حشد لمساواة ميراث المرأة التونسية بالرجل وحشد مقابل لإسكاتها

الثلاثاء 2016/02/16
المرأة التونسية انتزعت حقوقها بفضل مجلة الاحوال الشخصية

تونس- عادت النقاشات التي تدور حول حق المرأة التونسية في التساوي التام بينها وبين الرجل في الميراث إلى واجهة الجدل العام مؤخرا بعد أن تم انتخاب رئيسة جديدة للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات بداية العام الجاري عبر وسائل الإعلام. وبهذه العودة، انقسمت النخب التونسية إلى قسمين متباينين في الرأي حول قضية المساواة في الميراث، فهناك الداعم لهذه الرؤية وهناك الرافض.

إذ تقول الباحثة والإعلامية سلوى الشرفي والتي تعد من الوجوه البارزة المدافعة عن إصلاحات جذرية في قانون الأحوال الشخصية لصالح المرأة، إن النصوص الدينية التي تطبع في أغلبها الأحكام القانونية الخاصة بالميراث الآن كانت وليدة سياق تاريخي بعينه، “فالإسلام حرر المرأة من الجاهلية وهذا حقيقي، إلا أن العالم تغير الآن، وتحدي الإنسانية اليوم لم يعد مع الجاهلية، بل مع المستقبل”. وبذلك فهي وغيرها من الباحثات والحقوقيات يبحثن عن إعادة صياغة للقوانين وفق الدور الاجتماعي الذي تقوم به المرأة في المجتمع اليوم.

وفي المقابل، لا تزال آراء بعض الأكاديميين والباحثين تؤكد أن مجلة الأحوال الشخصية في صيغتها الحالية تعد مكسبا للمرأة التونسية مقارنة بواقع المرأة في أماكن أخرى من العالم، ولذلك “فإنه من الضروري الوقوف عند هذه المكاسب لأنها راوحت بين التطور والحداثة من جهة والنصوص الدينية الإسلامية من جهة أخرى”، وذلك وفق رأي الباحثة في علوم القرآن والتفسير بجامعة الزيتونة بتونس.

ويؤكد عدد من النشطاء التونسيين في مجال الحقوق النسوية أن جهودهم في الوصول إلى مرتبة المساواة التامة بين الرجل والمرأة في تونس كانت قد بدأت في مرحلة ما قبل الاستقلال. ويستشهد هؤلاء بأن ظهور الفكر التنويري للمناضل الطاهر الحداد في بداية ثلاثينات القرن الماضي ضمن مناضلي الحزب الدستوري التونسي القديم الذي أسسه عبدالعزيز الثعالبي يعد اللبنة الأولى للتيار التقدمي النسوي في تونس. فالكل في هذا السياق يؤكد على أصالة فكرة المساواة بين الجنسين في المدونة السياسية والفكرية التونسية منذ تأسيس الحركة الوطنية التحررية بداية القرن العشرين، للتخلص من الاستعمار الفرنسي وبناء الدولة الحديثة التونسية.

ولكن يقول عدد من المؤرخين والباحثين في التاريخ السياسي التونسي، إن ظهور حركة الاتجاه الإسلامي في ستينات وسبعينات القرن الماضي متأثرة بالمد الإسلامي القادم من مصر والذي أخذ على عاتقه مواجهة اليسار دون مقارعة السلطة في أحيان كثيرة، قد أربك مسار تطور مساعي الحقوقيين نحو تغييرات في مواد قانون الأحوال الشخصية التي اعتبرتها مدارس غربية عديدة في القانون بمثابة ثورة لصالح المرأة في الوطن العربي وحتى بعض الدول الأوروبية التي سبقتها تونس في إقرار حق المرأة في ممارسة العمل السياسي منذ دستور 1959 الذي أسس لفترة حكم الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.

المرأة تتمتع بكل حقوقها التي يجب أن تتمتع بها في ظل القوانين الحالية وقانون الأحوال الشخصية تقوم بإحداث توازن اجتماعي

بقاء الإسلاميين خارج دوائر التشريع والسلطة لعقود عديدة حافظ على الهوية الحداثية للقوانين والمؤسسات التي حكمت تونس منذ الخمسينات، مما خلق مجالا لظهور الأفكار التحديثية بشكل أكثر كثافة وإصرارا على الدفع بحقوق المرأة نحو التحسن.

لكن طبيعة السلطة التي لم تكن تؤمن بالتحديث بقدر ما كانت تقوم بالدعاية لنفسها (خاصة مع زين العابدين بن علي)، حاصرت الحركة النسوية التونسية ولم تترك لها مجالات للتحرك والنضال.

ففي أواخر الثمانينات من القرن الماضي، أصبحت القوة الإسلامية هي المعبر عن القوة الرافضة للمزيد من الإصلاحات في مجال الحقوق والحريات، مستغلة الطبيعة المحافظة نوعا ما للشعب التونسي وبعض نخبه، لتنزل بثقلها الخطابي في الانتخابات وتنافس زين العابدين بن علي الرئيس الجديد، ولكنها سرعان ما عادت إلى أطرها الأولى التي نشطت فيها وأهمها السجون لسلوكهم المنطبع بالعنف ورفض الدولة ومؤسساتها، الأمر الذي فتح مجالا سريعا بدوره أمام الحركة الحقوقية بشكل عام وخاصة النسوية للقيام بتحركات مكثفة في مجال حقوق المرأة.

بعد أحداث 14 يناير 2011، وخروج بن علي من السلطة، انفجرت الساحة السياسية التونسية بعدد كثيف من الأحزاب والتيارات والشخصيات التي كانت تنشط في السرية، ومن بين هذه القوى العائدة نجد الإسلاميين ممثلين في حركة النهضة الإسلامية، أي الحركة التي كانت ـ ولا تزال ـ ترفض التعديلات التي يطرحها النسويون والليبراليون واليساريون في الحقوق والحريات العامة والفردية، في مقابل الحركات السياسية والمدنية التي تدعم تغييرات عميقة في قانون الأحوال الشخصية.

المحافظون على القوانين الحالية

مجموعة من الأساتذة الجامعيين والشيوخ الدينيين والأئمة والأحزاب السياسية الذين يرفضون الدعوات للمزيد من تمكين المرأة من حقوق أخرى لأنها تخالف النصوص الدينية

المساواة في الميراث حق للمرأة والقوانين الحالية منقوصة

تطور الخطاب الحقوقي لدى فئة واسعة من الأكاديميين التونسيين في السنوات الأخيرة خاصة بعد سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي، ليشمل العديد من القضايا الأساسية التي يطرحها الواقع التونسي، من ذلك قضية المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة.

فقد أعاد أكاديميون وباحثون هذه المسألة إلى الواجهة بعد أن رفع الحظر على العديد من الجمعيات والمنتديات والأحزاب التي تدافع عن هذه القضية، والتي يراها العديد من مناصريها أنها “حق أساسي من حقوق المرأة” في أن تتساوى هي والرجل في الميراث.

تقول الباحثة والإعلامية التونسية سلوى الشرفي “إن للمرأة الحق في التساوي في الميراث مع الرجل”، وتفسر الباحثة على غرار العديد من الأكاديميين والحقوقيين الآخرين هذا الموقف بأنه نظرة سليمة للإسلام ومقاصد الشريعة التي تقوم على العدالة. ولعل الإشارة إلى مقاصد الشريعة الإسلامية وروح النص الفقهي الإسلامي تصنع المأوّل للنص الديني في فضاء أكثر حرية لإقرار هذا الحق من عدمه، وقد دعمت العديد من الوجوه الحقوقية المعروفة في تونس وجهة النظر المدافعة عن حق المرأة في التساوي التام مع الرجل بما في ذلك حق الميراث، من منطلق نظرية “النوع الاجتماعي” التي تقرّ بأن المرأة متساوية مع الرجل في كل الأدوار الاجتماعية.

وفي السياق، أعلنت مؤخرا الرئيسة الجديدة لجمعية النساء الديمقراطيات الباحثة منية بن جميع عن عزم الجمعية رسميا تقديم طلب تغيير قانون الأحوال الشخصية إلى البرلمان التونسي “لأن المجلة في صيغتها الحالية لا تزال تحتوي على العديد من النقاط التي فيها تمييز ضد المرأة وانتصار للرجل على حساب قيمة المساواة والعدالة”.

وأكدت بن جميع في حوار أجرته في إذاعة محلية أن المطالب المشروعة للمرأة التونسية عليها أن تسمع بصوت قوي في هذا الوقت، وأن تتحرر المرأة من النظرة التي كرسها القانون التونسي منذ تأسيس الجمهورية التونسية أواسط القرن العشرين. مضيفة أن “قانون الأحوال الشخصية كانت ثورية وتقدمية أيام التأسيس الأولى سنة 1956 ولا يمكن الآن بأي حال من الأحوال النظر إليها على أنها مجلة تنصف المساواة في تونس ما بعد ثورة 14 يناير 2011”.

قانون الأحوال الشخصية في صيغتها الحالية منقوصة ولا تعطي للمرأة كامل حقوقها بالتساوي مع الرجل مثل قضية الميراث

وكانت الباحثة في الاتصال السياسي والجماعات الإسلامية سلوى الشرفي قد أشارت من قبل وفي العديد من المناسبات إلى ضرورة حل إشكالات متعلقة بقسمة الورثة بين مستحقيها، متسائلة عن حالات لا يمكن فيها تطبيق النص الديني حرفيا نظرا لاستحالة التطبيق، من ذلك تساؤلها القادم من أحد قراء مقالاتها قائلة “جاءتنا رسالة من مواطن يقول إن زوجته ماتت وتركت ورثة معه يشاركونه في الميراث وهم اثنان فقط، أخت شقيقة للزوجة وأم الزوجة، ومع ذلك فإن توزيع التركة على الزوج والأخت والأم يأتي بنتيجة غريبة لا يعرف كيف يتصرف معها لأن للزوج نصف التركة، وللأخت الشقيقة النصف الآخر من التركة، أي لا يبقى شيء للأم مع أنها تستحق السدس، فكيف يتم حل هذا الإشكال؟”.

وكانت أسماء عديدة للناشطين في مجال المساواة والحركة النسوية التونسية قد أعلنت في مناسبات سابقة عن حملة وطنية للدعوة إلى المساواة التامة بين الرجل والمرأة حتى في الميراث.

وقد وزع الناشطون عريضة وقع عليها حوالي 3264 ناشطا، أكد خلالها الموقعون أن التطور الإنساني الحاصل في العالم يتطلب تطويرا في القوانين والتشريعات المحلية التونسية خاصة في مجال المرأة، والتي تساهم في إذابة التباينات بين الأقطاب العالمية لتسهيل التعاطي بين تونس والعالم في كل المستويات. وأكدت العريضة على أن الحق في المساواة في الميراث يمكن أن ينقذ العديد من العائلات من آفة الفقر والبطالة ومن شأنه أن يخفض من نسب الفقر والخصاصة الاجتماعية.

الحركة النسوية التونسية مؤلفة من مجموعة من الأكاديميين والباحثين في مجالات علم الاجتماع والصحافة والقانون وغيرها وهي حركة تسعى لتطوير القوانين الحالية لصالح المرأة

قانون الأحوال الشخصية كاف لحفظ حقوق المرأة التونسية

في الوجه المقابل، توجد آراء باحثين آخرين في الجامعة التونسية في تناقض مع ما تطالب به الجمعيات الحقوقية التونسية من تحقيق المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة، مؤكدين أن قانون الأحوال الشخصية التونسية الحالية يمكن المرأة من كامل حقوقها وفق مقاربة تقترب من الشريعة الإسلامية. وقد أكدت الأستاذة في جامعة الزيتونة التونسية منجية السوايحي أن “المرأة تتمتع بكل حقوقها التي يجب أن تتمتع بها في ظل القوانين الحالية”.

وقالت السوايحي في معرض دفاعها عن القوانين التونسية الحالية المتعلقة بالميراث بين الرجل والمرأة، إن المرأة كانت عند عرب الجاهلية تورث كما يورث المتاع. ولا يورث إلا الرّجال لأنّهم الأقوى والأقدر على حماية القبيلة، وعلى الكرّ والفرّ لجلب الغنائم، “ولمّا جاء الإسلام أنصف المرأة بما لم يوجد له مثيل في الدّيانات السّابقة”. فقد جعل الإسلام لها نصيبا في الميراث تبعا لدرجة قرابتها من الميّت. واستشهدت الباحثة بآية قرآنية من سورة النساء تقول “للرّجال نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون وللنّساء نصيب ممّا ترك الوالدان والأقربون ممّا قلّ منه أو كثر نصيبا مفروضا”.

وأكدت منجية السوايحي أن قانون الأحوال الشخصية بصيغته الحالية يغني عن أي تعديل، خلافا لما تطالب به جمعية النساء الديمقراطيات وآراء أخرى، وتساءلت السوايحي عن مكانة المرأة في قانون الأحوال الشخصية، ما الّذي جاء به قانون الأحوال الشخصية في نظام الإرث؟ هل خرج عن النّظام المعروف في الإسلام؟ وإن لم يخرج عن هذا النّظام ما الّذي أضافه؟

وأجابت الباحثة في التراث والنصوص الإسلامية أنه وبعد استقرائها لفصول القانون “رأينا أنها استوفت حق مسألة الميراث في الكتاب التاسع منها بأبوابه الثمانية وفصوله بدءا من الفصل الخامس والثمانين إلى الفصل الثاني والخمسين بعد المئة، واختارت الفصول التي اهتمت بميراث المرأة من حيث الوارثات وأنواع الفرائض وصاحبات الفروض، والتعصيب والحجب والمسائل المشتركة. ثم عرضت مسائل ميراث المرأة في الإسلام ومدى صلتها بما جاء في قانون الأحوال الشخصية التونسية”، لتؤكد في الأخير أن المجلة القانونية المعتمدة حاليا هي الأقرب إلى الوضعية المثالية التي يبحث عنها التونسيون، “فهي من ناحية تراعي الحد الأدنى الشرعي الإسلامي في قسمة الميراث، ومن ناحية أخرى تراعي المرونة في تأويل القاضي وترك المجال مفتوحا أمامه في تقييم الحالة والقيام بإجراء الإنصاف”.

وتضيف الباحثة منجية السوايحي أن مسألة الميراث في القانون التونسي تعتبر كسبا وطنيا وعربيا رائدا، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال الآن العودة ومراجعة هذا المكسب باسم التطوير، “فربما نية التطوير سوف تفقد النص معناه الحقيقي في الاحتفاظ بتوازن اجتماعي معين يميز التونسيين ويحفظ استقرار الدولة والمجتمع”. وتضيف السوايحي قائلة “وما نلح عليه أن تتحصل المرأة على حقها كاملا في الميراث فلا تعبث به أهواء بعض الرجال فيتحايلون كي يسلبوها حقها الذي كفله لها الإسلام وجاء في فصول قانون الأحوال الشخصية، هذه المجلة النبراس التي بلغت عقدها الستين، ولم تعرف ركودا ولا نكوصا، وإنما عاشت فترات إصلاح وتنقيحات رائدة ومتواصلة هدفها صالح الإنسان والتجذير لاحترام المرأة”.

وأكدت منجية السوايحي أن النظام القانوني التونسي توصل إلى إنصاف المرأة في مواطن كثيرة، من بينها نظام الاشتراك في الأملاك بين الزّوجين، وهو نظام اختياري يحافظ على الحقوق المادّية للمرأة بصفة خاصّة لأنها الأكثر عرضة للظّلم إذا انفصمت عروة الزواج. وبذلك فإن مسألة المساواة في الميراث تعد قضية مفتعلة في هذه الفترة وفي الفترات الماضية، لأن ما وصلت إليه الحالة القانونية للمرأة التونسية يعد شوطا مهما في إعطاء المرأة مكانتها ودورها الريادي في المجتمع.

12