حصتنا من السخرية

السخرية منتشرة في كل مكان. الجميع يكتب ويصوّر ويعلّق، والمنصات الرقمية بمختلف أنواعها تنتظر. مهنيا يجب أن تقدم شيئا أفضل بكثير لكي تقول ها قد عدنا.
الأربعاء 2020/10/07
برنامج يعيد تصوير الأسبوع السياسي بكل سخرية

السخرية في عالمنا العربي دمها ثقيل. ليس لأن العربي ليس ساخرا. كمية النكات والتعليقات الساخرة التي تصلنا يوميا عن الشخصيات العامة، السياسية والفنية والدينية بالخصوص، لا تفتقد إلى روح الفكاهة. ثمة الكثير من الهزل والتعليقات المصاحبة من المتابعين على الشبكات الاجتماعية وبواسطة رسائل واتساب المباشرة أو عبر منصات الفيديو. لكن صاحب الدم الثقيل هو المتلقي. مجتمعاتنا تفتقد إلى الأريحية اللازمة لتلقي السخرية عنها وعمن تمجّد وتشجّع.

السياسيون يكذبون. ومن أكاذيبهم تنطلق السخرية. أن تمسك بهم متلبسين ثم تقلب الموقف ضدهم، فهذه حالة صحية. السياسيون لديهم بلادة وقلة إحساس. أن ترصد مثل هذا السلوك، خصوصا لدى السياسيين المزمنين ممن يرفضون مغادرة المشهد والتقاعد، وأن تكتب عنه أو تقتطع مشاهد وتعلّق عليها، فذاك جزء من حالة صحية من الضروري أن تتم رعايتها والاستثمار فيها اجتماعيا. ها هو تأليه السياسيين في عالمنا العربي قد أوصلنا إلى ما وصلنا إليه. ها هم من كانوا يمجدون ينتهون نهايات مأساوية، ويسحبون معهم بلادهم. ماذا لو أنصتوا وأنصت مريدوهم لما كان يثار من فكاهة مُرّة عن حال الناس والبلاد؟ لربما كانت فرصهم أفضل في البقاء.

السياسيون، ورجال السلطة بالخصوص، يمتلكون القوة والبطش. الناس تخافهم وتتجنب شرهم. مريدوهم يتفانون في الولاء لاعتبارات من الصعب جمعها في قائمة واحدة مصلحية أو نفسية أو عاطفية. ولكن ماذا عن الفنانين؟ هم شخصيات عامة ومن حق الناس أن تتناول تفاصيل في حياتهم. السخرية ليست تجريحا بالضرورة، لا للفنان ولا للمتيم به. المطرب يتقدم به العمر. صوته يتغير وشكله. ممنوع أن تسخر من صوت حرقه التدخين والكحول والسهر. كيف تهاجم ممثلة لا لشيء إلا لأنها شدت خدودها وصار وجهها وهي تمثل بلا تعابير. هذا مطرب الجماهير وهذه فنانة الأجيال وتلك السندريلا الجديدة. مراتب يخترعها خبراء العلاقات العامة وتصبح حقائق تحمي صاحبها من السخرية. هو أو هي يزعل أو تزعل، لكن الزعل الأكبر يأتي من المعجبين والمعجبات. السياسي يطاح به في انقلاب. كيف يمكن إعداد انقلاب على فنان؟

كنت من مشاهدي برنامج “سبيتينغ ايميج” البريطاني في نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات. دمى بوجوه ممسوخة تعيد تصوير الأسبوع السياسي بكل سخرية. ما فعله البرنامج بمارغريت تاتشر لا يوصف. الطريقة التي كان يسخر بها من وريثها “الرمادي” جون ميجر ربما كانت أحد أسباب عقده النفسية. كمية اللعاب التي كانت تتطاير من فم دمية نائب رئيس حزب العمال المعارض روي هاترسلي استثنائية، حتى بمعايير هاترسلي نفسه الذي كان يرشق مايكروفونات الصحافيين برذاذ من لعاب لا يتوقف. شاهدنا صورا مضحكة للخميني والقذافي. كان الأمر لافتا لقادم من “قدسيات” الشرق الأوسط. لكني اكتشفت أنه مثير ومهم حتى للبريطانيين ممن يعتبرونه متنفسا أسبوعيا وتصفية حساب مع سياسييهم.

عاد البرنامج الآن ثانية، ولكن في بيئة غير مريحة. أولا، السخرية منتشرة في كل مكان. الجميع يكتب ويصوّر ويعلّق، والمنصات الرقمية بمختلف أنواعها تنتظر. مهنيا يجب أن تقدم شيئا أفضل بكثير لكي تقول ها قد عدنا. لكن، ثانيا والأهم، الجو ملغم سياسيا واجتماعيا. ما هو المسموح وما هو الممنوع. يمكن أن تسخر من سياسي كما كان الأمر يحدث مع تاتشر. لكن هل مسموح لك السخرية من سياسي أسود مثلا؟ رذاذ اللعاب كان جزءا من كوميديا التعرض لسياسي. اليوم سيقولون لك هذا حالة إنسانية من المعيب تناولها. قائمة المحاذير تطول، لكن استعدادنا للضحك ما زال على حاله.

24