حشد كبير من النجوم في افتتاح مهرجان لندن السينمائي

وسط حشد كبير من نجوم السينما افتتحت مساء الأربعاء الدورة الحادية والستون من مهرجان لندن السينمائي الذي سيعرض خلال 12 يوما، 242 فيلما طويلا من بينها 38 فيلما من بريطانيا و28 فيلما تعرض للمرة الأولى عروضا عالمية، وأكثر من 160 فيلما قصيرا.
الجمعة 2017/10/06
"تنفس" فيلم سيرة شخصية

يعدّ مهرجان لندن السينمائي، الحدث السينمائي الأكبر الذي تنتظره العاصمة البريطانية سنويا ويجذب عادة أعدادا كبيرة من عشاق السينما، وتتوزع عروضه على أحياء مدينة لندن.

وانطلقت مساء الأربعاء فعاليات الدورة الـ61 للمهرجان وسط حضور غفير لنجوم السينما العالمية، ومن النجوم الذين يحضرون عروض أفلامهم: مات ديمون ونيكول كيدمان وإيما ستون وكاري موليغان وجايمي بيل وسالي هوكنز وأنيت بيننغ ومايكل شانون.

ويعرض المهرجان عددا كبيرا من أهم ما عرض في مهرجانات العالم الكبرى، منها مختارات مميزة من أفلام مهرجان تورنتو السينمائي الذي يستقطب الكثير من أفلام هوليوود.

قصة كفاح إنساني

اختارت الأسترالية كلير ستيورات مديرة المهرجان أن يكون فيلم الافتتاح هذا العام من الدولة المضيفة بريطانيا، وهو العرف الذي استقر منذ سنوات، على أن يكون فيلم الختام فيلما أميركيا، أي أن يكون الافتتاح والختام بأفلام ناطقة مباشرة باللغة الإنكليزية، وقد افتتح المهرجان هذا العام بفيلم “تنفس″ Breathe أول الأفلام التي يخرجها الممثل البريطاني أندي سركيس الذي عرف بأدواره في سلاسل الأفلام الخيالية مثل “سيد الخواتم” و”كوكب القرود”.

وينتمي فيلم “تنفس” (بصيغة الفعل) إلى نوع من الأفلام أصبح طاغيا إلى حد ما، خلال السنوات الأخيرة في السينما البريطانية، أي تلك الأفلام المستمدة من قصص حقيقية التي تدور عادة حول شخصيات عاشت حياة شاقة أو مرّت بتجارب صعبة، صنعت منها شخصيات مرموقة في أنظار الرأي العام.

وربما يذكّرنا الفيلم بفيلم آخر بريطاني بديع هو “نظرية كل شيء”، فالقاسم المشترك بينهما هو إصابة الشخصية الرئيسية بمرض عضال ونضالها من أجل التغلّب على الحالة المرضية، وهذا النوع من الأفلام يعرف بأفلام “السيرة الشخصية” (من الخطأ القول السيرة الذاتية طالما أنه لا يعتمد على مذكرات صاحب القصة).

ويدور فيلم “تنفس” حول شخصية روبين كافندش الذي أصيب، وهو بعد لم يتجاوز الثامنة والعشرين من عمره، بمرض شلل الأطفال عام 1958، مما أدى إلى إصابته بالشلل التام والعجز عن التنفس وكان وقتها يعمل في تجارة الشاي في كينيا ضمن المستعمرين البريطانيين.

المهرجان يعرض 242 فيلما طويلا من بينها 38 فيلما من بريطانيا و28 فيلما تعرض للمرة الأولى عروضا عالمية

وكافندش في الأصل ضابط في الجيش البريطاني ينتمي إلى الشريحة العليا في المجتمع، وقد أصيب بالمرض- كما نرى- بعد عام واحد من زواجه بحبيبته ديانا التي التقاها في كينيا، والتي ستقف بجواره خلال مرضه لتصبح الشخصية الموازية له في الفيلم.. فكما أن “تنفس” فيلم عن صمود روبين كافندش، فهو أيضا عن كفاح زوجته ديانا بنفس الدرجة.

وتدور أحداث الفيلم عبر أكثر من 35 عاما، ويستخدم المخرج طريقة كتابة التواريخ على الشاشة ليبين تعاقب الزمن ولو بالقفز من فوقها أحيانا- وأحيانا أخرى لا يبدو الزمن محددا، لكننا نبقى دائما على أي حال- أمام كفاح روبين من أجل التغلب على المرض ومواصلة الحياة، بل والقدرة على الاستمتاع بها أيضا صحبة زوجته وعدد من الأصدقاء المخلصين الذين يبقون إلى جانبه في كل الأزمنة وحتى النهاية.

في البداية يقول الأطباء لديانا إن روبين لن يتمكّن من العيش أكثر من بضعة أشهر، وقد أصبح بعد نقله إلى المستشفى في نيروبي، مرتبطا بجهاز للتنفس الصناعي لم يعد بوسعه الاستغناء عنه وهو جهاز يعمل بالكهرباء، لكن ديانا لا ترى أن بقاء زوجها في المستشفى بعد مرور عام من إصابته بالمرض فكرة جيدة، وتسعى بشتى الطرق لإخراجه ثم نقله إلى الوطن، ويتحمس هو للفكرة، وهو ما يقتضي الكفاح ضد البيروقراطية الإدارية في المستشفى وتحمّل مسؤولية هذا القرار الذي يعني كما يقول لهما الطبيب المشرف على العلاج وفاته خلال أسبوعين.

ولأن ديانا مثل روبين، تنتمي إلى الأرستقراطية الإنكليزية، فهي تقوم أولا بزيارة الوطن وشراء منزل كبير في الريف تعدّه خصيصا لاستقبال زوجها الذي تستأجر له بعد ذلك طائرة خاصة مجهزة لنقله.

فكرة الفيلم الأساسية تتركّز حول إبراز قدرة الإنسان على المقاومة، وإعلاء لإرادة الحياة على المرض والموت، وكيف تتغلب الرغبة في الاستمتاع بالحياة على فكرة الاستسلام البطيء للموت.

وينجح روبين بمساعدة ديانا التي تعمل كممرضة له في المنزل، كما ترعى ابنهما جوناثان الصغير، في البقاء على قيد الحياة لأكثر من 35 عاما ليصبح أول من يحقق هذا الرقم القياسي في العيش من بين المصابين بهذا المرض. لكن الفيلم أيضا يصوّر كيف يتحوّل روبين إلى ناشط يسعى من أجل التوصل إلى حلول عملية جديدة تساعد المرضى على العيش خارج جدران المستشفيات والاستمتاع بالحياة، فيبدأ حملة لجمع المال من أثرياء الأرستقراطية البريطانية، ثم يقوم بالتعاون مع طبيب متخصص في تطوير الأجهزة الطبية، بتصنيع مقاعد شبيهة بالمقعد أو السرير الخاص الذي أمكنه الحصول عليه، والذي يرتبط بجهاز تنفس صناعي نقّال، لكي يقدمه إلى زملائه المرضى الذين كانوا يرقدون معه في المستشفى.

مشاهد بهيجة

في الفيلم الكثير من المشاهد البهيجة التي تعكس مقاومة الاستسلام للمرض، فروبين، رغم اضطراره للبقاء طيلة الوقت قعيدا في فراشه المتحرك، يتصل من خلال فتحة صغيرة في حلقه بأنبوب جهاز التنفس الصناعي، يركب السيارة والطائرة ويسافر في رحلات عديدة إلى إسبانيا وغيرها من المدن الأوروبية صحبة زوجته ديانا ومجموعة من أصدقائه المخلصين.

وعلى الرغم من الأداء الجيّد للممثل أندرو غارفيلد في دور روبين، إلاّ أن الفيلم يعاني بشكل عام من ثقل البناء وتقليديته مما يجعله منحصرا في إطار الميلودراما مع الكثير من لحظات المرح والضحك التي يقصد من خلالها التعبير عن تمتع روبين بمعنويات مرتفعة كفلت له البقاء على قيد الحياة طويلا، قبل أن تتدهور صحته بفعل تدهور الحالة الداخلية لجهازه التنفسي، فيصبح أولا عرضة للنزيف بين حين وآخر ثم يتوفى في التسعينات من القرن الماضي.

فيلم ليس في مستوى التطلعات

صحيح أن الفيلم يمرّ عبر حقب زمنية مختلفة، تتغيّر فيها الأزياء وتتطور التكنولوجيا وصناعة الأجهزة الطبية بشكل كبير، لكن النغمات اللونية المرحة المصقولة والإضاءة الناعمة السائدة في الفيلم تظل كما هي، كما يظل كل من روبين وديانا يتمتعان بالشباب الدائم، وكذلك أصدقائهما، ويشعرنا بناء الفيلم بنسق سرده التقليدي بأننا إزاء عمل ينتمي إلى الماضي من ميلودرامات الخمسينات من القرن الماضي، وأنه صنع خصيصا كنوع من الاحتفاء ببطله، خاصة وأنه مكتوب أساسا من وجهة نظر تروي القصة من الخارج ومن خلال نظرة “موضوعية”، وليس من خلال ذكريات ديانا مثلا.

ورغم وجود بعض لحظات الإثارة والقلق في الفيلم كما يحدث عندما يتعطل جهاز التنفس، تارة بسبب عبث الابن جوناثان بالوصلة الكهربائية، وتارة أخرى بسبب انفجار البطارية التي يعمل بها الجهاز أثناء رحلة في جبال إسبانيا، إلاّ أن الطابع المرح المليء بالسعادة هو الذي يطغى على الفيلم، مع بعض المواقف والقفشات الكوميدية التي تتناقض مع موضوع الفيلم وطابعه العام.

ودون أن نعرف في أي لحظة، كيف يفكر روبين في حالته، وكيف يرى الدنيا والعالم وكيف يسترجع شريط حياته، فهناك غياب تام لتلك اللحظات الوجودية التي تبرز جمال الروح الإنسانية في هذا النوع من الأفلام، بل هناك دائما ميل لدى روبين للمعابثة والسخرية والتعليقات التهكمية مع تغيّر نغمة خروج صوته من الحنجرة، وهناك الكثير من الحفلات التي يرقص خلالها الأصدقاء ويتناوبون الأنخاب.

هنا يتوقف الفيلم عن أن يكون مثيرا للاهتمام، ويظل يدور حول الفكرة البسيطة التي بدأ بها والتي يمكن أن يتوقع المشاهد كيف ستسير وإلى أين ستنتهي.

أمامنا أيام حافلة لمشاهدة الكثير من الأفلام الروائية والتسجيلية في عروض لا تتوقف، مع أحداث وفعاليات أخرى كثيرة، ولقاءات مع مخرجي الأفلام، ودروس للسينما، وموائد مستديرة لمناقشة قضايا السينما والتكنولوجيا والعالم، مع نظرة خاصة إلى صناعة السينما البريطانية وكيف تتأثر بهذه المتغيّرات والمعطيات الجديدة في العالم، وهذه هي فائدة المهرجانات السينمائية التي تعرف كيف تخدم المحيط الذي تقام فيه.

ناقد سينمائي مصري

16