حضرت الرواية وغاب النقد في المؤتمر الثاني للسرد ببغداد

دائما هناك نتائج لأيّ مؤتمرٍ يتم عقده، فتتم بلورة ما قيل في هذا المؤتمر من بحوث أو دراسات أو حتى آراء ومداخلات لأنها جميعاً تصبّ في صالح شعاره وأهدافه التي يقترحها. فالمؤتمرات الأدبية مثلا تسعى في النهاية إلى تحقيق حراك نقدي وإبداعي تساهم من خلاله في تحفيز الأدب على التجدد.
الثلاثاء 2017/05/09
النقاد فشلوا في الإمساك بدفق الإبداع (لوحة للفنان شيبان أحمد)

مؤتمر السرد الثاني الذي عقد في مدينة بغداد يومي الخامس والسادس من شهر مايو الجاري كان ناجحا كما يؤكد المشاركون فيه، لكنه لم يكن كذلك لدى من لم يشارك، وله أسبابه الخاصة التي يعلنها أو يضمرها. وهو ما يتفق عليه معهم حتى كتاب ممن شاركوا في هذه المناسبة، لأنهم كانوا يطمحون أو يحلمون بأن يسمعوا بحوثا لها قيمة توازي المشهد السردي نفسه.

قيمة النجاح لا تأتي من الحلم والتمني بعد أن تم الاستماع ومناقشة 21 دراسة وبحثاً لباحثين ونقاد وأكاديميين، بل أيضا من خلال عقد مقارنة وإجراء قياسٍ على ما عقد من مؤتمرات خاصة بالرواية أو القصة على مدى العشرين سنة الماضية، وحتى بالنسبة إلى المؤتمر الأول الذي عقد العام الماضي وكان أشبه بالخطوة الأولى التي تؤسّس لنجاح هذا المؤتمر الذي سيكون أيضا عوناً للمؤتمر الثالث كما قالت اللجنة التحضيرية التي أرادت أن تجعل من هذا المؤتمر ليس اجتماعاً تنظيمياً بل انبثاق رؤى وتشكلاتٍ تواكب السرد العراقي الذي أخذ بعض سارديه يحققون النجاحات على المستوى العربي والعالمي، وهو ما جعل المنظمين للمؤتمر يستبدلون العنوان من مؤتمر الرواية إلى مؤتمر السرد ويجعلون شعاره السارد رائيا.

غياب النقد

إن هذا المؤتمر الذي شارك فيه نحو 83 روائيا وقاصا وناقدا عراقيا من مختلف المحافظات كان مهما في إشاعة روح التفاؤل وسط الموت ووسط التعصب وتهميش كل ما له علاقة بالثقافة والفنون.

المؤتمر الذي شارك فيه نحو 83 روائيا وقاصا وناقدا عراقيا من مختلف المحافظات كان مهما في إشاعة التفاؤل

لكن المشكلة كانت في غياب الطروحات النقدية الجديدة والباحثة المنتظر منها بلورة تعريفٍ جديد للسرد العراقي وتراجع البحوث النقدية التي تلاحق المنجز السردي.

ما حصل وكما اتفق الكثير من الأدباء أن المؤتمر حضر فيه السرد وغاب عنه النقد وهو مؤشر غير صحّي للكثير من البحوث التي طرحت في المؤتمر، والذي لم تتحمل تبعاته اللجنة التحضيرية أو اتحاد الأدباء بل النقاد أنفسهم إذا ما استثنينا بعض البحوث في هذه الجلسة أو تلك وهي بعدد أصابع اليد الواحدة وربما أقل من ذلك، كون أغلب ما تمت قراءته من قبل النقاد لم يصل إلى مستوى الطموح، رغم أن اللجنة التحضيرية وضعت أربعة عناوين أو محاور للملتقى، ودعت النقاد جميعا بلا استثناء كما قالت رئيسة اللجنة التحضيرية للمؤتمر عالية طالب، إن المحاور كانت شاملة لكل مفاصل السرد العراقي ولذا كان النقاد العراقيون مخيرين في اختيار ما يشاؤون من بحوث نقدية ملائمة للمحاور نفسها.

وهذه المحاور لو تأملناها لقلنا إن توصياتٍ عديدةً ستخرج منها وإن تأشيراً كبيراً سيلوّن السردية العراقية وإن الرواية العراقية تسير بخطىً ثابتة. فقد كان عنوان المحور الأول “خصائص الرواية العراقية المعاصرة”، ولم تنجح أغلب البحوث في بلورة رؤيةٍ جديدة لهذه الخائص.

أما المحور الثاني فقد حمل عنوان “الرواية وتداخل الأجناس” وكانت أكثر البحوث التي قدمت فيه محاولات للمساس بالأجناس أكثر من مساسها بالرواية أو السرد.

فيما كان المحور الثالث أقلّ التباساً وأفضل مناقشة وحمل عنوان “نقاد وروائيون- الرواية وسمات الأجيال الأدبية- مشتركات أم انقطاع” وهو محورٌ حمل العديد من العناوين كونه كان طاولةً مستديرة وكلّ يدلو بدلوه. بينما كان المحور الرابع وهو أكثر المحاور اقترابا من مفهوم المؤتمر والحديث عن سمات الرواية أكثر من حديث ناقدٍ عن روايةٍ كما في أغلب البحوث وحمل عنوان “اتجاهات نقد الرواية العراقية المعاصرة”.

ورغم ذلك فإن القاسم المشترك الأكبر لهذه البحوث أنها لم تأت بشيء جديد، وضاع الجدي القليل وسط الكثير المتهاون مع طريقة البحث وتناول السرد، وما حصل أن أغلب ما قدّم وكأنه لم يكن مخصّصاً للمؤتمر بل إن البعض قدّم مقالاتٍ نقدية يمكن أن تنشر في صحيفة يومية، أو أنها استلت من رسالةٍ أو أطروحة تخرّج لنيل شهادة عليا أو فصلٍ من كتابٍ قديم لكي يقدمه في المؤتمر وهو ما أشار إليه البعض من النقاد أنفسهم وهم ينتقدون علناً هذا الأمر خلال الطاولة المستديرة التي كانت في الجلسة الصباحية لليوم الثاني من المؤتمر.

بعيدا عن إخفاق النقاد تميز المؤتمر بالكثير من العلامات، منها حسن التنظيم والإدارة وطبع البحوث في كتاب

نجاح التنظيم

شهدت الطاولة النقاشات مداخلات نقدية حادّة تجاه ما قدّم من بحوث وهو ما دعا الأديب المرواتي الدكتور أحمد إلى القول إن المؤتمر نجح لكنه فشل نقدياً لأن ما قدّم لا يستحق التقديم.

إن مثل هذه المؤتمرات رغم خروجها ببيانٍ جميلٍ، كان من الممكن أن تكون مؤشراً إيجابياً لإعلاء شأن الرواية العراقية، وأن يتم تأشير صلة الإبداع للكثير من الكتابات السردية رغم أن جميع البحوث لم تتناول الجانب القصصي وظل التطبيق ناقصاً عن العنوان الرئيس للمؤتمر.

والأغرب أن بعض المتدخلين من الأكاديميين اتهم الرواية العراقية من وجهة نظر ضيقة حين قال إن طلبة الجامعات أو طلبة الدراسات العليا لا يحبّون قراءة الرواية العراقية.

وهو اتهام لم يعجب الكثير من الروائيين بل ردّوا بقوة مشيرين إلى أن الرسائل والأطاريح الجامعية مليئة بالكثير من الدراسات عن الرواية العراقية وأن مثل هؤلاء النقاد أو الأكاديميين لا يقرأون الرواية العراقية. بل إن المؤشر العام لمن اتهموا الرواية العراقية بعدم وجود سمات مميزة لها أنهم يستشهدون أحيانا بأسماء أجنبيةٍ أو عربية، وهذا ما يدل على ضعف متابعتهم للرواية العراقية اليوم.

وقد ردت الروائية عالية طالب على بعض النقاد الذين يعتبرون أن عنوان المؤتمر “السارد رائيا” لم يكن مفهوماً، بقولها إن هذه المقولة تعني أن السارد رأى كل شيء وكتب، وعلى الناقد أن يقول قوله لما بعد السارد لكي تكون هناك حقيقة سردية عراقية.

بعيداً عن إخفاق النقاد هناك الكثير من العلامات التي تميّز بها المؤتمر، منها حسن التنظيم والإدارة وطبع البحوث التي قدّمت في كتابٍ صدر ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ليكون وثيقةً ومصدراً مهما للمستقبل، كما أن المؤتمر نظّم في مكان هادئ رغم أن الإشارة التنظيمية التي يمكن للبعض أن يلتفت إليها هي عدم دعوة أسماءٍ مهمة في المشهد السردي العراقي وهو أمر لا يمكن تحقيقه وسط الضائقة المالية كما أكدت الكلمات التي شهدتها الجلسة الافتتاحية.

14