حصاد رئاسة مضطربة.. الواقع عاند أساليب ترامب لإخضاع إيران

تعاطي ترامب مع الملف الإيراني أسهم بدرجة كبيرة في زيادة عزلة الولايات المتحدة وانتقاص مصداقيتها.
الأربعاء 2020/11/25
تركة مثقلة بالأزمات

تفاخر الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب طيلة فترة بقائه في البيت الأبيض بالإنجازات التي حققها تحت شعار “أميركا أولا”، وأنه قدم وجها آخر للولايات المتحدة على كافة القضايا الدولية. لكن محللين استخباراتيين يرون أن سياساته، وخاصة مع إيران، كانت تخضع لمنطق المزاجية لتحقيق مآرب حزبية وشخصية بعيدا عن مصالح بلاده.

واشنطن - في ضوء الدافع الرئيسي، الذي اعتمدت عليه سياسة الرئيس الأميركي المنتهية ولايته دونالد ترامب تجاه إيران، ليس من الغريب أن هذه السياسة كانت سيئة طوال مسارها وحتى نهايتها الآن.

ولم تعتمد هذه السياسة على أي تقديرات بشأن ما هو الأفضل لتعزيز سبل الحدّ من الانتشار النووي، أو الحدّ من تصعيد الصراعات في الشرق الأوسط، أو غيرها من المصالح الأميركية، ولكنها كانت قائمة على أساس اضطرار ترامب لعمل عكس كل ما قام به سلفه باراك أوباما.

ويقول بول بيلار الأستاذ الجامعي، الذي عمل طوال 28 عاما في وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي.آي.أي)، في تقرير نشرته مجلة “ذا ناشونال إنتريست” الأميركية “إن إنجاز السياسة الخارجية البارز الذي يحسب لأوباما كان الدبلوماسية التي أدت إلى التوصل لاتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني”.

وكان الاتفاق المبرم بين خمس دول بينها، الولايات المتحدة، من جهة وإيران من جهة أخرى، يهدف إلى إغلاق كل المسارات الممكنة أمام إنتاج سلاح نووي إيراني، ولكن مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض نسف كل تلك الخطة.

ولم تكتف إدارة ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، إنما شنت طوال العامين ونصف العام الماضيين حربا اقتصادية مطلقة ضد إيران. وكان ذلك وقتا كافيا للغاية لأن تسفر سياسة  "الضغط القصوى" التي اتبعها ترامب ضد إيران عن نتائج إيجابية، هذا إذا كان من الممكن أن تسفر عن أي نتائج. وبدلا من ذلك فشلت تلك السياسة على كل الجبهات.

ويعتقد بيلار أنه بدلا من أي اقتراب للتوصل إلى “اتفاق أفضل” بشأن القضايا النووية، وسعت إيران من نطاق نشاطها النووي إلى درجة أنها قامت بتخزين 12 ضعف كمية اليورانيوم المخصب، التي كانت تمتلكها في ظل قيود الاتفاق النووي، وبدأت في استخدام أجهزة طرد مركزي أكثر تقدما لتحقيق المزيد من التخصيب.

بول بيلار: تعامل ترامب مع قضية إيران كان أحد الأمثلة الأكثر ضررا
بول بيلار: تعامل ترامب مع قضية إيران كان أحد الأمثلة الأكثر ضررا

وفي حين كان الجميع يترقب كيف يمكن لترامب كبح الأنشطة “الشريرة” لإيران في المنطقة، استفزت سياسات إدارته طهران مما دفعها للانتقام، خاصة بمهاجمة المنشآت النفطية لدول أخرى، مثل السعودية، وهو أمر لم يكن لدى إيران أي دافع على الإطلاق للقيام به قبل حرب أميركا الاقتصادية، ومحاولتها تدمير تجارة إيران النفطية.

ويعزز بيلار كلامه قائلا إنه “بدلا من أن تؤدي سياسات ترامب إلى أن تكون هناك قيادة سياسية إيرانية أكثر قبولا، شوهت سمعة القيادات الأكثر قبولا وعززت موقف المتشددين في طهران”.

ورغم كل ذلك الفشل، ما زالت الإدارة الأميركية تواصل حتى النهاية سياسة الضغط القصوى، وتحاول إيجاد المزيد من المؤسسات الإيرانية لفرض عقوبات عليها رغم أن العقوبات أصبحت الآن هائلة بالفعل إلى درجة أن إضافة أي عقوبات أخرى عليها لن تحدث أي فارق مميز.

وقد تكون هناك عدة تفسيرات لهذا التمسك العنيد بالفشل، بحسب بيلار، أحدها ببساطة غياب أي أفكار أفضل طالما أن رفض الاتفاق النووي الإيراني ما زال هو العقيدة الراسخة للإدارة الأميركية، وهناك تفسير آخر وهو احتمال إيمان ترامب فعلا بفكرة أن مجرد ممارسة القليل من زيادة الضغط لفترة أطول قليلا ستقضي على إرادة الإيرانيين.

ومع ذلك، هناك تفسير آخر وهو أنه في الحقيقة لم يفقد أي سياسي أميركي أصوات الناخبين طالما كان متشددا تجاه إيران. وتحديدا يرى ترامب أن الدعم المطلق الذي تحظى به حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في إسرائيل، التي لديها أسبابها الخاصة لاعتبار إيران على الدوام بعبعا في المنطقة ورفض أي دبلوماسية معها، هو جزء أساسي لقاعدته السياسية.

وهناك دافع أكثر تدبيرا بالنسبة للإدارة الأميركية، ولأولئك الذين يتبعون برنامج نتنياهو الخاص بتعزيز المواجهة والعداء الدائم مع إيران، وهو بناء “جدار عقوبات” مرتفع للغاية، من شأنه أن يعرقل قدرة إدارة بايدن على العودة إلى الدبلوماسية.

وليس ذلك فحسب، بل قد يقوض فرصة إذعان طهران للاتفاق النووي مرة أخرى، وكذلك قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 الذي بارك هذا الاتفاق. ومن المؤكد أن هذا الكم الهائل من العقوبات سوف يمثل تعقيدا بالنسبة للإدارة الجديدة.

ويؤكد بيلار أن شعور ترامب باليأس في نهاية ولايته من تحقيق أي شيء جديد يمكن اعتباره إنجازا أدى إلى أن يطلب خيارات عسكرية لمهاجمة منشأة إيران النووية الرئيسية في نطنز، ولكن تردد أن مساعديه أثنوه عن هذه الفكرة. ومن المؤكد أن أحد التفسيرات وراء تفكيره في هذا الهجوم هو تعقيد الأمور بالنسبة لإدارة بايدن.

ورغم عدول ترامب عن القيام بهجوم على تلك المنشأة النووية الإيرانية، فإنه قد يعتمد على صديقه نتنياهو للقيام بالمهمة نيابة عنه.

وخلص بيلار في تقريره بالقول إن تعامل ترامب عموما مع قضية إيران كان أحد الأمثلة الأكثر ضررا ووضوحا، على إخضاع المصالح الأميركية المتعلقة بقضية سياسة خارجية مهمة لأغراض حزبية وشخصية.

كما أن تعاطيه مع هذه القضية أسهم بدرجة كبيرة في زيادة عزلة الولايات المتحدة وانتقاص مصداقيتها طوال السنوات الأربع الأخيرة، وقد لا يهتم ترامب بأي أمر من الأمور بمجرد أن يترك منصبه، لكن التأثيرات الضارة على مصالح الولايات المتحدة سوف تكون طويلة المدى.

7