"حصاد إليزابيث": منشأة تستنسخ بشرا يتصارعون في ما بينهم

المخرج سيباستيان غوتيريز يمضي في تقديم شكل سينمائي مختلف قوامه الخيال العلمي والعنف والرعب.
الاثنين 2018/12/17
انتقام لا ينتهي بين شخصيات مستنسخة

تبدو التجارب السينمائية التي تستخدم مزيجا من الخيال العلمي والرعب والجريمة مختلفة عما سواها من التجارب السينمائية الأخرى، وذلك من خلال التنوع الملفت للنظر الذي يشمل الشخصيات الدرامية، فضلا عن استهداف المشاهد الذي يجد هذا المزيج أكثر متعة وجمالية.

تتسع مساحة التعبير في سينما الخيال العلمي بشكل خاص لتشكل أرضية يتم البناء عليها بإضافة خطوط سردية تخرج الفيلم عن الإطار التقليدي في تحديه لعنصري الزمان والمكان، وواقعيا اعتدنا على مقاربة هذين العنصرين من خلال إما العودة إلى الماضي وإما الإبحار في المستقبل وبذلك تخلصت تلك الأفلام من هذين القيدين.

وفي فيلم “حصاد إليزابيث” للمخرج سيباستيان غوتيريز هنالك الكثير من التجريب في هذا الاتجاه، مع المضي عميقا في تقديم شكل سينمائي مختلف قوامه الخيال العلمي والعنف والرعب.

والملفت للنظر في هذه الدراما الفيلمية أنها محددة بعدد محدود من الشخصيات لا يتعدى أصابع اليد الواحدة وفي إطار جغرافيا مكانية هي الأخرى تميزت بمحدوديتها.

قصة الفيلم عن البروفيسور هنري (الممثل كياران هندس)، الحاصل على جائزة نوبل في أبحاث الاستنساخ والجينات الوراثية والانشطار الخلوي، وهو يعيش في عالم مغلق يمارس فيه حياته وأبحاثه.

ومنذ المشاهد الأولى تدخل إليزابيث (الممثلة آبي لي) إلى حياة هنري بوصفها زوجة وحبيبة، على الرغم من الفارق في السن بينهما.

وفيما إليزابيث تستكشف مكان الزوجية الجديد يطالبها هنري بعدم دخول جناح خاص في المنزل، لكن فضولها سوف يدفعها إلى أن تخالف الأمر فتكتشف وجود فتاة شبه متجمدة وتعوم في كبسولة مائية، إلاّ أن الأمر الغريب أنها تشبه إليزابيث، بل هي نسخة منها تماما وهذا ما يسبب لها هلعا شديدا.

في المقابل، هنالك شخصيتان تواكبان أبحاث هنري وهما جزء من عالمه، وهما ابنه الأعمى أوليفيه (الممثل ماثيو بيرد)، والدكتورة كلير (الممثلة كارلا كوكينو) وكل منهما يقوم بدور غامض في تلك المنشأة الغامضة.

تتداخل في حياة الشخصيات الثلاث بعيدا عن هنري ذكريات ماضية وأحلام يقظة وخبرات قاسية تلاحقها على الدوام، إذ سنكتشف لاحقا أن أوليفيه وكلير قد انضما إلى مشروع هنري القائم على الاستنساخ بكل ما ينطوي عليه من جرائم التخلص من الأشخاص الذين يفشلون في البقاء على قيد الحياة فيتم إحراقهم.

الفيلم حفل بعدد محدود من الشخصيات، التي لا تتعدى أصابع اليد الواحدة وضمن إطار مكاني هو الآخر تميز بمحدوديته

لكن التصعيد الرئيس في الدراما الفيلمية إنما يتمثل في المواجهة الحاسمة بين إليزابيث وهنري بعد أن اكتشفت أنها ليست إلاّ واحدة من نسخ متعددة بعضها يموت بسبب التجارب التي تجرى عليها.

اعتراف إليزابيث بقتل هنري لابنه الأعمى سوف يصعد الدراما، وقد تحول المنزل إلى كابوس حيث الأبواب محكمة الإغلاق، والتي تعمل بوساطة شيفرات سرية مما يجعل المكان سجنا مغلقا، حيث يحتجز أوليفيه إحدى نسخ إليزابيث في موسم حصادها.

وفي المقابل سوف نسترجع أحداثا وقعت في الماضي، ومنها ظروف التحاق كلير بمشروع الدكتور هنري وتطور علاقتهما العاطفية والشخصية ومساندته في إجراء التجارب على نسخ من إليزابيث.

دراميا تشكل شخصية إليزابيث محورا مهما في الأحداث، فهي تثير غيرة كلير التي ترتبط بعلاقة مع هنري، ثم يعترف أوليفيه بإعجابه بها وهكذا تتحول إلى نقطة محورية يتم من خلالها نسج الأحداث.

على أن التحول الدرامي ما بعد مقتل هنري وإحراقه ما يلبث أن يقودنا إلى سلسلة من التحولات الدرامية تنتهي نهاية قاتمة بعد تدخل نسخة من إليزابيث في الأحداث.

وتتشابك خطوط السرد الفيلمي، لا سيما مع زج الشخصيات الخمس في الدراما في محاولة من المخرج لتقوية خط الخيال العلمي بتكثيف خطوط الجريمة والعنف والقتل، كمقتل هنري ومقتل نسخة إليزابيث والنهاية الصادمة في المواجهة بين إليزابيث ونسختها.

زج المخرج سيباستيان غوتيريز بعناصر بصرية وسمعية متنوعة وبكثافة ملفتة للنظر حاول من خلالها تجاوز رتابة المكان بتكرار المشاهد في حيز مكاني متكرر، وبهذا منحنا متعة ملاحقة الشخصيات بتصعيد نزعتها الأنانية في الانتصار على بعضها البعض.

وفي ما يتعلق بشخصية إليزابيث، فإن تكرار النسخ الافتراضية لها سوف يربك المتابعة، خاصة في مشاهد الذروة التي أظهرت نسختين متضادتين تنتهي باقتصاص إحداهما من الأخرى.

وإذا عدنا إلى ثيمتي الرعب والعنف فإننا نجد تكثيفا ملفتا للنظر لنزعات الانتقام التي حولت الأحداث إلى دائرة كراهية ومنافسة يتوزع عليها هنري وإليزابيث وأوليفيه وكلير وضابط التحري، وذلك في قطيعة شبه تامة عن العالم الخارجي مما أجج النزعات العدوانية المشتعلة بين الطرفين.

الاشتغال على الشخصية والشخصية البديلة ليس بالجديد في السينما، أما هنا، فثمة إصرار على تلك المبادلة الملفتة للنظر ما بين شخصية إليزابيث وبديلتها أو نسختها، وهي دوامة لم تعرف لها نهاية محددة بسبب اختلاط الواقعي بالحلمي والخيالي.

16