حصاد الأسرة والطفولة لعام 2016

الأحد 2016/12/18

اعتدنا خلال شهر ديسمبر أن نطالع على أعمدة الصحف ونشاهد في مختلف وسائل الإعلام وعلى الإنترنت حصاد العام المنتهي، حصيلة العام الذي يوشك على توديعنا. فترة تحرص فيها المؤسسات والشركات والدول والحكومات على القيام بجرد مدقق لما خسرته وما ربحته. فتطالعنا عناوين مثل حصاد الاقتصاد، ;حصاد الأدب ;حصاد السينما وغيرها.

قفز إلى ذهني سؤال متصل بحصاد عام 2016 لماذا لا نرى حصاد المجتمعات كل على حدة؟ لماذا لا تقوم الدول بجرد لمجتمعاتها بدراسة واحتساب ما خسرته وما ربحته شعوبها. صحيح أن المؤسسات الحكومية العربية قد توفر إحصائيات لبعض المسائل التي تقدر كميّا مثل أعداد الولادات والوفيات وتقدير الاستهلاك أو الخدمات الصحية والتعليمية وغيرها ولكنها لا توفر إحصائيات دقيقة تهم الكثير من الظواهر الاجتماعية، وإن وجدت فهي لن تكون دقيقة وموثوقة خاصة في المسائل التي تعد من التابوهات والمسكوت عنها بتعلات دينية وثقافية أو أخلاقية. لا نعرف إن كان ذلك راجعا للرغبة في تزييف الحقائق أم هو لعجز الهياكل المختصة عن القيام بأعمالها الإحصائية كما يجب، أو العجز عن كشف الواقع على حاله.

الثابت أننا لم نبلغ إلى اليوم حصادا لعام منته يركز على كل ما يهم الكيف وليس الكم. صحيح أن المبادئ والأخلاق والعادات والتقاليد وغيرها من الأشياء اللامادية لا يمكن أن تحتسب بالأرقام لكن يمكننا استنتاجها من خلال الإحصائيات الدقيقة، فمثلا عندما نجد إحصائيات عن حالات الإنجاب خارج نطاق الزواج أو عن انتشار إدمان الكحول والمخدرات والتدخين وعن انتشار الجريمة والعنف يمكن أن نستنتج مدى الانحلال الأخلاقي في مجتمعاتنا العربية ويمكن أيضا أن نصل إلى كشف حجم فقدان رعاية وإحاطة الأسرة لأبنائها خاصة في فترة الطفولة والمراهقة وغيرها من الاستنتاجات التي يمكن أن تكون لنا بمثابة المرآة لنعرف حقيقة مجتمعاتنا ومدى انسجامها مع مقتضيات العصر.

لماذا لا نجد حصادا يهم الأسرة العربية؟ فأغلب الآباء وربات البيوت يقومون باحتساب ما لهم وما عليهم ويتأملون في ما تحقق في حياتهم الزوجية والأسرية من أهداف وما لم يتحقق فتجد من الآباء من يقول هذا العام فرحت بالنجاح في العمل ولكني لم أتمكن من توفير بعض الأشياء، كما يقول فرحت بنجاح ابني أو يئست من إصلاح ابني المراهق وإعادته للطريق السويّ.. كل هذه الأشياء المقدرة إما عدديا أو حتى شعوريا يمكن لهياكل الدولة المعنية أن تجمعها وتدرسها لتخرج منها بحصاد يهم الأسرة والمجتمع ماديا وقيميّا. لكن لا يبدو أن هذه المعطيات والمجالات الأسرية والعائلية تجد الاهتمام لدى غالبية الحكومات العربية وإن وجدته فإنه يتم إهمالها في مستويات البحث والدراسة التي تعد المرحلة الأهم للوصول إلى أسباب الإشكاليات والنقائص وبالتالي تحديد نقاط الضعف التي من شأنها أن تسهّل معالجة الظواهر الاجتماعية التي تؤرّق الأسرة العربية وتهدد مستقبل الأجيال القادمة.

في خانة التبرير لهذا التقصير تدرج الكثير من حكومات الدول النامية والعربية المقصّرة في اهتمامها بالجوانب الأسرية والاجتماعية أنها ما تزال تعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية ومن تدهور في النمو الاقتصادي ما يجعلها تتأخر عن ركب التقدم ولا تبحث عن الرخاء في ظل نقص الضروريات والموارد الأساسية فمن يعجز عن توفير الضروريات لا يمكنه توفير الكماليات في حين أن الاهتمام بالشأن الأسري ليس من الكماليات بل هو أساس سلامة المجتمعات وتطور الدول.

وما تعانيه مجتمعاتنا العربية اليوم من تفاقم لمخاطر الإرهاب ولظواهر اجتماعية مثل الانحراف والإدمان والتسرّب المدرسي والانتشار الواسع لشتى مظاهر العنف والجريمة ليس إلا نتيجة إهمال وتقصير في الاعتناء بالفرد والأسرة وبتحسين الأوضاع المعيشية، وبالتالي أصبحت دول مثل تونس من أكثر الدول إنتاجا وتصديرا للإرهابيين، وأخرى مثل مصر من أكثر الدول معاناة فيما يخص التحرش الجنسي والانحراف وغيرهما من الأمثلة كثير.

ومن باب الإنصاف فإن مسؤولية هذه الاختلال الاجتماعي لا تتحمله الحكومات وحدها، فالعائلة والآباء والأمهات يتحملون فيه المسؤولية الأكبر لأن التربية مسؤوليتهم أكثر من غيرهم بعيدا عمّا يتوفر لديهم من إمكانيات مادية؛ فكثيرة هي العائلات من الطبقات الوسطى والفقيرة التي كونت أبناء ناجحين، وكثيرة العائلات الميسورة التي كونت أبناء غير متوازنين أو منحرفين.

وبعيدا عن تحميل المسؤوليات فالأحرى بوسائل الإعلام أن تنشر حصاد الطفولة لعام 2016 وحصاد الانتهاكات في حقهم. فالمفارقة تكمن في أنه في عصرنا الراهن عصر التقدم العلمي والتقني وعصر التطور في نمط العيش الذي سهل الحياة اليومية على الإنسان نجد أطفال اليوم ورجال ونساء المستقبل يعانون من الاعتداءات والتجهيل والفقر والحرمان والتشرد وتتربص بهم الأمية وتفتح أمامهم أبواب الانحراف على مصراعيها، إما بمفعول الانفتاح والتحرر أو بمفعول الحروب وغياب الأمن. حريّ بدول العالم اليوم وبالدول العربية خصوصا أن تنشر حصاد ضياع الطفولة في دول مزقتها الحروب والإرهاب.

صحافية من تونس

21