حصالة الزمن

الاثنين 2016/04/18

ألقي في جوفها الكثير من القروش والقليل من الجنيهات فتبتلعها وكفى، أما أنا فلا أكتفي بهذا ولكن أظل ألقمها بما تبقى من مصروفي وأؤرجحها بالهواء.. تتقافز يمنة ويسرة تسمعني صوت تأرجح قروشي في معدتها أشبه بشخللة تسعد طفلة لم تتخط عامها السابع بعد.

الحصالة كانت تكبر معي عاما بعد عام، تكتسب وزنا إضافيا كل يوم وتزداد ثقلا حتى لا أقدر على حملها. في الحصالة أدخر ما فاض عن حاجتي من مال على قلته وأدخر الكثير من الذكريات لكل مبلغ أضعه بداخلها، فهو يحمل أكثر من مجرد رقم، يحمل المعنى. فكرة الحصالة في الأساس قديمة ضاربة في عمق التاريخ ولكنها فكرة رائعة تربي الأطفال على ثقافة الإدخار وتنمي بداخلهم الوعي برمزية وأهمية الحصالة حتى صارت ثقافة شعبية نورثها لأبنائنا ونزرعها بداخلهم، وهذا ما يفسر الشكل الدائري الأول لها والذي يرمز لنهد الأم مصدر الخير والعطاء.

وبداخلنا أيضا حصالات كثيرة وخزائن بأشكال مختلفة تبدع ذواتنا في صنعها وزخرفتها ورسم أطرها والإضافة إليها أو الحذف منها بالكثير من الرتوش، خزائن ذكريات وبقايا طفولة أو ركن مغلق بقلب كل منا يتحول مع الزمن إلى بيت مهجور يحمل لافتة “ممنوع الاقتراب أو التصوير”.

وأكثر الحصالات مرارة هي حصالة الوجع والهموم في قلوب استعذبته وتوحدت معه حد الذوبان، نحاول استرجاع أوجاعنا وإعادة إنتاجها أكثر من مرة، نتألم في مشهد فائت ولكننا نعيده إلى ذاكرتنا آلاف المرات، نراجع تفاصيله، نجلد أنفسنا على مواقف باتت ذكرى قديمة ومنسية في حصالة أوجاعنا وخزائن آلامنا حتى إذا ما مارست فضيلة النسيان عملها في إراحة أنفسنا المعذبة، وأسدلت الستار على وجع ما، وداوت جراحا لم يشفها إلا مرور الزمن جاهدنا أنفسنا في إعادتها مرة أخرى إلى الواجهة.

ثقافة الحصالة وجمع الأشياء إلى جوار بعضها البعض وتصنيفها وفقا للنوع (مال، أوجاع، صداقات، قصص حب غير مكتملة، جراح) هي ثقافة متأصلة بداخلنا منذ الصغر ولكن البعض يستسلم للاكتئاب بالعدوى فيجمع جراحه إلى جانب بعضها ويضمها في قلادة حزينة لا تفارقه وتخنق جيده، أو بالمقابل يستجيب للفرح بالعدوى فيغزل بأفراحه ثوبا جميلا يهديه لأهله وأحبته كل صباح، كل وفق اختياراته وتفضيلاته وما يرسمه لنفسه من طريق، نحن من يختار أشياءنا التي نجمعها في حصلاتنا فعلينا أن نحسن الاختيار ونتقن فن التجميع.

وحصالة النفس، تلك التي نجمع بها ما يعترضنا من مواقف وبشر، نأرشف لكل منهم ملفا شائكا بالروح، نزيد كل يوم عليه شعورا ما أو يضيفون هم إليه بما يأتونه من أفعال.

ما بين الحب والحرب حرف واحد، هناك من يضيفه وهناك من يحذفه، وسواء كان بالحذف أو الإضافة فإنه يملأ خانته بالحصالة ويرسم حدود مكانته لديك.

فالسعادة من وجهة نظري اختيار، والحزن اختيار، الحب أو الكراهية اختيار، الصداقات اختيار، جميع أحوالنا النفسية والمزاجية وعلاقاتنا الاجتماعية من صنعنا نحن فما علينا إلا أن نحسن اختياراتنا وندرك تلك القوة الهائلة التي تكمن في داخلنا وتحرك طاقتنا الإيجابية نحو الصعود فنملأ دواخلنا بالحب، أو تأكل من قدرتنا على الحب وتزودنا بطاقة سلبية تبعث في نفوسنا كراهية مصطنعة وتحرضنا على خوض حروب نفسية، فانظر بماذا تملأ حصالتك الشخصية وتلك التي تشترك في حصة فيها مع الآخرين.

21