"حصن المجانين" فيلم يحكي قصص اللاجئين الهاربين من جغرافيات الموت

عُرفت المخرجة الجزائرية الفرنسية ناريمان ماري على الساحة الثقافية بلغتها السينمائية المميزة منذ فيلمها الطويل الأول “لوبيا حمرا” (إنتاج 2013)، والفيلم الذي شارك في العشرات من المهرجانات السينمائية العالمية، يشكل بداية تكوّن ملامح تقنية العمل التي تتبناها ماري من حيث تبني الغرائبيّة وحكايات الهوامش وتقنيات اللعب في سبيل تقديم نقد ثقافي بصريّ للبنى السياسية وأنظمة الهيمنة.
الجمعة 2017/11/03
بحث في تقنيات هيمنة الاستعمار

باريس - أنهت هذا العام المخرجة الجزائرية الفرنسية ناريمان ماري شريطها السينمائي الجديد “حصن المجانين” الممتد لـ140 دقيقة والذي ترشح لجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان لوكارنو السينمائي في سويسرا، كما رشحت مخرجته إلى جائزة أفضل مخرج صاعد في ذات المهرجان، إلى جانب عرض الفيلم في عدد من الصالات في فرنسا وكندا والولايات المتحدة.

وترسم ماري في “حصن المجانين” ثلاثة فضاءات لكل منها خصائصه السينمائية والثقافية، ففي القسم الأول الذي يستند إلى وثائق بعثة فرنسية علمية إلى الجزائر في القرن التاسع عشر وإلى خطاب لنيكولا ساركوزي في داكار، نشاهد معسكرا للتدريب في الجزائر، وهو حقيقة مدرسة ماري حين كانت صغيرة وقبلها كان منزلا لشارل ديغول، المؤدون الهواة في هذا المعسكر يلعبون أدوار المستعمرين والسكان الأصليين لفضح آليات الاستعمار العنصرية، إذ يخضع الشبان لسلطة تبشرهم بالاستعمار بوصفه دعوة إلى التنوير والارتقاء بالإنسان غير الأبيض.

وترسم ماري فضاء المعسكر بصورة رمزية وساخرة من تقنيات الاستعمار وخطابه، إذ نرى المؤدين يأخذون وضعيات مشابهة لتلك التي نراها في اللوحات الحيّة التي انتشرت بفرنسا في فضح لتقنيات “البروباغندا” التي وظفتها فرنسا الاستعمارية حينها، عبر حكاية مصوّر انتهك فضاء المعسكر ليكشف لنا كيف تصنع هذه “البروباغاندا”.

وتشرح ماري ملامح سياسات الموت المتبعة في الجغرافيات الُمستعمرة عبر تفكيك تقنيات الهيمنة التي ليست فقط مادية، بل رمزية وخطابية أيضا حتى تعيد تشكيل الفرد وذاكرته، إذ نرى القاطنين وضمن شروط اللعب يتدربون على القتال والعلوم الطبيّة وغيرها من تقنيات “التنوير”، وتبدو هذه الصيغة النقدية واضحة في تصرفات من يؤدون دور الفرنسيين الذين يتحدثون بلغة غير مفهومة لا للمشاهدين ولا حتى للموجودين في المعسكر من الباقين.

وفي القسم الثاني في الفيلم ترسم ماري الفضاء المضاد، سواحل لا نعرف بدقة أين هي، لكن يبدو لنا أنها اليونان، هذا الساحل يستقبل اللاجئين والمسافرين من كل مكان، وخصوصا سوريا والشرق الأوسط، الهاربين من جغرافيات الموت، هذا الساحل يرسم الصورة المضادة للمعسكر/ أنظمة الهيمنة، في محاولة لرسم مجمتع يوتوبي، يؤسس فيه الأفراد للعقد الاجتماعي بينهم دون سلطة، إذ لا توجد في البداية علاقات خضوع بالرغم من أن كلّا منهم ينتمي إلى أصل مختلف.

وهذه اليوتوبيا التي تبدو خالية من السياسة تتخلخل حين يموت أحدهم، لتبدأ العلاقات بين الأفراد بالاختلاف والتباين في سبيل معرفة القاتل، وكأن الموت هو محرك للسياسة بوصفها نظاما للهيمنة، وضبط علاقات البشر، فالهدف لم يعد الحياة وتغذيتها، بل دفع الموت والسيطرة عليه، عبر محاولة اكتشاف القاتل وتبادل التهم، وكأن الموت أساس للوعي بالعالم والنظام الاجتماعي.

وفي القسم الثالث من الفيلم الذي تدور أحداثه في اليونان يتحوّل الشريط إلى الصيغة الوثائقية، حيث نرى ماري نفسها تقوم بمجموعة من الحوارات مع الأناركيين في اليونان، في أحاديث عن الثورة والوقوف في وجه السلطة، لا في اليونان فقط، بل أي سلطة قمعيّة تستغل الشعوب وتنهبها، وفي هذه الحوارات نتلمّس مفاهيم رومانسية مرتبطة بالتغيير الاجتماعي والنضال العالمي، وذلك في سبيل تحرير الإنسان من سلطة الهيمنة وخصوصية الحالة اليونانية في هذه الفترة، لكونها بوابة اللاجئين إلى أوروبا من جهة ومثالا على فشل النظام الأوروبي من جهة أخرى.

وترى ماري أن الذاكرة واستعادتها تساعد في بناء الوعي والمقاومة وتفكيك آليات الاستعمار وأنظمة الاستبداد، فالفيلم يستعيد في القسم الأول ذاكرة الاستعمار وينتهكها بصورة ساخرة ولُعبيّة في بعض الأحيان، أما في القسم الثاني فتستعيد ماري الذاكرة القريبة تلك التي بنتها وسائل الإعلام والمرتبطة بالهجرة والرحيل نحو اليوتوبيا المتمثلة بأوروبا التي يسعى المهاجرون للوصول إليها، إذ عبر صيغة تشابه الوثائقي نراها تفكك صورة هذه اليوتوبيا للتساؤل إن كان بالإمكان تحقيقها، أما في القسم الثالث فتلتقط التجلي الماديّ للذاكرة عبر استعادة ذاكرة الثورات والتحرّر وحكاية الناشط اليوناني الذي يريد القتال لخلاص اليونان.

وفي القسمين الأول والثاني اللذين تطغى عليهما الصيغة المتخيّلة نتلمّس ملامح المحاكاة الساخرة لأنظمة التمثيل الاستعماري والهيمنة الثقافية، عبر تقنيات الأداء المسرحي أحيانا بوصفها تحمل قيمة نقدية تفكّك خطاب الهيمنة، فاستعادة الوثائق والصورة المرتبطة بالحقبة الاستعمارية في القسم الأول ضمن سياق اللعب والسخرية تسهم في إبراز الجوانب العنصرية التي تحويها، وكيفية تسييس هذه الجوانب وإخفائها عليها عبر بلاغيات وألاعيب لغويّة وتبطين الخطابات الدونيّة التي ترسخها، خصوصا أن الأفراد في المعسكر في القسم الأول يعون طبيعة هذه العلاقة ويكتشفون كيف تحولوا بفعل هذه البلاغة الاستعمارية إلى كائنات أدنى.

16