حصاد 2013: ميزانيات الثقافة تذهب هدرا وحديث ذكوري في الثورات

السبت 2013/12/28
ضرورة إعادة النظر راديكاليا في مفهوم الثقافة

الجزائر- أسئلة كثيرة تشغل بال المعنيين بالشأن الثقافي، والمتابعين له، بينما نحن نودع عاما ثقافيا عربيا مواكباً لعام آخر عاصف من أعوام “الربيع العربي”. فمهما تعدّدت مقاربات المتفكّرين بالمسألة الثقافية، ومهما نوّعوا فيها من زوايا نظرهم لتحديد وظائفها، فإن الثقافة، سواء أكانت شعبيّة– ونعني بها ثقافة التقاليد والفولكلور- أم نقية عالمة، تظلّ فضاء رمزيا منفتحا على مجالات المعيش البشري، وتمثّل جسر الإنسان للعبور من هجانة تصوّراته عن الكون إلى تصنيع جماليات عناصر هذا الكون.

ولا يتمّ ذلك إلاّ بجرأة المثقّف على اختراق المهترئ من المعايير الاجتماعية والأذواق الأدبية والفنية لمجموعته البشريّة، من أجلّ اقتراح أخرى جديدة لا تحفل بشروط الاستهلاك التظاهريّ والإشهاريّ، وإنما تمثّل سبيل الناس إلى قيام دولة الحضارة بما تعنيه من حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية وانفتاح على الآخر وثقافاته.

واستنادا إلى ما سلف من أهمية للفعل الثقافي في تحقيق النهوض الحضاري للشعوب، وعطفا على ما تشهده ساحاتنا الثقافية العربية من تطوّرات هامة ساهمت فيها انتفاضات الربيع العربي وخضّاته، فإنّ السؤال عن قيمة المنجز الثقافي العربي الفنية والفكرية، ومدى تماهيه مع الوقائع السياسية والاجتماعية التي تعيشها شعوبنا صار أمرا شاغلا، وذلك من جهة يقيننا في أنّ التغيير نحو الأفضل لا يمكن أن يبلغ مداه وتحققاته، ما لم تعضده ثورة ثقافية للعقلية الاجتماعية المحرّكة له، والمنتجة لخطاباته في الأدب والفكر والفن.

وهو أمر ستحاول “العرب” البحث عن إجابات له، عبر استطلاع شارك فيه مثقّفون ومبدعون عرب هم على صلة، من قريب أو بعيد، بأسئلة هذا الحراك الثقافي ومخاضاته.

قبل تقديم صورة واقعية عن المشكلات الكبرى التي لا تزال عالقة وتمثل عنوان الأزمة الخانقة في واقع الثقافة والفكر بالعالم العربي منذ سنوات طويلة لغاية عام 2013، وقبل توفير مسح أولي عن الاتجاهات الثقافية والفكرية البارزة الآن في بلداننا وكذا تناقضاتها، أرى أنه ينبغي أولا النظر ولو باختصار في الجانب الهيكلي والمؤسساتي لواقعنا الثقافي.

كما هو معتاد، ففي آخر كل سنة تصدر في جميع الدول العربية تقارير ذات طابع وطني يحصى فيها ما تم من إنجازات على صعيد البنيات المادية، ومن فعاليات ثقافية وفنية ذات الصلة بحقول الثقافة والفكر والفنون، بما في ذلك المنظومة التعليمية التي ينظر إليها كقاعدة أساسية لأية نهضة حقيقية ماديا وروحيا، ولكن لا أحد حاسب أو يحاسب الجهات المعنية على النتائج الضحلة التي أصبحت قاعدة ثابتة يعاد إنتاجها باستمرار في حياتنا من المحيط إلى الخليج.


تناقضات الفعل الثقافي


وبالفعل، فإن بعض الدول العربية قد خصصت للثقافة ميزانيات سنوية لا بأس بها منها الدولة الجزائرية. غير أن الكيفية العشوائية والغامضة التي صرفت بها هذه الأموال من طرف الوزارات المكلفة بالشأن الثقافي والفني لم تكن شفافة من جهة، ومن جهة أخرى فإن هذه الأموال لم تضخ لفائدة تجسيد وتحقيق المشاريع الثقافية الكبرى على ضوء استراتيجية كفيلة بخلق المناخ الثقافي والفكري والفني وكذا شروط الاندفاع الحداثي الحيوي في المجتمعات العربية.

ويلاحظ أن التقارير التي تقدمها للرأي العام الجهات المسؤولة على الأجهزة والمؤسسات التي تناط بها مهام شؤون الثقافة ببلداننا تركز غالبا على حصيلة نتائج التنشيط الثقافي العام الذي هو عبارة عن ندوات ومحاضرات ولقاءات، وتوزيع جوائز، وإقامة حفلات تكريم بعض الشخصيات الثقافية والفنية والفكرية التي تتم في البلديات والمحافظات وأحيانا على الصعيد الإقليمي والدولي وتنشطها الوزارات المعنية مثل وزارات الثقافة، والتعليم بكل أنواعه ومستوياته، والسياحة والمحافظة على التراث، وكذلك المراكز والهيئات والجمعيات والروابط والاتحادات التابعة لما يسمى بالمجتمع المدني ذات الطابع الثقافي والإبداعي الأدبي والفني والبحثي الأكاديمي.

في هذا السياق بالذات لابد من الإشارة ولو بسرعة إلى بعض المؤسسات العربية التي تقوم بنشاطات ثقافية وفكرية ذات طابع استراتيجي مثل مؤسسات “مؤسسة الفكر العربي” التي تقوم منذ عام 2008 إلى يومنا بإصدار التقرير العربي للتنمية الثقافية كشكل من أشكال متابعة ومراقبة تطور العمل الثقافي وتقييمه في الدول العربية، و”المركز العربي للأدب الجغرافي – ارتياد الآفاق ” بالإمارات العربية المتحدة الذي يتكفل منذ عدة سنوات بنشر الأدب الجغرافي العربي والبحث فيه بشكل خاص فضلا عن إقامة ندوة “الرحالة العرب والمسلمين” التي تنعقد سنويا في عاصمة عربية أو شرقية معينة، ومنح جائزة في أدب وثقافة الرحلة، ومركز “الفكر العربي للبحوث والدراسات ” الذي ينشط الندوات الفكرية ويصدر سلسلة شهرية من الكتب ذات الصلة بالتنميات البشرية وفي صدارتها التنمية الثقافية.إلى جانب ما تقدم هناك “مركز شومان” بالأردن الذي ينشط الندوات والمحاضرات الفكرية والثقافية.

إن هذه المؤسسات والمراكز المذكورة، ومثلها قليل جدا في العالم العربي، تسد بعض الثغرات في الحياة الثقافية والفكرية العربية دون أدنى شك، ولكن ذلك غير كاف حيث ينبغي إضافة مؤسسات ومراكز أخرى ووضع خطط استراتيجية أكثر علمية وجذرية – على ضوء إدراك خطر انتشار الأمية الحرفية والفكرية والعلمية والقانونية والمهنية وغيرها من أصناف وأنماط الأميات الأخرى المتزامنة مع عمق التخلف الثقافي والمعرفي والعلمي في بلداننا، ليس لنشر الثقافة الحديثة فقط – بل من أجل صنعها وصنع الكفاءات التي تقوم بالنهضة الفكرية والعلمية والمعرفية المتطورة والأكثر رقيا وحداثة في مجتمعاتنا وجعل كل ذلك عيدا يوميا في حياتنا.

هنا لا بد من القول بأن المؤسسات الثقافية التابعة للجامعة العربية وفي صدارتها المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم التي أصيبت بالجمود والتقهقر وتحولت إلى مستودع للمسؤولين المحالين على التقاعد أو لأولئك الذين يراد التخلص منهم من أجهزة الدولة المركزية في هذه الدولة العربية أو تلك في حاجة ماسة إلى تجاوز واقعها هذا، ورسم معالم جديدة أكثر فعالية وإيجابية للفعل الثقافي والفكري، ودون تحقق هذا، فإن التاريخ سيحاسب المسؤولين عليها.

بخصوص واقع البنية المادية للثقافة ببلداننا فيلاحظ أنها رغم الجهود المبذولة في هذا المجال تتسم بالنقص لحد أنها لا تفي بالحاجة أبدا لسبب بسيط وهو أن هذه الهياكل غير كافية من حيث العدد وغير ملائمة من حيث التجهيزات والتوجه ومن حيث التأطير الذي لا يأخذ بعين الاعتبار الكفاءة والوازع الحداثي عند إسناد المسؤوليات التنفيذية حلى نحو خاص. في هذا الإطار، نرى عدة ثغرات في الهيكلة وتوزيعها عربيا حسب التخصص والحاجة من جهة ومن جهة أخرى فلا يوجد مشروع ثقافي وفكري عربي موحد مؤسس على الأهداف المشتركة وعلى التنوعات الثقافية وعناصر الهوية وقابل للتطبيق في الميدان.

إن الكتاب العربي محاصر ولا يوزع بسلاسة وبعيدا عن قيود الأنظمة العربية ثقيلة الوطأة، وأن واقع توزيع الكتاب العربي المزري ينسحب أيضا على كل الأشكال الثقافية الأخرى كالمسرح والمسلات التلفزيونية، والمنابر الثقافية والفكرية مثل المجلات والصحف ذات الطابع الثقافي والفني والفكري وغيرها. وهكذا نجد أمامنا قيود الدولة القُطرية الفولاذية الموغلة في الانعزالية تحطم أمال وطموحات مواطنينا المتعطشين والمتعطشات إلى تجسيد التوزيع الديمقراطي الحر لكافة أشكال الغذاء الثقافي على مستوى الجغرافية العربية كبداية ثم الانطلاق إلى آفاق العالم الرحبة.


شبح “الأميات”


على مستوى تجاوز التخلف الثقافي المركب بكل مصادره وتجلياته نرى أن الدول العربية لم تخط خطوات إلى الأمام مقارنة بما كان عليه الوضع في عام 2008 مثلا، وبهذا الخصوص يكشف تقرير مؤسسة الأيام للصحافة والنشر وذلك بناء عن الوقائع النموذجية الملموسة التي نقلها تقرير مؤسسة “الفكر العربي” الصادر في عام 2008 عن “تدهور الثقافة في الوطن العربي”.

وفي العام الحالي 2013 تلاحظ الأمينة العامة المساعدة لمؤسسة ” الفكر العربي منيرة الناهض أن الوضع لم يتغير جذريا، وأكدت في يوم 4 من هذا الشهر ما معناه أن “الترابط بين التعليم والبحث العلمي وأسواق العمل، والتنمية لم تتكامل سياساته ولم تتضافر أدواره” في البلدان العربية سواء على نحو منفرد أو على مستوى العلاقات البينية فيما بينها. ومن الملاحظ أيضا أن معدل الأمية، أي أمية القراءة والكتابة فقط، لا يزال مرتفعا في عدد من الدول العربية، وبهذا الصدد نجد تقارير التنمية البشرية المتواترة الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة قد بينت منذ 2008 وحتى يومنا هذا أن معدل هذا النمط من الأمية لا يزال يتراوح بين 30 بالمئة وبين 40 بالمئة، أما الأمية التقنية والعلمية، والمهنية فحدث عنها ولا حرج لأنها ضاربة بأطنابها حتى بين صفوف خريجي الجامعات والمعاهد العليا وحملة شهادات الدكتوراه في كافة التخصصات.

هناك مشكلات كثيرة أخرى ذات صلة بالبنيات المادية في مجال الثقافة العام فضلا عن العراقيل الخطيرة جدا والتي تحول دون خلق بيئة ومناخ الإبداع المعرفي ببلداننا ودون قيام شروط النهضة الثقافية والفكرية ونذكر هنا ما يتعلق بحقوق التأليف التي تعد من القضايا التي تمس مباشرة حقوق الإنسان في الوقت الذي تعتبر عقبة كأداء تحطم المبدعين والمفكرين ببلداننا.


قانون جائر


إنه لا يعقل إطلاقا القبول بقوانين غير عادلة مثل القانون الذي يمنح للمؤلف 10 بالمئة في حين تمنح 90 بالمئة للناشر والطابع معا علما أن المؤلف هو صاحب الإنجاز الذي بدونه لا يمكن أبدا أن يبرز إلى الوجود. إن قانون المؤلف في العالم العربي هو أكبر مسخ يحطم المعنويات ويجعل المؤلف سواء كان شاعرا أو فيلسوفا أو عالم اجتماع مجرد حشرة تداس بالنعال و تحقر تحقيراً لا نظير له في التاريخ.

◄ الأمية المركبة لا تزال تحكم العمل الثقافي العربي

◄ قانون المؤلف يجعل المبدع العربي مجرد حشرة تداس بالنعال

◄ ثقافة الطائفية والشللية والذكورة الاستبدادية تعوق بناء الديمقراطية

إن مثل هذا القانون يجعل المنتج / المؤلف لعبة بين أيدي ما يسمى بوسطاء الثقافة الانتهازيين. إلى جانب هذه القضية الخطيرة تبدو قضية اتحادات الكتاب والأدباء العربية في حاجة ماسة إلى زلزال حقيقي لتغيير طريقة العمل فيها لأنها تسيَّر من طرف أشخاص هم في الواقع أبعد ما يكونون عن صفة الأديب والمفكر الخلاق. إن الشيء نفسه ينطبق على وزارة الثقافة في العالم العربي حيث نجد المديريات المركزية الحساسة فيها تسند إلى موظفين بيروقراطيين لا علاقة لهم أو لهن بالثقافة والإبداع والفكر من قريب أو من بعيد بل فن هؤلاء يمثلون عقبة أمام ازدهار الثقافة.

أمام هذا الوضع الذي تغلب عليه السلبيات هناك أيضا ضعف هائل في مستوى الإنتاج السينمائي، والمسرحي، وفي صناعة الكتاب، وغيابا شبه كامل عن ساحة بناء النظريات والمفاهيم الفكرية والفلسفية والعلمية والفنية، واكتشاف الأساليب الجديدة في الإبداع الأدبي والفني الأمر الذي جعل ولا يزال يجعل إنتاجنا وكذا شكل تقديمه للناس دون مستوى المعايير الدولية المتعارف عليها وبذلك نبقى ندور في المواقع الخلفية في الساحة العالمية.

بالإضافة إلى ما تقدم فإن بلداننا تعاني من تخلف ثقافة تصميم معمار الريف والمدن والطرقات وانعدام مؤسسات التكوين والإطارات المكونة الأكثر حداثة وتطورا مما أدى ولا يزال يؤدي إلى تغييب وتأجيل مشروع بناء مجتمعات الجماليات عندنا بما في ذلك جماليات الأخلاق والسياسة.

وفي الواقع فإن القضية الكبرى المطروحة الآن على واقعنا من المحيط إلى الخليج ليست متمثلة فقط في ضرورة إعادة النظر جذريا في البنيات المادية وفي القوانين وطرائق التعامل مع الثقافة وتسيرها بل إنها تتمثل أيضا في إعادة النظر راديكاليا في مفهوم الثقافة نفسها وعلاقاتها بالإنسان الذي نريد أن نبنيه وبالمجتمعات التي نأمل أن نؤسسها على أنقاض واقع الديكتاتورية بكل أطيافها وأطنابها وتشكيلاتها وتجلياتها في الدول العربية، حيث تسيطر الرأسمالية المتوحشة المستوردة والمتقنعة بأقنعة ثقافية شتى، فضلا عن ثقافة الطائفية والقبلية والعشائرية والشللية الانتهازية والذكورة الاستبدادية التي لا تزال تعوق عمليات بناء الديمقراطية في فضاء مجتمعاتنا.


اقرأ المزيد عن الحصاد الثقافي


الحصاد الثقافي المغربي: العروي يخرج عن صمته


الرواية العربية أنثوية وذكورية وانفتاح حذر على الشارع

16