"حصان طروادة" متشدد يخترق المؤسسات التعليمية في بريطانيا

السبت 2014/06/28
مخاوف متصاعدة في الأوساط البريطانية من خطر الإسلام الراديكالي

لندن – مخطط "حصان طروادة" صعّد الجدل في بريطانيا حول خطر الإسلاميين المتشدّدين ونبّه إلى مؤامرة تستهدف اختراق نظام التعليم العام بالمملكة المتحدة تقودها جمعيات خيرية ومسؤولون في الحكومات البريطانية، كثير منهم يعتنقون الإيديولوجية الإسلامية المتشددة.

حذرت رسالة قالت السلطات البريطانية إنها مجهولة المصدر، من مخطط لمتشددين متنفذين داخل مؤسسات تعليمية حكومية في المملكة المتحدة، لتغيير محافظي المدارس في المناطق التي توجد بها أعداد كبيرة من المسلمين، ثم تقويض سلطة إداراتها وإحلالها بإدارات ومدرسين أكثر تعاطفا مع برنامجهم الديني. و ذكرت الرسالة، التي كشف النقاب عنها في مارس الماضي، أن بعض المدارس في برمنغهام بدأت في تطبيق تلك الخطة.

حالة طوارئ سادت المجتمع البريطاني ودقت المعارضة ناقوس الخطر، إثر استلام الهيئة البريطانية للرقابة على التعليم في المدارس “اوفستيد”، الرسالة، التي أصبحت تُعرف اليوم بـ”عملية “حصان طروادة”. وأمرت السلطات المختصة، على الفور، بإجراء تحقيقات وتفقّد دقيق للمدارس المذكورة في الرسالة، وعددها 21 مدرسة، ولمختلف المدارس والمراكز والمؤسسات التعليمية في بريطانيا.

قاد حملة التفتيش رئيس “الأوفستد” السير مايكل ويلشو، الذي وصف الوضع قائلا في تقريره: “بعض التفاصيل تدعو إلى القلق، بل وإلى الخوف”. وختمه بتحذير يقول فيه إن “العديد من المدارس لا تؤهّل الأطفال للحياة البريطانية العصرية”.

قام ويلشو ، ومتفقّدوه، بزيارة 21 مدرسة، منها 6 مدارس ببرمنغهام، تعرّضت لعملية اختراق خطيرة وتم بها فرض بعض المتشددين أيديولوجيات متطرفة، على غرار منع الموسيقى واستخدام التمويلات الحكومية لإنشاء مدرسة داخلية تفصل بين المسلمين وغير المسلمين من الطلاب، وهو ما اعتبره المفتشون مؤامرة إسلامية لاختراق نظام التعليم العام ببريطانيا.

رالف غضبان: تطرف المسلمين يغذي العداء للإسلام في الدول الأوروبية

وكشفت التحقيقات أنه تتمّ الدعوة إلى الصلاة (الأذان) من فوق مبنى إحدى المدارس، بينما يقتصر تدريس علم الأحياء والتربية الجنسية على “الامتثال للتعاليم الإسلامية المحافظة” في مدرسة أخرى.

تضمّنت تقارير التحقيقات صورة موثّقة وشهادات حيّة تكشف هذه الممارسات المتطرّفة داخل المدارس البريطانية، من ذلك شهادة مدرس سابق بمدرسة “بارك فيو هاي سكول”، التي أدرجت في لائحة المدارس المعاقبة، قال فيها إن مدير المدرسة أعرب عن آراء راديكالية مثيرة خلال المجالس المدرسية، بما في ذلك تأكيده للطلاب صراحة أن الولايات المتحدة الأميركية هي “مصدر كل الشر في العالم”.

أضاف الشاهد أن المدرسة استضافت العام الماضي الواعظ المتطرف، شادي السليمان، الذي سبق أن دعا الله إلى “نصرة جميع المجاهدين في جميع أنحاء العالم” و”الإعداد للجهاد”.

في ذات السياق، ذكر المفتشون أنه، “في إحدى المدارس، توصف المرأة الغربية بأنها “مومس بيضاء” لأطفال في سن السادسة، كما يُمنع الاحتفال بعيد الميلاد باعتباره “غير إسلامي””.

وجاء في تقرير عن “وكالة تمويل المدارس″ أن مجلس أمناء “بارك فيو التعليمي”، الذي يدير ثلاث مدارس في برمنغهام جعل المناهج الإسلامية في صدارة اهتمامها، كما كشف التقرير أنه تم فصل الفتيات عن الأولاد، كما أنها لم ترحب بالطلاب غير المسلمين على الرغم من أنها ليست مدارس إسلامية .

وأضاف التقرير أن مجلس أمناء مدرسة برمنغهام وضع منهجا دراسيا اقتصر في بعض أجزائه على منظور إسلامي محافظ، واصفا المنهج الذي شمل دروس الاقتصاد والصحة والمجتمع بأنه ذو طابع إسلامي.

من جانبه يقول المجلس المحلي إنه يقوم بالتفتيش في 25 مدرسة أخرى بسبب تلقيه نحو 200 اتصال بخصوص هذه المدارس، وتم تعيين مسؤول على هذه المسألة، كما ستقوم مجموعات مشتركة من أعضاء البرلمان وأعضاء المجالس المحلية واتحادات المدرسين والشرطة والقيادات الدينية بمتابعة الأمر.

وقد أكدت صحيفة “تيليغراف” البريطانية صحة ما يدور في بعض المدارس ناقلة عن مراقبي وزارة التعليم أن الفتيات في أكبر مدرسة في المدينة، محور مؤامرة “حصان طروادة”، يجبرن على الجلوس في الصفوف الخلفية في المدرسة، بالإضافة إلى تخصيص وقت لداعية إسلامي متطرف للتحدث مع الأطفال الصغار.

مدارس بريطانية متورطة في عملية «حصان طروادة»

وعلى ضوء ما توصّلت إليه تحقيقاتهم، قام المفتشون بفرض عقوبات على المدارس الست ببرمنغهام بتهمة ترويج آراء متطرفة، مصرحين بأن المدارس المعنية فشلت في تقديم برامج تعليمية متوازنة.

وقد وصفت “أوفستيد” التحقيقات في مدينة برمنغهام، ثاني أكبر مدينة ببريطانيا، بأنها أكبر عملية تفتيش منسقة تقوم بها بسبب الخوف من التطرف، وشملت عملية التفتيش مدارس ابتدائية وثانوية وأخرى تابعة للسلطات المحلية والمدارس المسماة أكاديميات. ويشرف على التحقيقات هيئة “أوفستيد”، ومجلس بلدية برمنغهام، ووزارة التعليم، ووكالة تمويل التعليم.

اعتبارا من شهر سبتمبر القادم، يضع إذن وزير التعليم البريطاني برنامج “القيم البريطانية” حيز التنفيذ، الذي تُجبر في إطاره المدارس على العمل بكل نشاط لترويج قيم “الديمقراطية والحرية والتسامح واحترام سيادة القانون والمعتقد الشخصي والمسؤولية الاجتماعية واحترام المؤسسات البريطانية”، حسب رئيس الوزراء البريطاني.

وهذه الخطة كان قد أقرّها مايكل غوف، وزير التعليم، الذي أعلن أن على وزارته أن تواجه مساءلة حول فشلها في الكشف عن هذه التعاليم والمبادرات المتطرفة وردعها في الوقت المناسب. وقال: “يجب أن نعترف بأنه كان هناك فشل في الماضي في التصدي للتطرف غير العنيف”.

اختراق المتطرفين يتم عن طريق
◄ التعليم

◄ الجمعيات الخيرية

◄ المنظمات الإسلامية

ولئن لاقت الفكرة انتقادا حادا اعتبرها “غامضة وغير قابلة للتطبيق”، إلّا أنّ غوف فاز بدعم علني من ديفيد كامرون الذي أكّد أنّ فكرة غوف “ستحظى بتأييد شامل وواسع من الجميع، بما في ذلك الأجانب الذين قدموا للاستقرار ببريطانيا”.

وتتعارض آراء المسؤولين البريطانيين بشأن استراتيجيات معالجة هذا التهديد. نادى مايكل غوف بالتدخل المبكر للحدّ من ظاهرة “التعليم المتطرّف” التي بدأت تنتشر بشكل ملفت في أوساط المسلمين في بريطانيا، سواء الجالية المسلمة أو البريطانيين الذين اعتنقوا الإسلام. مقابل ذلك اعتبرت وزارة الداخلية، المسؤولة عن قوات الشرطة والأمن، أنّ تضييق الخناق قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

أثار نشر تفاصيل تقارير المفتشين بشأن ما يحدث في المدارس البريطانية موجة غضب عارمة في أوساط الرأي العام البريطاني تنادي بمعالجة خطر التطرّف في المملكة المتحدة.

قالت هيئة تقييم المدارس البريطانية «الأوفستد» إن طاهر علام، رئيس هيئة مديري أكاديميات «بارك فيو»، أحد قادة عملية «حصان طروادة»

وصعدت وزيرة الداخلية البريطانية تريزا ماي من انتقاداتها لوزير التعليم البريطاني، مايكل غوف، بعد تداول معطيات تشير إلى أن الوزارة كانت على علم بالمخطط منذ 2010، بعد أن قال أحد مديري المدارس في برمنغهام إنه أبلغ وزارة التعليم بشكوك حول ذلك المخطط منذ عام 2010.

ويشكّل المسلمون 4.8 بالمئة (2.7 مليون مسلم) من مجموعة سكان المملكة المتحدة. وقدّر عدد مدارس المسلمين في بريطانيا بحوالي 136 مدرسة منها 125 في القطاع الخاص، كما أن البلاد تحتوي على 1600 مسجد.

ووفق صحيفة “الديلي ميل” البريطانية أدى امتلاك المسلمين لعديد المحال التجارية إلى تصاعد ظاهرة “المطاعم الحلال”، في الوقت الذي تراجعت فيه الحانات والنوادي.


التطرف يعمّق الإسلاموفوبيا


مؤامرة “حصان طروادة” وتغير لهجة الحديث عن الجهاديين وتوسّع رقعة خطرهم العابر للقارات، والكشف عن تغلغل جماعة الإخوان المسلمين في بريطانيا وأميركا وكثير من دول العالم، ومحاولة ركوب هؤلاء على مطية الأعمال الخيرية لنشر أفكارهم، كل هذا أثار نقاشا شعبيا حادا معقّدا حول تعريف “مفهوم التطرّف الإسلامي”.

المملكة المتّحدة قدّمت، في ضوء المتغيرات الطارئة، تعريفا جديدا يقدّم “التطرّف الإسلامي” على أنه “المعارضة باللفظ أو بالفعل للقيم البريطانية الأساسية، بما في ذلك الديمقراطية وسيادة القانون والحرية الفردية والاحترام المتبادل والتسامح مع الديانات والمعتقدات المختلفة”.

وبشكل أعم عرفّت هذا المصطلح بأنه “أيديولوجيا تتهم الغرب بشن حرب على الإسلام”.

تأتي قضية المدارس في بريطانيا بالتزامن مع تصاعد الجدل حول “التطرّف الإسلامي” الذي يقول خبراء إنه رفع من مستوى ظاهرة الإسلاموفوبيا في العالم، وعاد بالضرر على الجاليات المسلمة المعتدلة في كثير من البلدان.

في هذا السياق، حذّر ر جوناثان مازر، باحث بريطاني شارك في إعداد دراسة عنوانها “الإسلاموفوبيا وجرائم معاداة المسلمين” من أن “جرائم الكراهية للمسلمين مشكلة كبيرة وحقيقية لمسلمي بريطانيا يواجهونها كل يوم”.

ويؤكّد الخبراء أن هذه الاعتداءات لم تعد مجرد رد فعل على هجمات وشعارات معادية للغرب، بل هي سياسة اجتماعية قد يذهب ضحيتها المسلمون المعتدلون الرافضون للفكر المتطرّف.

وحمّل الباحث الألماني رالف غضبان، المختص في الدراسات الإسلامية، المنظمات الإسلامية المتطرفة وزر ارتفاع العداء الغربي للمسلمين.

رسم كاريكاتوري تداولته وسائل الإعلام البريطانية ينتقد عملية «حصان طروادة»

وفسر الباحث ، اللبناني الأصل قائلا إن “الجاليات المسلمة في الغرب، وخاصة في أوروبا فسحت المجال للمنظمات المتطرفة الإسلامية للسيطرة عليها.

فنلاحظ أنه في جميع الدول الأوروبية أن الجمعيات الإسلامية التي تدير شؤون المسلمين الدينية هي جماعات تميل بشكل عام إلى الإخوان المسلمين أو التيارات المتشددة”.

يأتي الكشف عن مخطط “حصان طروادة” متزامنا مع فتح تحقيق بشأن خطة مزعومة لإقالة مديري بعض المدارس في مدينة برمنغهام، وسط إنكلترا، وجعل تلك المدارس أكثر التزامًا بالمبادئ الإسلامية، وأيضا يتزامن ذلك مع انطلاق التحقيقات في شأن نشاطات تنظيم جماعة الإخوان المسلمين على الأراضي البريطانية، ومع تصاعد التحذيرات من تنامي وجود المجموعات المتشددة في أوروبا بعد تزايد أعدد المتطرفين القادمين منها إلى سوريا.

وربط المراقبون محاولات نشر التطرف في مدارس برمنغهام في الفترة الأخيرة بقرار الحكومة البريطانية بفتح تحقيقات موسعة حول أنشطة جماعة الإخوان في بريطانيا للتأكد من علاقتها بالإرهاب، حيث تداولت العديد من التقارير النفوذ الموسع لجماعة الإخوان المسلمين عبر الجمعيات والمنظمات الحكومية وغير الحكومية التي تستخدمها غطاء لاستمرار أنشطتها.

وقد صعدت بريطانيا من حملتها ضد مظاهر التطرف، خاصة بعد سفر مئات الشبان المسلمين البريطانيين إلى سوريا للقتال، مما أثار قلق الأجهزة الأمنية التي تخشى أن تصبح بريطانيا عرضة لعمليات إرهابية لدى عودة الجهاديين إليها، وهو ما جعلها تتخذ إجراءات متشددة ضد المجموعات الإسلامية وعلى رأسها الإخوان والمنظمات التابعة لها أو المنفصلة عنها والتي تحمل طابعا إسلاميا.

وهذا ما عبر عنه رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كامرون بالقول إن بلاده تساهلت مع ما أسماه “التشدد الإسلامي” أكثر مما ينبغي في السابق، وسمحت بازدهار لغة الخطاب العنيف، متعهدا باتباع نهج “قوي” للتصدي للمشكلة.


إقرأ في العرب أيضا:



*راية الجهاد سترفرف فوق لندن



*الأصوليون يخترقون مدارس بريطانيا

6