حصار حلب الشرقية يصل إلى بطون السكان

لا ذنب للمدنيين السوريين الذين يعيشون في حلب غير أنهم يسكنون أحياء المنطقة الشرقية، فقد دفعوا ومازالوا يدفعون الثمن باهظا بعد أن حاصرت قوات النظام المنطقة، إذ شحت المواد الأساسية التي أصبحت أسعارها جنونية رغم عدم توفرها، كما أن المحروقات فُقدت لتصعب عملية التنقل، وصار سكان هذه الأحياء لا يعرفون مصيرهم بعد أيام من الحصار القاتل.
الخميس 2016/07/14
اليوم خبز، وغدا..؟

حلب- يقف أحمد الحاج في طابور طويل وينتظر مع العشرات من الأشخاص الآخرين، إلى أن يحين دوره ليشتري سبعة أرغفة خبز من أحد الأفران القليلة التي لا تزال تعمل في الأحياء الشرقية من مدينة حلب المحاصرة بشكل شبه كامل من قوات النظام السوري منذ أيام.

يقول أحمد (42 عاما) وهو ينتظر أمام فرن في حي المشهد “مضى على وقوفي هنا قرابة 45 دقيقة ومازال أمامي نحو 40 شخصا”.

يستأنف أحمد حديثه موضحا ومعالم الإرهاق بادية على وجهه “البارحة لم نأكل الخبز أنا وعائلتي المؤلفة من خمسة أفراد، بسبب توقف الأفران عن العمل، واليوم سأحصل على سبعة أرغفة فقط، وقد لن تكفينا لأكثر من وجبة طعام واحدة”، وهي الكمية المحددة لكل شخص سعيا إلى توفير الخبز لأكبر عدد من الناس.

ويضيف بحسرة “سأطلب من زوجتي أن تعدّ لنا المجدرة (طبق من أرز وعدس) من أجل الغداء، لنأكلها من دون خبز”.

وباتت الأحياء الشرقية التي تؤوي أكثر من مئتي ألف شخص وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، محاصرة عمليا.

وحذرت الأمم المتحدة في بيان الأربعاء من أن الأحياء الشرقية “مهددة بالحصار”، معربة عن “قلقها العميق إزاء العنف المتصاعد في مدينة حلب ومحيطها الذي يتعرض فيها مئات الآلاف من الأشخاص لخطر الموت أو الإصابة بجروح”.

أحياء بلا خبز ولا خضار

وبدأ سكان الأحياء الشرقية يعانون جراء قطع طريق الكاستيلو، إذ فرغت غالبية محال الأفران والبقالات وبسطات الخضار وغيرها من البضائع والمواد الغذائية والطحين وحتى المحروقات. وتعتبر طريق الكاستيلو طريق الإمداد الوحيد إلى الأحياء الشرقية.

في حي الفردوس، يبحث أبوأحمد (43 عاما) في سوق للخضار عن البطاطا التي بلغ سعر الكيلو الواحد منها 500 ليرة سورية (دولار واحد) مقابل مئة ليرة سورية قبل قطع طريق الكاستيلو.

ويقول “لدي أربعة أولاد ولا أعلم ماذا سنأكل اليوم”. ويضيف “الأسواق فارغة تماما ولم أجد شيئا حتى الآن، كل شيء تقريبا مفقود؛ البيض واللبن والجبن والخضار…”.

وفي حال وجدت البضائع، وهو أمر نادر، فإن أسعارها باتت مرتفعة جدا.

في اليوم الأول لانقطاع طريق الكاستيلو، أغلقت البعض من المحال أبوابها لتحافظ على بضائعها، وعاودت فتحها في اليوم اللاحق لكنها رفعت الأسعار بسبب النقص الشديد في المواد الضرورية.

ووصل سعر كيلو البندورة على سبيل المثال إلى 600 ليرة سورية (1.2 دولار) بعدما كان سابقا لا يتجاوز 150 ليرة فقط. كما بلغ سعر كيلو التمر 800 ليرة (1.6 دولار) مقابل 400 ليرة قبل أيام.

ويبدي أبوأحمد خشيته من تدهور الأوضاع أكثر، قائلا “أعمل خياطا وراتبي الشهري 25 ألف ليرة سورية (50 دولارا) لكن الأسعار باتت مرتفعة جدا الآن، وعلى هذا النحو، فإن راتبي لن يكفيني إلا لأسبوع واحد فقط”.

في حي الكلاسة القريب، أضحت السوبرماركت التي يملكها محمد حجازي (38 عاما) شبه فارغة من المواد الغذائية الرئيسية، ولم تبق فيها سوى مواد التنظيف والعطور وغيرها من المنتجات التي تحولت إلى كماليات ولم يعد أحد يهتم بها.
ويقول حجازي “شهد محلي خلال اليومين الماضيين إقبالا شديدا، فالجميع أتى لشراء المعلبات والتمر للتخزين”.
طابور طويل لأجل كم من رغيف

ومن أجل تفادي نفاد البضائع بسرعة، يقول حجازي “قمت بتحديد كمية معينة يمكن للشخص الواحد أن يشتريها لأغطي حاجة أكبر عدد من سكان الحي” قبل أن يضيف “لكن اليوم انتهت بضاعتي تقريبا”.

ولا تقتصر الأزمة في الأحياء الشرقية على عدم توفر المواد الغذائية، بل هي ناتجة أيضا عن فقدان المحروقات من مازوت وبنزين وغاز وهي المواد الضرورية لتشغيل الأفران والبرادات.

وارتفع سعر أسطوانة الغاز في الأيام الأخيرة إلى 12 ألف ليرة (24 دولارا) بعدما كانت ستة آلاف (12 دولارا) في السابق. ووصل سعر لتر البنزين إلى ألف ليرة (أي دولارين) أو أكثر إن وُجد، مقابل 450 ليرة في السابق.

ونتيجة هذا النقص في المحروقات، توقف الكثيرون عن ممارسة أعمالهم وأصبحت الشوارع شبه خالية من السيارات.

وقرر حسن ياسين (25 عاما) إيقاف سيارة الأجرة التي يملكها وحفظها، لعدم توفر الوقود فضلا عن خشيته من القصف المتواصل لقوات النظام على الأحياء الشرقية.

ويقول ياسين “لا أعمل خلال النهار بسبب القصف وفي العادة أتجول بسيارتي للعمل خلال المساء فقط. أما اليوم، فلم يعد هناك زبائن ولتر البنزين وصل إلى 1500 ليرة، وباتت أقصر رحلة تكلف الزبون 700 ليرة”. ثم يختم “خبأت سيارتي وسأبقى في البيت من دون عمل في الوقت الحالي”.

20