حضن الجدة أفضل

عندما يصبح أحفاد اليوم شبابا في الغد لن يستحضروا حكمة لجداتهم أو عبرة من إحدى حكاياتهن للاستعانة بها في اتخاذ القرارات الصائبة وستفتقد مواقفهم وسلوكياتهم السند القيمي.
الخميس 2018/04/26
الأجداد في حياة الأسرة وحياة الأحفاد ضمان التوازن

"يتعلق الأحفاد كثيرا بجداتهم"، قد تبدو هذه المقولة حكما بمفعول رجعي، أي أنها تتعلق بأحفاد الأجيال السابقة لا بأجيال اليوم من الأحفاد. الفوارق بين الجيلين متعددة، وهو أمر طبيعي، لكن في ما يخص العلاقة بين الأحفاد والأجداد فإن الفارق يتمثل في أن الأجيال الماضية لم تكن لديها وسائل ترفيه متنوعة ولا أجهزة إلكترونية ذكية تأخذها من أسرها لتتعلق بعالم افتراضي وبشخصيات افتراضية، إلى جانب تغير مفهوم الأسرة الموسعة حيث كان أغلب الأحفاد يربون تحت عيون وبمساعدة الأجداد.

الأجيال السابقة كانت أكثر قربا من الأسرة ومن هنا يتأتى تعلق الحفيد بالجدين، فهما أكثر شخصين يهتمان به بعد الوالدين- في أغلب الأحيان- وهما المدرسة الثانية التي تعلمه دروس وعبر الحياة بعد أبويه. ويُقبل الأطفال بلهفة على أحضان جداتهم لأنهن يلاعبنهم ويروين لهم الحكايات والقصص المفضلة عندهم ويقضون معهن أكثر أوقات اليوم إمتاعا. ويأخذون منهن العبر والنصائح والحكم وأحيانا تخزنها عقولهم البسيطة دون فهمها.

وعندما يكبر الطفل ويبدأ في خوض تجارب حياته يتعرض لمواقف تذكره بمواضيع ومقولات وحكم سمعها من جدته عندها يستحضرها ويفهمها بعمق، وقد يعتمدها كمرجع يستلهم منه آراءه ومواقفه وتصرفاته فهي أحد الموارد الثرية لمخزونه الثقافي والقيمي والفكري.

وبعد الفهم والتمعن ومع تقدمه في السن يوقن أن وسائل الترفيه التي كان يعتمدها أجداده لم تكن عبثية ولمجرد الترفيه والإمتاع، بل هي من بين اللبنات التي تبني شخصيته وتفكيره وتساهم في تربيته وتوجيهه طيلة حياته.

هذا بالإضافة إلى ما نعم به من دفء التواصل وما نهله من حنان جدته بجانب الواقعية التي عاش بها طفولته دون أن يدرك، فهو يتعامل ويتعلم من أشخاص حقيقيين في حياته ويعتبر من تجاربهم ومن التجارب التي رووها له.

أحفاد اليوم وللأسف أغلبهم يعيشون بعيدا عن أجدادهم بحكم الطابع المضيق الذي طغى على الأسر العربية في العصر الراهن، وبحكم انشغال الوالدين وخاصة إن كانا عاملين وأيضا مع توفر وسائل أخرى للترفيه تعتمد أغلبها على التكنولوجيات الحديثة مثل الأجهزة الذكية، فتجد طفل الجيل الراهن يتعلق بهذه الوسائل التي تبهره بالصورة وبالألعاب وبالتواصل والتعامل مع شخصيات افتراضية.

الأسئلة المطروحة هنا أو التي يجب التفطن لطرحها والتفكير فيها هي: ماذا توفر له هذه الأجهزة؟ وماذا يتيح له هذا النوع من التواصل من إفادة؟ وماذا يتعلم منها؟

أما الأجوبة فباتت معروفة ومعلنة لدى الجميع فهذه الأجهزة الذكية تأخذ الطفل من واقعه وعالمه الحقيقي ليعيش في عالم افتراضي، وقد أثبتت العديد من الدراسات أنها من بين أهم المؤثرات السلبية على الأطفال وأحد أهم أسباب مشاكلهم التواصلية والاجتماعية؛ فهي السبب الأكثر ترديدا عندما يتعلق الأمر بالبحث في الظواهر الاجتماعية التي تعاني منها المجتمعات العربية اليوم مثل العنف والإدمان والجريمة وغيرها.

ولا مجال للمقارنة بين ما يتعلمه الطفل من علاقته بأجداده وبين ما يتلقاه ويتعلمه من وسائل الترفيه المتاحة اليوم خصوصا منها التلفزيون أو الأجهزة الذكية، سواء في مستوى التواصل وأدواته أو العلاقة المباشرة وغير المباشرة مع الآخر ومع المحيط أو في مستوى الفائدة والرسائل التي يتلقاها أو في مستوى بناء شخصيته وتفكيره ولا في مستوى التربية والتوجيه.

وعندما يصبح أحفاد اليوم شبابا في الغد لن يستحضروا حكمة لجداتهم أو عبرة من إحدى حكاياتهن للاستعانة بها في اتخاذ القرارات الصائبة وستفتقد مواقفهم وسلوكياتهم السند القيمي.. ومن المتوقع أن تطغى على حياتهم الوحدة والعزلة والعلاقات الافتراضية وأشياء كثيرة مما لقنتهم الأجهزة الذكية مثل العدوانية والعنف والأنانية التي تعج بها أفلام الكارتون التي يتابعونها اليوم وألعابهم الإلكترونية وغيرها. كما أنه من المرجح أن تكون علاقاتهم الاجتماعية والأسرية محدودة وشبه معطلة أو مشوهة بسبب ما شهدوه في طفولتهم من عزلة واكتفاء بالأجهزة الذكية.

ولعله من الأجدر بالآباء اليوم الانتباه ليس فقط لمخاطر الأجهزة الذكية وتقنيات الاتصال والتواصل الحديثة، بل أيضا الانتباه والحذر من خطورة إخراج الأجداد من حياة الأسرة ومن حياة الأحفاد ومن تداعيات إلغاء الدور التربوي الذي يلعبونه في تكوين أجيال متوازنة عاطفيا وذهنيا وسلوكيا.

21