حصاد فضفاض لجولة المبعوث الأميركي للقرن الأفريقي

واشنطن تمهّد لإطلاق عملية سياسية لحل أزمات المنطقة.
الأحد 2021/05/16
دراسة الخطوات المقبلة

الجولة التي قام بها المبعوث الأميركي الخاص للقرن الأفريقي المعين حديثا جيفري فيلتمان لم تفض إلى نتائج ملموسة. كما لم يكن من ضمن مخرجاتها موقف أميركي واضح من الأزمات التي تعصف بالمنطقة التي غابت عنها واشنطن كثيرا، على غرار أزمة سدّ النهضة الإثيوبي وإقليم تيغراي وغيرها ما يُعطي انطباعا بأن الولايات المتحدة تمهّد لإطلاق عملية سياسية والحدّ من تفاقم الأزمات عوض التوجه إلى حلها مباشرة.

القاهرة - لم يتوقع كثيرون أن ينجح المبعوث الأميركي الخاص للقرن الأفريقي المُعين حديثا جيفري فيلتمان في أولى جولاته التي زار فيها مصر والسودان وإثيوبيا وإريتريا، وتحقيق تقدم ملموس في الملفات الرئيسية التي ذهب لأجلها، وتتعلق بتسوية أزمة سد النهضة، وحل أزمة الحدود بين السودان وإثيوبيا، ووضع نهاية لمأساة إقليم تيغراي.

أنهى الرجل مهمته الاستكشافية في المنطقة وعاد إلى واشنطن الخميس من دون الإعلان عن خطوات محددة يمكن أن تقوم بها الولايات المتحدة قريبا، ومكتفيا بإطلاق توصيفات فضفاضة للأزمات الرئيسية توحي بأن الإدارة الأميركية تواصل دورها على أكمل وجه، وثمة عملية سياسية سيجري إطلاقها لحل الأزمات الإقليمية.

تلجأ واشنطن إلى فكرة العملية السياسية وتستهويها كثيرا عندما تتأكد من أن النزاعات دخلت في مرحلة خطرة، فالمقصود هو محاولة التوصل إلى حلول بطيئة عبر تسجيل النقاط كي تمنع القوى المتصارعة من اللجوء إلى حلول خشنة أو التمادي في تكريس الأمر الواقع. وفي الحالتين تريد فرملة الصراع أكثر من إيجاد وسائل تبتغي حله.

عودة إلى المنطقة

أزمة تيغراي كانت ربما الأكثر وضوحا في جولة فيلتمان، باعتبارها قضية إنسانية تحظى باهتمام قطاعات مختلفة في الداخل الأميركي

شعرت إدارة الرئيس جو بادين بأن الأمور وصلت بين مصر والسودان وإثيوبيا إلى حافة الهاوية، وقد تكون هناك صعوبة للسيطرة عليها وسط المعادلة الصفرية التي وصلت إليها، وأن إريتريا عادت لتمدّ بصرها خارج حدودها، بما يغير قواعد اللعبة في منطقة بالغة الحساسية، فرأت من الضروري أن تعين مبعوثا خاصا بعد فترة انقطاع طويلة بدت فيها واشنطن بعيدة عن التطورات الساخنة في المنطقة.

خسرت مهمة المبعوثين جانبا كبيرا من بريقها لدى الولايات المتحدة والأمم المتحدة، وجهات كثيرة، لأنها تفتقر للأدوات اللازمة للحل، ويكاد ينحصر دورها في جمع المعلومات، كما أن الأزمات في الدول المستهدفة أضحت أكثر تعقيدا، والأطراف المنهمكة في التوترات يصعب التحكم في توجهاتها تماما، ناهيك عن تعدد أشكالها وألوانها والدول الداعمة لها، وعدم وجود قوة تتحكم في مفاصل الأمر والنهي، فمع تعدد وتنوع المصادر تراجع دور القوى الكبرى في حركة التفاعلات الإقليمية.

يكشف تطبيق هذه المعادلة على الأوضاع في القرن الأفريقي مدى التأثير الذي يمكن أن تقوم به الإدارة الأميركية الفترة المقبلة، ويحدد ما إذا كان من الممكن أن يقوم جيفري فيلتمان بجولة أخرى أم يكتفي بمتابعة التطورات من مكتبه في واشنطن.

أصدرت الخارجية الأميركية الجمعة بيانا خلا من الإشارة إلى الآلية التي يمكن الاستناد عليها لفك شفرة الأزمات المستعصية التي جاء فيلتمان لها، وترك كل دولة تفسره بالطريقة التي تريدها كي لا تلزم واشنطن نفسها بتبني مواقف ربما تعجز عن تنفيذها وسط تباعد المسافات في رؤى الأطراف المعنية بالأزمات المحتدمة في منطقة القرن الأفريقي، والتي يصعب على الولايات المتحدة الانخراط فيها مباشرة أو التأكيد بانغماسها بشكل كامل في أطرها والوعد بتوفير حلول ناجعة لها.

إشارات رمزية

منحت جولة فيلتمان إشارات رمزية بأن واشنطن لم تتخل عن المنطقة، وقامت بتوصيل رسالة بأنها لن تسمح بازدياد التدهور فيها. فمصالحها الحيوية ومصالح حلفائها تتطلب البحث عن تسويات للمشكلات المتراكمة، لكن على مستوى الجوهر لم تعد الولايات المتحدة قادرة على أن تلقي بثقلها لإيجاد حلول فورية بسبب ارتفاع منسوب الخلافات والوصول إلى درجة يصعب التوفيق فيها بين التناقضات التي تختمر داخلها.

عندما وعدت واشنطن عقب انتهاء جولة فيلتمان بالبدء سريعا في المفاوضات حول سد النهضة تجاهلت الكثير من المعطيات السابقة بما فيها الجهود الأميركية التي بذلتها إدارة دونالد ترامب التي وضعت وثيقة جيدة للحل وقعت عليها القاهرة دون أديس أبابا والخرطوم، وأشارت إلى اتفاق المبادئ عام 2015 وبيانات المسؤولين المنفردة في الدول الثلاث في يونيو الماضي، والتي تتعارض حولها التفسيرات.

ربما تكون أزمة تيغراي الأكثر وضوحا في جولة فيلتمان، باعتبارها قضية إنسانية تحظى باهتمام قطاعات مختلفة في الداخل الأميركي، وحتى هذه الأزمة تعلم واشنطن أن حلها يتطلب ممارسة ضغوط قاسية على أديس أبابا لتوقف الانتهاكات الواسعة التي يتعرض لها سكان الإقليم، والتعجيل بفرض عقوبات دولية على إريتريا التي تسيطر على جزء معتبر من تيغراي ولا تريد الانسحاب منه، وقد تطمع في ضمه إليها.

Thumbnail

تتجاوز أزمة تيغراي البعد الإنساني الظاهر في الخطاب الأميركي، لأن مكوناتها السياسية والعسكرية والاجتماعية تعد في غاية الخطورة. فاستمرارها كفيل بدخول الدولة الإثيوبية مرحلة تدهور غير مسبوقة، حيث تلاحمت معها أزمات عرقية عديدة، وبات ثالوث أقاليم: الأورومو والأمهرا والتيغراي، معرضا لجذب عرقيات أخرى للتناحر، وهي نقطة يمكن أن تقضي على الأركان الرئيسية للدولة. وقال عنها فيلتمان قبل شروعه في جولته «ستعد الحرب في سوريا بالنسبة إليها مثل لعب الأطفال».

فقدت الولايات المتحدة قدرتها على تقديم إغراءات لتسوية الأزمات الإقليمية، كما فقدت دورها في ممارسة ضغوط مباشرة على الأطراف التي تعرقل التوصل إلى حلول عاجلة، وهو ما يجعل القوى الرئيسية المنهكمة في أي من الصراعات الراهنة لديها هوامش كبيرة لمقاومة النفوذ الأميركي المفتعل الذي ينطلق من حسابات توفيقية.

لذلك بدت المهمة التي جاء من أجلها فيلتمان دبلوماسية أكثر من اللازم، وتسعى إلى قطع الطريق على قوى منافسة أبدت استعدادا للوساطة في أزمات القرن الأفريقي، وما لم تتمكن الولايات المتحدة من الإعلان عن مقاربات محددة للتسويات سوف يتم تفريغ المهمة التي يقودها الرجل من مضامينها الإقليمية، لأن الدول المستهدفة لم تعد طيعة للرؤية الأميركية، التي خسرت الكثير من عناصر قوتها بعد أن تراخت في التدخل ولم تضع حدا مبكرا للتصورات الفردية التي أدت إلى هذا المأزق.

أهملت واشنطن أزمات القرن الأفريقي حتى وصلت إلى مرحلة متقدمة من التعقيدات، وعندما أبدت رغبة في الحل لم تملك الإرادة الكافية، وهو ما جعل جهات كثيرة تعتقد أن مهمة فيلتمان لن تتمكن من تحقيق اختراق حقيقي في الأزمات التي صيغت من أجل حلها، لأن ذلك يفرض على الإدارة الأميركية القيام بتدخل كبير يراعي قواعد القوانين الدولية، الأمر الذي يضع إثيوبيا في مرمى النيران السياسية.

بدت إثيوبيا تتصرف بصورة أحادية في أزمة سد النهضة، وخالفت الاتفاقيات التاريخية في إقليم الفشقة الحدودي مع السودان، وتمارس انتهاكات بشعة في إقليم تيغراي تتعارض مع القيم الإنسانية التي ترفع الولايات المتحدة نفسها شعاراتها، ولم تجد من يردعها، بل تدثر رئيس الوزراء آبي أحمد خلف جائزة نوبل التي منحت له تقديرا لجهوده في توقيع اتفاق سلام مع إريتريا، وهي الدولة الجارة التي عادت لتنخرط في الصراع الإثيوبي بصورة يمكن أن تخرجه من عقاله التقليدي.

وتؤكد هذه المعطيات أن أزمات المنطقة أصبحت رهينة التقديرات التي تضعها دولها، وقد يكون ما أظهرته الولايات المتحدة من اهتمام بتطوراتها نوعا من إبراء الذمة قبل أن تنفجر براكينها وتزداد المنطقة اشتعالا، وهو السيناريو الأقرب في ظل التراجع الملحوظ في الخيارات السياسية.

6