حشمة ورياء

في الحقيقة، لم تكن لغة ابن الرومي نشازا. فقد كان للفقهاء ومفسري القرآن الكريم، إسهاماتهم في الشروحات الجنسية، فكتبوا ونشروا الكثير والمثير، ولو أنهم في زمنهم عرفوا الكومبيوتر والإنترنت، لفعلوا العجائب.
الأحد 2018/08/19
مستخدمو وسائل التواصل يتطيرون من خروج "صديق" عن قواعد الحشمة

يتطير العرب الرائقون من مستخدمي وسائل التواصل، من خروج “صديق” عن قواعد الحشمة وأعراف الكلام فـ”يخدش” الحياء بمفردات جنسية. ويُعد مثل هذا التجاوز بلغة عامية أو فصحى متحررة من أي كراهة؛ سببا كافيا لأن “يحظر” المحتشم، عن صفحته، غارات السفيه، لكي لا يرى منه كلاما قبيحا مرة أخرى. وهنا، تختلف الدوافع، بين حياء عن تقوى، أو حشمة مصطنعة!

لقد تشكلت ذائقتنا، كعرب أو شرقيين -كما يُقال- على أن تأنف المصطلح الجنسي، في الكلام المعروض على نطاق واسع، دون التسامي على اعتماده، في الحلقات الضيقة. وفي الخطأ الشائع، يُقال عن غير المتحرج عند الاضطرار لاستخدام الملافظ الجنسية؛ أنه “قليل الأدب” من جيل اليوم، ومن نتاج ثقافته وهذا غير صحيح!

فماذا لو أن الشاعر ابن الرومي -ولن نقول “أبو نؤاس”- كان حاضرا في زمن برامج التواصل عبر الشبكة العنكبوتية، وعُرضت تشبيهاته، وسياقات هجائه، بالتصوير الشعري، الذي يضع قبائح اللفظ الجنسي في قوالب من الإبداع الفني؟ فقد تفشى الخوف من لسانه وشعره، دونما حواسيب، وهابته القصور، وقتله أحد وزرائها!

في الحقيقة، لم تكن لغة ابن الرومي نشازا. فقد كان للفقهاء ومفسري القرآن الكريم، إسهاماتهم في الشروحات الجنسية، فكتبوا ونشروا الكثير والمثير، ولو أنهم في زمنهم عرفوا الكومبيوتر والإنترنت، لفعلوا العجائب. فحتى جلال الدين السيوطي، أحد اثنين وضعا تفسير “الجلالين” الذي نعود إليه سريعا، كلما أردنا معرفة أسباب نزول آية قرآنية؛ نشر ما يزيد عن عشرة كتب جنسية، كان أولها “الوشاح في فوائد النكاح” ثم مر على جميع المحطات حتى وصل إلى “نُزهة العُمر في التفصيل بين البيض والسود والسُمر”.

ولدى “مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية” مخطوطة كتاب لا يستطيع كاتب هذه السطور المصارحة بعنوانه، وقد سعى أهل الخير من محققي المخطوطات، إلى إخلاء مسؤولية الفقيه عن المخطوطة.

ذلك يعني، أننا اليوم، بمعيار حرصنا على تغييب وإخفاء ما كتبه السابقون وما تركوه من الأثر الأدبي أو العلمي الذي تناول موضوع الجنس؛ سنكون أعقل من السلف الصالح، وأحسن تأدبا مع المجتمع أو تصنعا أمامه، وهذا غير صحيح!

وَضع وزير عباسي، لابن الرومي، السم في الخبز خشية هجائه. أحس الشاعر بفعلته فقام. سأله الوزير: إلى أين تذهب؟ أجاب ساخرا وقد بدأ احتضاره “إلى الموضع الذي أرسلتني إليه”. قال له “سلّم لي على والدي”. أجاب “ما طريقي إلى النار”. فقد كان مطمئنا ومستبشرا بالجنة!

24