حسّن نوعية كوابيسك

السوق، وليس المنتوج أو المادة الخام، هي ما يتحكم بالسعر. والسوق محكومة بعوامل متعددة، بعضها نفسي وسياسي، وجزء منها بقضايا غير مرئية، أو تبدو بعيدة عن الربط المباشر المفهوم.
الأربعاء 2020/04/22
سعر النفط "عندنا وليس عندكم"

لا أذكر إن كنت كتبت عن هذا المثال في مرة سابقة أم تحدثت عنه مع أصدقاء. لكن طالما أننا نعيد ونسترجع كل شيء هذه الأيام بسبب الحجر، فلا ضير من العودة إليه.

في التسعينات قررت بلغاريا دخول السوق البريطانية (وربما الأوروبية) لتبيع الخمر. الطقس معتدل نسبيا في المنطقة المحاذية للبحر الأسود وحوض الدانوب وخصوصا فترة الخريف الطويل مما يعطي فرصة للأعناب البيضاء والحمراء أن تراكم كمية معقولة من السكر. هذا ينعكس على نوعية الخمور المختلفة مما يعطيها نكهة متميزة.

صار البلغار يعبّئون خمورهم بزجاجات جذابة وصناديق خشبية وقش. افتتحوا منافذ للبيع والتوزيع في بريطانيا، ووضعوا أسعارا تتناسب مع النوعية الجيدة لخمورهم. كانت أعينهم على الخمور القادمة من إيطاليا وفرنسا، فوضعوا أسعارا مقاربة. ظلت قناني الخمر على أرفف المحلات دون أن تمتد لها الأيدي. كان الأمر صدمة للبلغار. كل شيء صحيح، فلماذا لا أحد يقبل على خمورنا؟

فتحوا خطوطا للحوار مع المحلات الكبرى. كان الرد صادما: عليكم أن تبيعوا هذه الخمور بعشرين في المئة فقط من سعرها الحالي. كيف؟ إنها تكلفنا الكثير وهي راقية ونوعية متميزة. الرد كان حاسما: هذا الأمر نحن من نحدده. نحن من نقرر ثمن القنينة ونحن من نقرر أين نضعها بين أرفف قناني الخمر وكيف نصنفها. شيء محبط للبلغار، لكنهم استجابوا. ما هي خياراتهم والحال هكذا؟ بعد فترة قصيرة ظهرت منطقة بين أرفف القناني تقول “خمر من أوروبا الشرقية”. اصطفت القناني هناك بأسعار رخيصة بالفعل وبدأ الناس يشترونها. بعد فترة ارتفع سعر القنينة من جنيهين إسترلينيين، إلى ثلاثة، ثم أربعة، ثم صار السعر يقترب من بقية الخمور الأوروبية. صمد الواين البلغاري أيضا في امتحان دخول الخمر الأميركي وذاك القادم من أميركا اللاتينية ومن أستراليا ونيوزيلندا.

السوق، وليس المنتوج أو المادة الخام، هي ما يتحكم بالسعر. والسوق محكومة بعوامل متعددة، بعضها نفسي وسياسي، وجزء منها بقضايا غير مرئية، أو تبدو بعيدة عن الربط المباشر المفهوم. لا أشك أن الخامات الأساسية ستبقى بقيمة عالية، لكنها بدخول عوامل العرض والطلب والسياسة على الخط قد تتذبذب. ولعل هذا هو المشهد الذي نراه اليوم مع النفط.

لو أن أحدا قال إنه حلم بكابوس عن منتجين للنفط يدفعون 37 دولارا لكي يقبل المشتري أن يأخذ نفوطهم، لكان الرد من الجميع أن عليك أن تحسّن من نوعية كوابيسك لكي تكون أكثر واقعية. عامل العرض والطلب بسبب كورونا لا شك مهم، وعوامل التخزين أيضا، لكن رسائل السياسة بأن سعر النفط “عندنا وليس عندكم” واضحة وجلية. الرسالة وصلت.

24