسه مخرجه. ويضيف “العمل الجديد عبارة عن مجموعة قصص حقيقية عاشها أشخاص تقاسمتُ معهم تجربة في ورشة بمخيم أضف في لبنان منهم اللاجئون السوريون والفلسطينيون ومنهم مصريون وتونسيون مشاركون في ثورات الربيع العربي وبلدان أخرى، وقد جمعت قصصهم التي ألهمتني في مسرحية تحكي كيف انتصر الحب في حرب ديانات وسط فوضى خلاقة كشفت أنا ثوراتنا الشعبية تفتقد شيئا ما يجعلها تجهض. أحاول الحصول على تمويل حتى أجمع في هذا المشروع فنانين من تونس المغرب والجزائر”.

الفن مرحلة ما بعد النضج، إنه كيف يمكنك تقديم خدمة للبشرية بهذه المادة التي تمتلكها وهنا تسقط الأعمار

طريق الإبداع ليس معبدا وسهل المسلك. نتطرق مع مختار للحديث عن المصاعب التي واجهها في مساره الفني، ليقر بأنها كثيرة، ويقول “لا يمكنك أن تعيش في الجزائر فنانا حرا، بل لا يمكنك أن تعيش فنانا إلا إذا اعتمدت على عمل آخر تكسب منه مالا. هنا توجد عصابات تستولي على المال المخصص للفن فإما أن تكون جزءا من العصابة وإما أن تعيش التهميش، هنا لا توجد سوق للفن فالدخول للمسارح مجاني لكنها فارغة تقريبا. هنا لا يثور الفنان إلا لأغراض شخصية فما إن يتحصل على مبتغاه أغلق فاهه”.

ويضيف “حاولت منذ 2013 إنشاء مسرح خاص وهو حالة نادرة في الجزائر، حيث لا نملك إلا مسارح الدولة. لكنه مغلق اليوم، وهذا أولا لأننا لا نلقى الدعم، وثانيا لأننا نحارب من طرف مؤسسات الدولة بطرق مخجلة، وثالثا لأننا اكتفينا من التضحيات. مثلا تحصلت على منحة مسرح الحمراء بتونس وجمعية البديل لأشارك في عرض بفرنسا كان من الصعب جدا أن أحصل على تأشيرة ليس لأي سبب إلا لأن الفنان لا يكتفي بالغرض هنا”.

نسأل مختار هنا حول الحلول التي يقترحها للوضع المسرحي في الجزائر، فيجيب “نفس السؤال وجه إلي من طرف مستشار في الوزارة الحالية. أنا لا أملك حلولا لأن الوضع عفن أكثر مما تتصور، وإنما أقترح التوقف الكلي عن الممارسة الفنية والتركيز على إعادة هيكلة كل المؤسسات والقوانين وخاصة تغيير النظرة إلى الفن كمادة ثانوية في مجتمعنا”.

المسرح الجزائري كغيره من المسارح المغاربية لم يخرج من جبة بريشت، لكن مختار يرى أن هنالك بعض المبدعين المتمردين والحالمين وفي حالات شاذة قد قدموا عروضا مبهرة خارج جبة بريشت، هناك أيضا من هؤلاء المتمردين من صنع جبة جديدة له بالتجريب ونجح، ولكن سرعان ما تختفي هذه التجارب لأننا في مشكل أعمق. نحن لا نملك جمهورا هنا. فلطالما كان الجمهور هو مقياس نجاح العروض. نحن هنا لا نملك نقادا حقيقيين. قطيعة لا مثيل لها بين الأكاديميين والممارسين، فلسنا هنا سوى أناس محافظين على شيء اسمه الفن حتى لا ينقرض.

الفن هو العلاج

لا يكتفي حسين مختار بالعمل الإبداعي الخاص به، بل نراه يقوم بجولات تكوين هنا وهناك في الجزائر، نسأله ألا يشتت ذلك أعماله الفردية؟ ليجيبنا “بالعكس إنه يترك لي فرصة التنقل بين المؤطر والتلميذ أو المخرج والممثل وبهذا أستغل كل الوسائل كتلميذ مع مؤطرين أو مؤطر مع تلاميذ وهذا يسهل علي عملية التعامل مع أي فريق، ويمكنني من التواصل بسهولة كما أنه يغذيني فكلما شاركت أفكاري مع فنانين في جولات التكوين تطورت وأصبحت أكثر نضجا. التكوين غذاء أساسي لعملية الإبداع. كما أنني أفعل هذا بدافع التعلم ثم نقله للجزائر فالتكوين هنا لا يزال محصورا في تقسيم الخشبة والأبجديات الأخرى”.

وفي حديثنا عن التكوين المسرحي الأكاديمي في الجزائر، يلفت مختار إلى أنه لا يوجد في الجزائر سوى معهد وحيد في العاصمة، ولو جمعت طلبة كل التخصصات فإنك لن تحصل على مئة طالب. كما أن مستوى التكوين فيه متدن فلا ترى المتخرجين من المعهد سوى كإداريين. إلا من رحم ربك، من اجتهد اجتهادا فرديا.

 أما بالنسبة للتكوين الذي تقدمه المؤسسات الأخرى كمسارح الدولة فلا يعتبره سوى تبريرا لأموال منهوبة وكثيرا ما يكون إعانة من مدير مؤسسة لصديق يحتاج إلى المال، ويحدث هذا حتى في الإنتاجات.

نحن اليوم في ثورة ضد نظام بأكمله. نظام تعمد إهمال الفن والثقافة حتى يبقى الشعب جاهلا لحقوقه متعصبا

نتطرق للحديث عن مسرح الهواة وحظه في المشهد المسرحي الجزائري، فيقول مختار”ربما كان هذا قبل سنة 2009، يعني قبل أن تفتح الدولة مسرحا تابعا لها أو دار ثقافة في كل ولاية حتى تسيطر على الحركة المسرحية، باعتبارها فنا يقاوم ‘إجرامها‘ ويسلط عليه الضوء، وهكذا بدأ الهواة في البحث عن الممارسة المسرحية تحت ظل مؤسسات الدولية فأصبح الكل محترفا. تبقى بعض المجموعات أو الأفراد الذين يتشبثون بالفعل الحر للفن ويبقى الهواة درجة أقل مستوى من المحترفين. هنالك مشكلة هنا في معنى كلمة هاوِ”.

غالبا ما نسمع عن ظاهرة صراع الأجيال في مختلف أصناف الفعل الثقافي، حول هذه الظاهرة في المسرح وفي الساحة الثقافية ككل في الجزائر، يقول مختار “هناك صراع أجيال وهناك صراعات أخرى سطحية تؤثر سلبا على الفن ككل، إنها مثل الشرعية الثورية التي استعملت من طرف السياسيين للاستحواذ على الحكم”.

نسأل المسرحي عن علاقة الفنان بالسياسة، ليقول “طبعا فهو الخادم الوفي للسياسيين الذين هم أرباب المال أيضا، إنه يستعمل حتى في الحملات الانتخابية. عدى حالات شاذة”.

نختتم مع حديثنا مع حسين مختار حول مستقبل المسرح الجزائري، كما يراه، ليقول “هذا يتعلق بالنظام مباشرة. نحن اليوم في ثورة ضد نظام بأكمله. نظام تعمد إهمال الفن والثقافة حتى يبقى الشعب جاهلا لحقوقه متعصبا، إن مستقبل الفن متعلق بمستقبل البلد فإذا نجحت هذه الثورة في إرساء قيم الإنسانية لا أظن أن الفن سيكون مهملا، بل أرى أن الفن سيصبح ضرورة لمعالجة شعب يخرج من تجربة مليئة بالمآسي فمن الاستعمار إلى العشرية السوداء إلى زمن العصابة والرئيس المخلوع مؤخرا لما نعانيه الآن. لا أظن أن هنالك علاجا أنجح من الفن”.

14