"حصاد الضباب" يروي عطشا في المناطق القاحلة بالمغرب

الماء أساس الحياة، فإذا انعدم أو نضب في منطقة ما فإن الحياة فيها تصبح منعدمة، وهذا ما استفاد منه سكان الجنوب الغربي من المغرب الذين ابتكروا تقنية جديدة على بساطتها إلا أنها تعتمد في ظاهرها على تحويل الضباب إلى ماء لتأمين الاستقرار لخمس قرى كانت تعاني نقصا في الماء الصالح للشرب لسكانها ومواشيهم، الذين أضحوا يفتحون الصنبور ليتدفق الماء ويطرد العناء.
السبت 2016/10/01
رطوبة الضباب تتحول إلى ماء يمر عبر الأنابيب

أكادير (المغرب) - يأتي مشروع “حصاد مياه الضباب” الذي بادرت منظمة مغربية غير حكومية ممثلة في “دار سي حماد” إلى إنجازه والذي فاز، الأربعاء الماضي، بجائزة “التشجيع للأمم المتحدة حول التغيرات المناخية”، كبادرة أساسية قامت بها مجموعة من النساء سنة 2013 الهدف منها هو سد النقص الحاصل في المياه بالمنطقة الجنوبية للمغرب.

وغيّر هذا المشروع، الذي يستند إلى فكرة بسيطة قائمة على تحويل الضباب إلى ماء، حياة سكان خمس قرى جنوب غرب المغرب، إذ جنّبهم مشقة قطع العشرات من الكيلومترات كل يوم من أجل الحصول على حاجتهم من ماء الشرب.

وبفضل هذا المشروع، الذي تم تصنيفه من قبل الأمم المتحدة كأكبر”نظام لجني الضباب التشغيلي في العالم”، لم تعد النساء ولا الأطفال يقضون وقتا طويلا من أجل جلب المياه من الآبار البعيدة، حيث أضحت تصلهم إلى غاية بيوتهم.

وتجدر الإشارة إلى أن الأمانة العامة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيرات المناخ كانت قد أعلنت، الأربعاء الماضي، عن أسماء الفائزين بجائزة التشجيع.

وسيتم تسليم هذه الجائزة إلى المنظمة غير الحكومية المغربية “دار سي حماد” خلال الفعاليات الخاصة بمؤتمر الأمم المتحدة حول تغيرات المناخ “كوب 22” التي ستحتضنها مدينة مراكش ما بين 7 و18 نوفمبر المقبل.

تقنية صديقة للبيئة

تعتمد تقنية حصاد الضباب على شبكات مصممة خصيصا لالتقاط أكبر كمية ممكنة من رطوبة الضباب وتحويلها إلى قطرات ماء، تجمع وتخزن وتصفى لتصير صالحة للاستهلاك البشري، سواء بغرض الشرب أو أغراض أخرى مثل الطهي أو الريّ أيضا.

وعلى ارتفاع 1225 مترا عن سطح البحر وفوق قمة جبل بوتمزكيدة المطل على خمس قرى متاخمة لمدينة سيدي إيفني في الجنوب الغربي للمغرب، انتصبت 40 شبكة ضخمة معترضة لمسار الضباب المخيّم على الجبل.

وهذه الشباك تشكل “فخا” لقطرات الماء المتبلورة من الضباب، حيث تقوم بـ”حصدها” باستمرار لتتم معالجتها بعد ذلك وخلطها مع مياه الآبار ونقلها بعد ذلك عبر الأنابيب إلى القرويين القاطنين في القرى عند سفــح الجبل.

ويوضح عيسى الدرهم، رئيس جمعية “دار سيدي حماد للتنمية والتربية والثقافة”، أن فتح الصنابير بغية الحصول مباشــرة على مياه عذبــة في مثل هذه المنطقة ذات المناخ شبه القاحل، يعتبر “ثورة” في نظر السكان.

وكان الدرهم يعيش في كندا، حيث اطلع في العام 1989 على مجهودات شركة “فوغ كويست” للحلول المستدامة، الرائدة في مجال حصد الضباب، وكانت قد انتهت لتوها من تنفيذ أولى مشاريعها في تشيلي بأميركا الجنوبية.

في هذا الإطار يقول الدرهم “إنها أثبتت فعاليتها في منطقة هناك تدعى كامانشكا”.

مشروع الحياة

وقرر الدرهم جلب هذا التقنية ومحاولة تطبيقها في المغرب، إذ يقول “منطقة أيت بعمران تمتاز بالضباب الدائم، وحصاده يمثل فرصة للتخفيف من معاناة السكان الناجمة عن ندرة المياه”، والتي تحد من تنمية مسقط رأسه.

وفي قرية إيد عاشور، وهي واحدة من القرى الخمس المستفيدة من المشروع، يقطع السكان قرابة أربع ساعات يوميا في المتوسط، ذهابا وإيابا، للحصول على المياه من الآبار ويتضاعف هذا الوقت مع حلول فصل الصيف، حيث تصبح المياه أكثر ندرة.

وتشرح مسعودة بوخلف (47 عاما) معاناتها في الماضي قائلة “كنت أملأ قنينتين سعة الواحدة 20 لترا، وذلك أربع مرات في اليوم، لكن لم تكن تكفينا لأن لدينا البعض من رؤوس الماشية”.

وظهرت تقنية “حصد الضباب”، كما يفضل سكان القرى تسميتها، قبل نحو عقدين في قمم جبال الأنديز في تشيلي، حيث كثافة الضباب مناسبة لحصده.

وهذه التقنية التي طورتها منظمة “فوغ كويست” غير الحكومية وقامت بتجريبها في عدد من بلدان العالم مثل غواتيمالا والبيرو وناميبيا، تستخدم الآن وللمرة الأولى في منطقة شمال أفريقيا.

وتقول جميلة برجاش، وهي أستاذة بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية في الرباط، “التقنية المستخدمة في المغرب تختلف نسبيا عن أصلها الذي ابتكرته ‘فوغ كويست’، حيث استبدلنا الأعمدة الخشبية التي تنصب عليها الشباك بأخرى حديدية، لتتلاءم مع مناخ المنطقة والذي يعرف بهبوب رياح قوية جدا”.

وأشارت جميلة إلى أنهم استخدموا وحدة شبكية يبلغ طولها 15 مترا، بدلا من الأحجام المتعارف عليها في التقنية التقليدية والتي تتراوح ما بين 12 و40 مترا، “لأنها الأنسب لمقاومة الرياح”.

واختار المشرفون على المشروع في المغرب مناسبة اليوم العالمي للمياه الموافق ليوم 21 مارس 2015 لفتح أنابيب التزويد الرئيسية، ومنذ ذلك التاريخ “استفاد 92 منزلا، أي نحو 400 شخص” من الماء الصالح للشرب، بحسب منير عبار، المشرف على الإدارة التقنية للمشروع.

ويشرح عيسى الدرهم، الذي كان وراء هذه المبادرة، أن ما يساعد في نجاحها هو “كثافة الضباب في المغرب بسبب ثلاثة عوامل أساسية، هي الضغط الجوي المرتفع والتيارات البحرية الباردة والحاجز الذي تشكله الجبال”.

ويقول أهالي القرى الخمس المستفيدة من هذا المشروع، إن تواجد الضباب يمتد لقرابة تسعة أشهر في السنة، في حين تقول جميلة برجاش، وهي من المشرفين على المشروع، “إن الضباب يتواصل في التواجد إلى أكثر من 168 يوما في العام، إضافة إلى توافر حاجز طبيعي يتراوح ارتفاعه بين 500 و600 متر فوق سطح البحر”.

أحد سكان المنطقة: لم تعد نساؤنا وبناتنا يرهقن أنفسهن كما في الماضي، فقد صار بإمكانهن الذهاب إلى المدرسة بكل اطمئنان

وبحسب الدرهم، فهذه التقنية “تقلد الطبيعة فقط” في تحويل الضباب إلى ماء سائل، ثم تتكفل الشبكة بحجز هذه المياه الصالحة للشرب لتخزينها ومن ثمة توزيعها.

وعن إيجابيات هذه التقنية، يقول “إنها صديقة للبيئة وتساعد في الحفاظ على منسوب المياه الجوفية بالمنطقة، والذي يتعرض إلى الاستنزاف”، إضافة إلى تخفيض قيمة فواتير المياه وشراء الخزانات أو استئجارها للسكان، خاصة في أوقات الجفاف.

ويعمل النظام المعتمد في هذا المشروع بالكامل بواسطة الطاقة الشمسية، حيث أكد المشرفون على المشروع أن لديهم إرادة قوية لتظل كل مقوماته صديقة للبيئة.

ويقول شاب يقيم في قرية إيد عاشور يدعى الحسين، إن “نقل المياه عن طريق الخزانات هو عملية واجبة كل 15 يوما وهذه العملية تكلف قرابة 150 درهما للخزان الواحد (15 دولارا) والذي تبلغ سعته قرابة 5000 لتر”.

وبحسب جمعية “دار سي حماد”، فإن مياه الضباب خفضت تكلفة نقل المياه ثلاثة أضعاف، ويتعيّن على السكان دفع مساهمات رمزية للحصول على عداد يعمل بالبطاقات المدفوعة مسبقا.

توفير الوقت

بدأت التجربة من العام 2006 إلى غاية 2010 بأخذ مقاييس عملية للحاصل اليومي وقد بلغت النتيجة 10.5 لتر من الماء لكل متر مربع من الشبكة، وذلك بالنسبة إلى المياه الصالحة للشرب شريطة إضافة أملاح إليها، أما بخصوص المغروسات، فإن التربة الغنية هي ما يتكفل بإمدادها بمختلف أنواع هذه الأملاح.

بعد هذه النتيجة المشجعة تم الانتقال من طور التجربة إلى إقامة شبكة على جبل مزكيدة، حيث بدأ العمل عليها منذ العام 2011 وتم إنجاز 600 متر مربع منها، ومن المخطط أن تصل مساحتها إلى ألف متر مربع.

ويعد هذا المشروع الأول من نوعه في شمال أفريقيا ممولا من عدة جهات، منها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، وشركة “ميونيخ ري” الألمانية، وجامعة ميونيخ التقنية، وسفارة فنلندا في المغرب.

وحمل المشروع كمّا كبيرا من العمل التطوعي، مما يصعب معه حساب تكلفة دقيقة له، غير أن جميلة برجاش تقول، “إن تكلفة الوحدة الواحدة تعادل 120 دولارا أميركيا”.

ويوفر المشروع مياها صالحة للشرب لنحو 400 شخص (80 أسرة)، بالإضافة إلى 400 رأس من الماشية تقريبا.

ويرى السكان أن هذه التقنية أشبه بالهبة من السماء، تجعلهم يستفيدون من أوقاتهم في الأنشطة الاقتصادية المدرّة للدخل، مثل استخلاص زيوت شجرة الأركان بدل تمضية ساعات طويلة في جلب المياه.

ويقول لحسن حمو علي (54 عاما) “لم تعد نساؤنا وبناتنا يرهقن أنفسهن كما في الماضي، واليوم بإمكانهن الذهاب إلى المدرسة بكل اطمئنان، كما يمكن لقنيْنة واحدة من زيت الأركان أن تغطي ثمن سنة كاملة من مياه الشرب”.

ماؤنا من ضبابنا

وتطمح جمعية “دار سيدي حماد” في خطوة مستقبلية إلى تعميم التجربة على أكبر عدد من القرى القريبة من الجبال، إضافة إلى تغيير الشباك المستعملة حاليا بشباك أخرى جديدة تكون مقاومة للرياح التي تفوق سرعتها أحيانا الـ100 كيلومتر/ الساعة.

ومن المنتظر أن ينصب التركيز حاليا على رصد نتائج المشروع وتطويره حتى يصبح قادرا على التصدي للرياح القوية بالمنطقة.

وعن استدامة المشروع تقول جميلة برجاش إنه يجري فرض فاتورة ماء على السكان المستفيدين وتلك الأموال ستساهم في استدامة المشروع لمدة ثلاث سنوات أو أربع، يسلم بعدها إلى الأهالي لإدارته تحت إشراف الجمعية.

وأوكلت جمعية دار “سي حماد” إلى نساء القرى مسؤولية متابعة المياه والمحافظة على استمرارية المشروع.

وعلّمت ليسلي دودسن، المسؤولة عن المتابعة مع النساء والفتيات بالمنطقة، النساء كيف يرسلن عبر الهواتف المحمولة رسائل نصية تتعلق بتتبع المشروع لإخطار الجمعية في حال وجود عطب أو تسرب للمياه لتتدخل وتعالج المشكلة فورا، كما يجري أيضا الإبلاغ عن التحولات المناخية المختلفة في المنطقة.

وتشير جميلة إلى أن فريق العمل بالمشروع “على استعداد لنقل هذه التقنية وتعميمها لتشمل جبال الأطلس والبعض من المدن الساحلية، مثل طنجة وتطوان على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وفي كل المناطق التي تعرف ضبابا كثيفا بالمنطقة العربية”.

20