حسين نصار الموسوعي الذي صفع كل من يعبد التراث ولا يؤمن بـ"تفكير التاريخ"

السبت 2017/12/16
ثورات الماضي حين يفككها الحكماء بالتحليل والتشاؤم

يُعدُّ الأكاديمي حسين نصّار مِن أهمِّ سَدنة التراث العربي بلا أدنى مبالغة؛ فالرجل أفنى عمره الذي انتهى عند الـ92 عامًا في خدمة اللغة العربية وحفظ التراث من الضياع بتحقيقه وتمييزه، والبحث عن نفائسه في بطون الكتب والمخطوطات.

وساهم عبر ما أنتجه للمكتبة العربية من كتابات رصينة في الأدب والثقافة العربية بصفة عاما وأيضًا في ما حقّقه من مخطوطات في سدّ ثغرات كبيرة في تراثنا العربي، في كافة فروعه بما في ذلك الموسيقى.

ولد نصّار في حارة بيهج بالمنطقة الشعبية بمدينة أسيوط في أكتوبر من العام 1915، في أسرة متوِّسطة الحال تحترف أعمال التجارة. كان الابن الوحيد لأبويه ومن ثمّ آثره أبوه بالاهتمام والعناية فدفعه إلى التعليم على غير نهج أقرانه من العائلة، وحفَّزه على الاستمرار في الدراسة.

ومع افتقار البيئة التي انتمى إليها لمحفزات التكوين الفكري ففي البيت لا يوجد كتاب غير القرآن الكريم، والمدينة لم تكن تعرف المسرح مطلقًا، فقد قضى العشرين عامًا الأولى من حياته لم يعرف المسرح حتى عندما أُتاحت له الدراسة الانتقال إلى القاهرة حَالت ظروفه المادية مِن الذهاب إلى عروض المسرح، وهو ما جعله يتأجّل إلى مرحلة لاحقة بعد تخرُّجه وعمله في الإذاعة، فلم يكن أمامه إلّا القراءة والاطلاع.

مع السادات وكامب ديفيد

الجوُّ العام للتكوين الفكري الذي عاصره نصار في كلية الآداب عندما التحق بها، ساهم إلى حدٍّ بعيد في التشكيل الفكري له. ففي كلية الآداب كان على موعد مع كوكبة من جيل العمالقة يتقدمهم طه حسين وأحمد أمين وإبراهيم مصطفى وشوقي ضيف وفؤاد حسنين ومحمود الخضيري ومراد كامل وعبدالوهاب عزام وعلى عبدالواحد وافي ومحمد كامل حسين وأمين الخولي. وقد تأثر تأثرًا كليًّا بأستاذه أمين الخولي خاصة الجوّ الحواري الذي كان يتميّز به في المحاضرات، وإثارة الطلاب بالسؤال والجواب.

وكذلك بأستاذه السقا الذي درس علي يديه في الماجستير والدكتوراه. أما أمين الخولي فيرد الجميل له بكتاب عنه في ما بعد بعنوان “أمين الخولي” يصفه هكذا “كان حرَّ الفكر، منطلق التعبير، فأولع بالتجديد، فمارسه في كل ميدان عمل، حتى صار هو والتجديد صنوين لا يفترقان، وكان مرًّا قاسي المرارة مع خصومه، عذبًا حلو العذوبة مع أصدقائه ومريديه”.

التحق نصار بالعمل في الإذاعة المصرية، فبدأت تجربة ثرية أخرى تتشكل في حياته، حيث عمل مع جيل من المخضرمين يضمُّ على الرّاعي وأنور المشري وصفيّة المهندس وتماضر توفيق وعواطف البدري.

اختار أن يتناول موضوعاِ لافتاً للدكتوراه “التشاؤم في الأدب العربي”. لكن مع الأسف لم يَرُقْ هذا الموضوع لأساتذته، فوقع الاختيار على موضوع “المعجم العربي”، وكان موضوع الدكتوراه ثاني المواقف التي جاءت مصادفة ودون ترتيب في حياته. إلا أنه أنجزه وكان رائدًا في مجاله، فلم يسبقه أحد في هذا الموضوع.

علاقة نصّار بالتشاؤم لم تنتهِ عند رفض موضوع الدكتوراه، فبعد فترة قام مع فريق من تلاميذه بتحقيق ديوان أشهر المتشائمين ابن الرومي في ستة مجلدات، وأيضًا قام بترجمة كتاب روفون غست “ابن الرومي، حياته وشعره” وهو ما يعني تأثره بابن الرومي.

ولعُ نصّار بالتراث لم يبدأ بعد تخرجه، بل قام أثناء دراسته في الجامعة بتحقيق “ديوان سارقة البارقي” وهو شاعر من العصر الأموي. ثم تأتي المصادفة الثالثة في أن تختاره قرينة الرئيس السادات السيدة جيهان ليكون أستاذًا لها يُدرِّس لها ويقوِّى لغتها.

وعلى الرغم من تحفظ نصّار في السياسة إلا أن أجواء اتفاقية كامب ديفيد كانت هي المهيمنة في تلك الفترة، وخاصة موقف أساتذة قسم اللغة العربية بكلية الآداب، الرافض لهذه الاتفاقية، وتصادف أن كان السادات قد أعدّ حفلَ شاي للمثقفين وأساتذة الجامعة، وكان نصار موجودًا ضمن أساتذة قسم اللغة العربية بحكم تدريسه لجيهان.

نصار يرى أن "التراث معطل للمعطلين والمكبلين فقط، لأن هذا التراث لم يمنع أحدا من أن يفكر ويعمل عقله، إذن التراث لا يمنع إلا الضعفاء". وهو يقول "المهم أن يكون الإنسان والمجتمع ابن يومه، وليس ابن الأمس عند التعامل مع التراث"

وكانت ثمة مناقشات حول الاتفافيّة وكانت الأجواء مكهربة، فلم يتحدث لكن لم يطل صمته، فعندما طولب بإظهار موقفه تجلت حكمته وبصيرته فلم يوافق ولم يعترض إلا أنه تساءل وقتها “يا تُرى هل السادات حسب الأمر حسابا كاملا وإلى ماذا يصل وماذا نستفيد؟ هل حسب كل هذا؟”. الغريب بعد مرور الأعوام على هذه الاتفاقيّة أنه يرى كما قال في أحد اللقاءات التلفزيونية إن السادات أصاب في الاتفاقية، مدللا على أن سيناء رجعت بالكامل، في حين ما زال الوضع مُعقَّدًا بالنسبة لفلسطين وبعض الأراضي العربيّة.

تنوّعت أعمال نصّار ما بين التأليف في علوم القرآن والأدب واللغة والتاريخ والتراجم والتحقيق وأيضًا الترجمة، وقد زادت عن اثنين وسبعين كتابًا، علاوة على العديد من المقالات في الدوريات المختلفة.

وفي جميع تلك الأعمال لم يقف عند حدود التخصص، بل كانت تميل في معظمها إلى الثقافة بمعناها الواسع فمن هذه الأعمال دراسته في الدكتوراه عن “المعجم العربي: نشأته وتطوره” وقد صدرت في جزأين، والكتاب حسب تقديم أستاذه السقا يعدُّ “أوّل بحث من نوعه في اللغة العربية، يتصدى لتأريخ المعجم العربي في نشأته وتطوره، منذ أن بدأ المسلمون يضعون الخطوط الأولى لتأليفهم في متن اللغة العربية حتى يومنا هذا، فالعمل يقوم بوصف المناهج العامة للمعاجم، وتحليل مواد جزئية من كل معجم وإحصاء النتائج، من خصائص ومآخذ، ثم المضاهاة بينها وبين نظرائها في معجم آخر وتنسيق الوحدات التي تلتزم نظامًا معيّنًا مشتركًا للمدارس اللغوية ثم استخلاص الخصائص العامة لكل مدرسة للدلالة على مراحل التطور فيها.

ثورات القبط والمسلمين

من دراساته المتخصصة في الإعجاز كتابه “لفواصل” الذي نشر عام 1999، ويعلن فيه أنه ليس من علماء الدين أو التاريخ، لكنه يحاول أن يؤرخ للتاريخ الفكري الذي دار حول قضية إعجاز القرآن، من خلال المنهج الذي يسميه “تفكير التاريخ” أي ما أنتج باللغة العربية حول هذه القضية، ولو كان من أنتجوه يرجعون إلى أصول غير عربية، مثل علماء الكلام والتفسير. ومن كتب التأليف “الثورات الشعبية في مصر” وفيه ينتقد نصّار كتب التاريخ العامة ويراها “شوهت تاريخ مصر ‘كل التشويه’، إذ اهتم المؤرخون بتسجيل تاريخ العراق حاضرة الخلافة والأحداث التي هزتها ‘هزًا عنيفًا’ وتجاهلوا تاريخ مصر بدليل إهمال أخبار الدولتين الطولونية والإخشيدية”.

يشيد نصّار ببراعة المصريين في استخدام “المقاومة القولية”، وإن كان المؤرخون قد أهملوا هذا الجانب أيضا، كما يذكر العديد من الثورات التي قام بها المصريون مثل الثورات الحمراء وكانت نتيجة العامل الاقتصادي، حيث رفض المصريون أن يُولِّي عليهم مروان بن محمد وهو آخر الخلفاء الأمويين بديلاً عن حفص بن الوليد عام 745 ميلادي فطالبوا بخلعه.

ويذكر في كتابه أيضًا الثورات الاقتصادية وهي كانت سمة في عهد العباسيين، ويلفت الانتباه إلى الثورات القبطية ويقول إن عام 107 للهجرة شهد أوّل ثورة قبطية بسبب زيادة الضرائب، وقد شارك في بعضها المسلمون. كذلك الثورة الكبرى عام 216 للهجرة، وقام بها المسلمون والأقباط وأعلنوا العصيان على الأمير، بل وخرجوا لقتاله. أما آخر كتبه فهو “معجم آيات القرآن” وقد تجلّى فيه فكر مدرسة الأمناء التي أسّسها الخولي وكانت قائمة على أسس التفكير العقلي.

كتاب نصار "الثورات الشعبية في مصر" ينتقد فيه كتب التاريخ العامة ويراها "شوهت تاريخ مصر (كل التشويه) إذ اهتم المؤرخون بتسجيل تاريخ العراق حاضرة الخلافة والأحداث التي هزتها (هزًا عنيفًا) وتجاهلوا تاريخ مصر"

الخلافة المصرية

لكن أهم ما أثاره نصّار في مقالة نشرها في مجلة “المجلة” عدد: 6 يونيو 1957، بعنوان “الخلافة المصرية الأولى” قال فيها إن مصر شهدت خلافة غير تلك التي ذكرها المؤرخون من خلافة العباسيين أو الفاطميين وإنما هي خلافة الأمويين، أو خلافة مروانية قام بها مصري خالص وهو يقصد عبدالعزيز بن مروان، وقد مكث فيها شبه مَلك مستقل حوالي 21 عامًا وعاشوا أبناء عبدالعزيز في مصر بعد موت أبيهم وصاروا يعرفون بأشراف بني أمية.

ولما آل الحكم للعباسيين قُتلوا جميعًا، إلا أن جماعة منهم اختفوا بالصعيد وأفريقية، ثم رجع كثير منهم بعد أن كفّ العباسيون عن طلبهم وملاحقتهم وفي ولاية إبراهيم بن صالح العباسي على مصر. فخرج دِحْسيّة بن المُعْصّب بن أبي الأصبع بن عبدالعزيز بن مروان على العباسيين وامتنع عن دفع الجزية والخراج إلى الوالي. ثم أقام خلافة مروانية بالصعيد ونصّب نفسه خليفة.

وقد شغل إبراهيم بن صالح عنه، فاستفحل خطره وقوت شوكته بالصعيد فاستولى على عامة الصعيد. ومهما يكن إلا أنه أسس لخلافة مغايرة في قلب الخلافة العباسية. ما يمكّن من دراسة الظاهرة التي انعكست على إعلان داعش وخلافة داعش وسط ما سمي بالدولة العربية الحديثة هذه الأيام.

ومن الترجمات التي قدمها للمكتبة العربية كتاب “المغازي الأولى” للمستشرق يوسف هورفتس عام 1949، و“دراسات عن المؤرخين العرب” للمستشرق مرغليوث ومقدمة المستشرق تشارلز ليال التي قدم تحقيقه لـ“ديوان عبيد بن الأبرص” و”أرض السحرة” لبرنارد لويس.

عالم الموسيقى

لم تقتصر ترجمات نصار على الكتب الأدبية، بل ترجم بعض الكتب التي أولت الموسيقى العربية عناية فائقة على نحو كتب الأيرلندي هنري جورج فارمر وهو مستشرق وجَّه جهده كله لدراسة الموسيقى الشرقية. كما تتبع تطور الموسيقى العربية ووصف الآلات الموسيقية ومتى استعملها العرب، وأيضًا تأثير الموسيقى العربية في موسيقى الغرب. ومن هذه الكتب “تاريخ الموسيقى العربية حتى القرن الثالث عشر” و”الموسيقى والغناء في ألف ليلة وليلة” و”مصادر الموسيقى العربية”.

نصار الذي هو أوّل مَن درس المعجم دراسة علمية رصينة لم يكن عضوًا في مجمع اللغة العربية، وهو ما كان سببًا في حزنه المؤسف، فهو يقول إن الشللية هي التي أبعدته عن عضوية المجمع

علاقته بالتراث لم تكن حبيسة تحقيق روائعه أو حتى الترجمة كما في ترجمته لـ”ديوان القبائل” لغولد تسيهر، أو ترجمة أعلامه كما فعل في ترجمته لمقالتي سير تشارلس ليال في مجلة “الثقافة”، عن الشاعرين عبيد بن الأبرص، وعامر بن طفيل. بل إنه كتب وثيقة حول التراث العربي يناقش فيها مفهوم التراث، وأسباب الاعتناء به؛ ومظاهر الاعتناء به التي تمثلت في تعريب المصطلحات والتوسع في إنشاء الكليات والمجامع اللغوية وأيضًا العلمية ومجمع المخطوطات العربية.

وذلك لأن التراث “أهم عامل لبقائنا وعدم ضياعنا” كما يذهب، ويضرب المثال بأن المستعمرين للبلاد العربية بذلوا الجهد للتغلب على عروبتنا وما اتصل بها في كل قطر استعمروه، والسبب الذي أبطل أهدافهم يرجع لما يضمه التراث العربي من عوامل البقاء، كما يدعو هذا التراث إلى وحدتنا؛ فاللغة العربية تجمع بين أقطار العروبة في آسيا وأفريقيا. ومن ثم انتهى إلى التخطيط لجمع التراث، وشرح الطرائق التي يجب على المحقِّق أنْ يتبعها أثناء إجراءات التحقيق. والتي يحصرها في “الحصر والتصوير والجمع والاستقصاء ثم فهرسة المخطوطات”.

نصار الذي هو أوّل مَن درس المعجم دراسة علمية رصينة لم يكن عضوًا في مجمع اللغة العربية، وهو ما كان سببًا في حزنه المؤسف، فهو يقول إن الشللية أبعدته عن عضوية المجمع. ترك نصار الشلل وسافر للعمل في جامعات السعودية والعراق والسودان. ومع هذه الرحلة الطويلة إلا أنه يُدين بالفضل إلى “الكتاب” الذي غيّر مجرى حياته. فهو الذي يقول “علَّمَني الكتاب كثيرًا، ومن أهمّ ما وهبني القدرة على الانسحاب من الحياة الصاخبة، فجعلني أقدر على أن أفقد الشعور بما يدور حولي من صخب”.

يقول نصار إن “التراث معطل للمعطلين والمكبلين فقط، لأن هذا التراث لم يمنع سعد زغلول بأن يطالب بالاستقلال، أو أن يمنع عرابي من المطالبة بحقوق المصريين، ولم يمنع التراث أحدًا من أن يفكر ويعمل عقله إذن التراث لا يمنع إلا الضعفاء”. ويضيف “المهم أن يكون الإنسان والمجتمع ابن يومه، وليس ابن الأمس عند التعامل مع التراث، أي يتجه الفكر كله إلى اليوم الذي يعيشه المجتمع، وماذا تريد أن نكون غدًا، وماذا يعطل الغد ونبتعد عنه وماذا ينطلق بنا إلى الغد ونتجه إليه”.

أما النهضة فيفسر نصار عدم تحققها في العالم العربي بالقول “إننا نعيش ونعمل في دوائر وليس في خط مستقيم حكومات وشعبًا، ولهذا لم تنطلق (النهضة)، وظللنا محلك سر”.

12