حضارة الأيقونات الزائفة

الخميس 2016/01/14

في “الكوميديا اللامتناهية” التي صنّفها النقاد ضمن قائمة أفضل مئة رواية في القرن العشرين، يصوّر الأميركي دفيد فوستر والاس انتصارَ ما يسمّيه مجتمع الفرجة، حيث انساق أهالي أميركا الشمالية -بعد أن صارت دولة موحَّدة تضمّ الولايات المتحدة وكندا والمكسيك- وراء برامج التلفزيون وما تروّجه من ترغيب في متع الحياة والاستهلاك المفرط، وبلغ بهم الإدمان أن صاروا يسعون بكل الوسائل الممكنة، حتى القتل، إلى الحصول على شريط فيديو من وضع إنكاندينسيا وأطفاله الموهوبين، وهم أبطال الرواية، يجعل كل من يشاهده نهبا لإدمان قاتل، تماما كسعي المدمنين على تعاطي المخدرات للحصول على ما هو أشدّ تخديرا وأكثر تغييبا للوعي كالهيروين والأفيون والكراك والأمفيتامين وشتى حبوب الهلوسة، فـفي ذلك نعيمهم ولو أدّى بهم تناولها إلى المـوت أو الانتحار.

فالفرجة صارت منذ أعوام هي القصد والغاية، ليس في المجتمعات الغربية وحدها، بل في بلداننا أيضا، حيث طغت برامج الفرجة الرخيصة والـ“توك شو” ذات المحتوى الفارغ، وهذر المحللين السياسيين وجدلهم العقيم، خصوصا بعد الثورة الرقمية وتناسل القنوات الخاصة التي أنشأها أصحابها لأغراض تجارية ودعائية صِرفة، وبات مقدموها نجوما رغم فقر زادهم وضحالة ما يطرحونه، فيما أهل الفكر والأدب مُهمَلون، لا يحفل بهم غير من لا يزال يحمل هاجسا ثقافيا، في برامج نادرة عادة ما تبثّ حين يخلد الناس للنوم، وتعاد في ساعة لا يوجد أثناءها في البيت غير الرضّـع والعُجّز والخـدم وربّات البيوت.

والخاسر الأكبر هو الثقافة، فقد شهدت في شتى أنحاء العالم تحولا سلبيا عميقا، لا يبدو أن ثمة ما يستطيع أن يقف أمام مسخها وحتى زوال قيمتها في نظر مجتمع لا يهمّه غير العارض والزائل.

وهو ما يؤكده ماريو برغاس يوسا في كتابه الأخير “حضارة الفرجة”، إذ يعتبر أن انتصار صحافة النجوم ومهاترات السياسيين وامتهان الفكر والفنون والآداب هي أعراض مرض عضال، يتجلى في تقديس الترفيه وجعله الهدف الأسمى. فبعد أن كانت الثقافة على مرّ العصور في المقام الأول بوصفها وسيلة تكوين، وحمّالة لشروط الوعي والرؤية، باتت الأولوية للفرجة كقاعدة أساسية لتلهية الناس عن كل وعي أخلاقي أو ثقافي أو سياسي. وفي رأيه إننا نعيش اليوم عصر الأيقونات الزائفة، وأغذية الذهن الزائلة، والإبهار المؤدّي إلى العمى.

وبعد أن يقدم خريطة لبنى السلطة والنفوذ في المجتمعات الغربية، يدق يوسا ناقوس الخطر، ليحذّر من جرائر مرحلة تتسم بالتسيّب والانحلال، وينبّه مجتمعات تسير بنفسها إلى الهاوية.

كاتب من تونس مقيم بباريس

15