حضور أميركي في الشرق الأوسط لترتيب أوضاع ما بعد قرار القدس

يسعى نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، من خلال جولته في منطقة الشرق الأوسط والتي بدأها من القاهرة، إلى محاولة معالجة الاحتقان العربي جراء اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل. وقال مراقبون إن زيارة بنس إلى المنطقة أفرغت من مضمونها بعد أن تم إلغاء البعض من أبرز محاورها، كرد عربي على قرار ترامب.
الأحد 2018/01/21
المهمة غير سهلة

القاهرة - استقبل الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي نائب الرئيس الأميركي مايك بنس، السبت، ضمن جولة يقوم بها في المنطقة وتشمل كل من الأردن وإسرائيل إلى جانب مصر.

وهذه هي الزيارة الأولى لمسؤول أميركي كبير للشرق الأوسط، منذ إعلان الرئيس دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها.

وكان من المتوقع أن تتم هذه الجولة الشهر الماضي وتأجلت مرتين لرغبة نائب الرئيس الأميركي تجنب عاصفة غضب لاحت في الأفق عقب قرار ترامب، وأسقطت منها زيارة رام الله بسبب رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس لقاء بنس.

وبدأ نائب الرئيس الأميركي جولته من القاهرة، وهو يحمل أوراقا متشابكة بعد أن تحولت أسباب زيارته المعلنة من مناقشة حقوق الأقليات المسيحية في الشرق الأوسط إلى محاولة لمعالجة الاحتقان العربي جراء الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ويرى مراقبون أن الزيارة تندرج ضمن استعادة الدفء الأميركي مع كل من القاهرة وعمّان بعد أن صدرت عنهما مواقف حادة ضد قرار ترامب، الذي أحرجهما باعتبارهما أقرب العواصم إلى واشنطن في ملف التسوية السياسية ووقعتا اتفاق سلام مع إسرائيل وهما معنيتان بأمر مدينة القدس وما يصدر بشأنها من قرارات.

علاوة على أن عدم ثقة القاهرة الكاملة في المواقف الأميركية دفعتها إلى استدارة كبيرة نحو روسيا، يمكن أن تشهد المزيد من التطور على ضوء تفاهمات كبيرة في قضايا حيوية في المنطقة وهو ما تحاول واشنطن فرملته سياسيا.

ولم تتوقف الإدارة الأميركية عند اتخاذ قرار مخالف للأعراف الدولية فقط، لكنها أطلقت تهديدات وأعلنت عن عزمها قطع المساعدات عن الدول التي اعتزمت المشاركة في مواقف ضد واشنطن في مجلس الأمن والأمم المتحدة. وكان التلويح واضحا لكل من مصر والأردن، لأنهما من أكثر الدول التي تتلقى المساعدات الأميركية بعد إسرائيل.

واقتطعت واشنطن فعليا جانبا من المساعدات المقدمة للسلطة الفلسطينية في شكل عقوبات مالية بعد اللهجة الحادة التي حملها خطاب الرئيس الفلسطيني ضد الولايات المتحدة، حيث اعتبرها طرفا غير محايد وأعلن رفض استمرارها كوسيط في عملية السلام مع إسرائيل.

ويرى البعض من المراقبين أن هذا الأمر يمثل عقبة كبيرة أمام مهمة بنس، خاصة أن عملية التسوية تتطلب انخراط السلطة الفلسطينية وإقناعها بالتخلي عن المواقف التي تراها واشنطن متشددة مثل إعلان المجلس المركزي الفلسطيني أخيرا تعليق الاعتراف بدولة إسرائيل، ما يعيد الأمور إلى الوراء.

إذا كان ترامب عازما بالفعل على التوصل إلى حل دائم للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، يتعين عليه أن يتعامل مباشرة مع الأزمة ومحاولة تقديم مواقف واضحة للسلطة ليستمر كوسيط في عملية السلام

ويعتقد هؤلاء أن جولة مايك بنس، التي بدأت السبت من القاهرة وتشمل الأحد عمان ثم تنتهي في إسرائيل الثلاثاء، تعكس رغبة أميركية لوضع العرب أمام القبول بالأمر الواقع والتأكيد على استمرار النهج السابق في المنطقة دون تغيير وأن أمن وسلامة واستقرار إسرائيل أولوية استراتيجية في الحسابات الأميركية ولن تهتز أبدا.

وقال إيلان جولدنبرج، الكاتب بمجلة “فورين بوليسي” الأميركية، إن جولة بنس “أفرغت من مضمونها بعد أن أعلن الفلسطينيون ورجال دين رفضهم استقباله أو لقاءه”.

ويرى جولدنبرج أن الزيارة “قد تكون محاولة لتأجيج الغضب العربي، خاصة أنه من المتوقع أن تشهد زيارة بنس لإسرائيل موجة من الاحتفالات الضخمة والمستفزة للمشاعر الفلسطينية”.

وانتظرت الإدارة الأميركية فترة لامتصاص الغضب الناجم عن قرار الاعتراف بالقدس وراقبت رد الفعل العربي الذي بدا على المستوى الرسمي ضعيفا في إجماله، لذلك تريد البناء لمرحلة ما بعد هذا القرار والمضي قدما في خطتها للتسوية التي تريدها.

وعقب قرار ترامب، أعلن شيخ الأزهر أحمد الطيب والبابا تواضروس الثاني بابا الكنيسة القبطية التي تقود أكبر طائفة مسيحية في الشرق الأوسط، رفضهما لقاء بنس وهو الموقف ذاته الذي اتخذه الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

وكان مجلس وزراء الخارجية العرب أعلن تأجيل اجتماعه في بداية يناير الجاري في الأردن إلى نهاية الشهر حتى تنتهي جولة نائب الرئيس الأميركي في المنطقة ومناقشة ما ستؤول إليه من مباحثات وتطورات.

وتبدو الصورة فاترة لدى العرب بعد أن بدأت وتيرة الغضب تهدأ مع الوقت وتفقد حماسها، واقتصر الأمر على اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب بمقر الجامعة العربية وآخر في عمان شارك فيه ستة وزراء خارجية.

كما انعقد مؤتمر في القاهرة برعاية مؤسسة الأزهر مؤخرا للتأكيد على عروبة القدس وكونها عاصمة أبدية للدولة الفلسطينية، وكلها لم تأت بتطورات ملموسة.

ولم تكن القرارات التي أصدرتها قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في إسطنبول الشهر الماضي أفضل حالا في نتائجها، حيث اقتصرت على إدانات بلاغية والتشديد على أن تكون القدس الشرقية عاصمة لفلسطين.

وقالت ماجدة شاهين، أستاذة العلوم السياسية بالجامعة الأميركية في القاهرة، إن جولة بنس في حد ذاتها “لا تمثل أهمية كبيرة في صناعة القرار الأميركي الخاص بالشرق الأوسط، لأنها محاولة غير مجدية لتحسين وجه الولايات المتحدة المشوه أصلا بسبب قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس”.

وأضافت لـ”العرب” أنه “إذا كان ترامب عازما بالفعل على التوصل إلى حل دائم للصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، يتعين عليه أن يتعامل مباشرة مع الأزمة ومحاولة تقديم مواقف واضحة للسلطة الوطنية ليستمر كوسيط في عملية السلام، ومنها قضايا الأمن واللاجئين وزيادة المستوطنات ووقف قضم أراض جديدة، وهي ملفات تستحق نقاشا جديا لا قفزا عليها”.

وأشارت إلى أن الجولة غرضها دبلوماسي، فلن يتخذ مايك بنس مواقف سياسية عما سبق طرحه، لأن أغلب الملفات التي يهتم بها السيسي وبنس تدور حول الإرهاب ووضع المسيحيين في مصر، وهما قضيتان لن يقدم فيهما جديدا ولن يزيدا عن تبادل المعلومات والمتابعة المعتادة.

وتراهن الولايات المتحدة على حالة التصدع السياسي والخلافات العميقة المتفشية في المنطقة واتساع نطاق الإرهاب في العديد من البلدان لتجعل من مهمة بنس أكثر سهولة، وتساهم في تقبل القرار الأميركي في المستقبل والعودة إلى دورها في الإمساك بتلابيب الكثير من ملفات المنطقة.

3