حضارة مدينة عكا العربية تواجه عاصفة التهويد

الاثنين 2013/10/28
أقدم وأهم المدن الفلسطينية عكا العصية على الاحتلال

عمدت وزارة السياحة الإسرائيلية قبل أيام إلى عرض خان المعمدان التاريخي في مدينة عكا للبيع، وذلك بغية تهويد الإرث الحضاري للمدينة.

تعتبر مدينة عكا من أقدم المدن العربية الفلسطينية، حيث تأسست على الساحل الفلسطيني على يد إحدى القبائل الكنعانية المعروفة بالجرجاشيين في الألفية الثالثة قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام، وسميت المدينة عكو، أي الرمل الحار، وتقع المدينة في الطرف الشمالي لخليج عكا، ويدل موقعها بين رأس الناقورة شمالاً وجبل الكرمل في وسط فلسطين على أهمية عامل الحماية واختيار الموقع، وأثرت هذه الصفة في البعد الاستراتيجي لموقعها منذ إنشائها، وتعتبر وظيفة عكا العسكرية من أهم وظائف المدينة التي تمتاز بها عن غيرها من مدن الساحل الفلسطيني الجميل، الذي يمتد لأكثر من مئتي كيلو متر من الشمال حتى جنوب فلسطين المحتلة، وتؤكد أسوارها وحصونها وقلاعها وأبراجها المحيطة بها من جهتي البر والبحر على الأهمية الدفاعية في وجه الطامعين من الأقوام المختلفة.‏

لقد كان الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمدينة عكا مدخلاً لأطماع الغزاة، حيث تسابق على احتلالها غزاة كثر ورحلوا بسبب إرادة أهلها، غير أن المدينة تعرضت خلال القرون الماضية لعمليات تدمير مبرمجة، ومن ثم إعادة ترميمها من جديد.‏

امتزجت دماء شهداء أهل عكا بتربتها الغالية، وتاريخ أسوارها الشامخة التي تطل على البحر شاهد على نضال أهلها ضد الغزو الصليبي، فضلاً عن كسر حصار نابليون بونابرت في القرن التاسع عشر ميلادي، لقد أعطى موقع عكا الاستراتيجي أبعاداً، أخرى لا تقل أهمية عن البعد العسكري، فهي صلة الوصل بين أوروبا وفلسطين، ونقطة تجمع الحجاج المسيحيين إلى الأرض المقدسة، وقد أقيم فيها في أيام ظاهر العمر والجزار خانات متعددة كان ينزلها المسافرون والتجار والقوافل المتعددة التي تحمل خيرات البلاد لتنقلها السفن إلى دول العالم. ومن أشهر تلك الخانات خان الجزّار وخان الشونة، ومن خلال سهل عكا كان أهلها يتمتعون بغلة زراعية وفيرة مثل الحبوب وأشجار الزيتون والخضار والموز والنخيل، وبفعل العوامل المختلفة التي تمتعت بها مدينة عكا في الجليل الغربي الفلسطيني باتت المدينة محط أنظار الغزاة الصليبيين، حيث سعوا لحماية نفوذهم في فلسطين في أواخر القرن الحادي عشر ميلادي من خلال محاولة الاستيلاء على الموانئ في الساحل الفلسطيني.

وفي عام 496 هجري الموافق لعام 1102 ميلادي أرست السفن الفاطمية في ميناء عكا، فخشي ملك بيت المقدس من سوء العاقبة، وحاصر المدينة في العام التالي، فأنجدتها السفن الفاطمية عبر الموانئ المجاورة وقد ساعدها في الصمود تحصيناتها الجيدة، فعاد جيش الملك أدراجه مهزوماً بعد حصار عليها لم يدم طويلاً، لكن الملك استنجد بأسطول مدينتي بيزا وجنوا، فاحتلت الأساطيل الصليبية بعد اتفاق مع الملك ساحل جبيل ثم حاصرت مدينة عكا لمدة عشرين يوماً بعد صمود مشهود له في التاريخ إلى أن سقطت في عام 497 هجري الموافق لعام 1104 ميلادي.

وتوالى احتلال المدينة نتيجة موقعها الاستراتيجي، لكنها بأسوارها بلغت مجداً عالياً من الصمود خلال حصار نابليون لها في عام 1214 هجري الموافق لعام 1799 ميلادي، حيث أوقف صمود أهل المدينة ومنعة الأسوار حولها تقدم جيش نابليون. وبعد هذه المعركة انتهت أحلام نابليون دون عودة في محاولات السيطرة على الشرق.‏

ومن الأهمية الإشارة إلى أن سليمان باشا العادل قد خلف الجزار في حكم مدينة عكا، وقام بإعادة ترميم ما دمرته آلة جيش نابليون بونابرت، وخاصة الأسوار المنيعة والحصون المختلفة، ومن جديد استطاعت بريطانيا عبر نفوذها وانتدابها على فلسطين خلال الفترة الممتدة من عام 1922 إلى أيار من عام 1948 مساعدة العصابات الصهيونية في السيطرة على الساحل الفلسطيني ومنها مدينة عكا، حيث تم طرد غالبية قرى أهالي القضاء خلال نكبة فلسطين الكبرى في أيار من العام المذكور، فتناقص مجموع سكان مدينة عكا من العرب أصحابها الأصليين ليصبح نحو ثلاثة آلاف بعد النكبة مباشرة.

12