حضور إيراني مزدوج وفظ في معرض بيروت الدولي للكتاب

معرض بيروت العربي الدولي للكتاب من أقدم معارض الكتب في المنطقة، ويتميز المعرض الذي يقام في شهر ديسمبر من كل عام بإشعاع هام على منطقته، لما له من تنوع وثراء يمزجان بين تقديم الجديد والعميق في عالم الكتب، إضافة إلى طرح أنشطة ثقافية متنوعة تتمازج فيها مختلف الفنون والتظاهرات الثقافية، لكن المعرض هذا العام يشهد تغيرا في ملمحه خاصة من حيث حضور مظاهر سياسية ضيقة في مدار ثقافي من المفروض أن يجمع لا أن يفرّق.
الخميس 2016/12/08
وجهان خفيان لمعرض بيروت

افتتح النادي الثقافي العربي، بالتعاون مع اتحاد الناشرين اللبنانيين في مركز بيال للمعارض بلبنان الدورة الستين لمعرض بيروت العربي الدولي للكتاب غرة ديسمبر الجاري، ويستمر المعرض إلى غاية الـ14 من نفس الشهر، بمشاركة أكثر من 180 دار نشر لبنانية و75 دارا عربية وأجنبية. كما يقدم المعرض علاوة على الكتب مجموعة مختلفة من النشاطات الثقافية والفنية.

إيرانيو لبنان

اللافت في هذه الدورة من معرض بيروت الدولي والجارية فعالياتها هذه الأيام، هو المشاركة الإيرانية الرسمية، التي تقتصر على مشاركة المستشارية الثقافية الإيرانية، ولكن على الرغم من ذلك فإن المشهدية الإيرانية تبدو وكأنها علامة بارزة على التحولات الكبرى في زمن البلاد وفي زمن المعرض كذلك.

صورة تجمع الخميني وخامنئي مع مجموعة من المصنوعات اليدوية والأواني الخزفية البديعة الصنع كانت كافية لفتح دلالة رمزية بعيدة المدى، تعلن أن ما تنتجه إيران لتبيعه للعالم ولزوار معرض بيروت جميل وفاتن ويغري بالاقتناء. تظهر الأناقة والرهافة والدقة التي تميز المصنوعات الإيرانية المعروضة، وكأنها تتناسل من الصورة التي تجمع الخميني وخامنئي، والتي تقدم بصفتها إيران الجميلة والمغوية والفاتنة والتي لا نعرفها.

تحرص إيران الرسمية على أن تقدم مشهد الرهافة والأناقة وتترك مصنوعاتها الأصلية الجذابة تخبر عنها، ولكن في الجهة المقابلة من المشهدية الإيرانية التي تستوطن معرض الكتاب البيروتي تنتصب مشهدية إيرانية مغايرة، ينتجها الإيرانيون اللبنانيون.

تتناقض المشهدية الإيرانية في صيغتها اللبنانية مع المشهدية الإيرانية الأصلية وتتجلى وكأنها العالم السفلي الذي لا تريد إيران أن تلوث يدها في الغوص في مساربه. يظهر هذا البعد في جناح المنار الذي لا يقدم ما يغري، والذي ظهر في هيئة دعائية وحربية، لا تستطيع العيش إلا في ظلال المبالغات. أقراص مدمجة تضم عمليات المقاومة وخطب نصرالله، ومنشورات دعائية مختلفة لا تستطيع أن تقدم نفسها في سياق ثقافي.

المعرض من أقدم معارض الكتب في المنطقة، ويتميز بتنوع وثراء يمزجان بين تقديم الجديد والعميق في عالم الكتب

الاختلاف الكبير في المشهديتين الإيرانيتين الأصلية، وتلك المصطنعة، والتي يعبر عنها لبنانيو إيران يكمن تحديدا في الارتباط بالموضوع الثقافي، والرغبة في تسويق الذات عبر الثقافة. تريد إيران أن تقدم منتجا منسجما مع منطق التعبير الثقافي عبر الأواني والخواتم والمصنوعات البديعة الصنع، التي تحتوي على أحجار كريمة ونصف كريمة. وترسم هذه المنتجات معالم تواصل ثقافي معرفي يبعد عن الذهن تماما صورة إيران الوحشية التي نعرفها، ويدعونا إلى التعرف على إيران أخرى، لا يمكن أن نجد انعكاسا لها في الصورة التي تقدمها المشهدية الإيرانية في سياقاتها اللبنانية.

بضاعة فاسدة

جناح المنار هو إيران المحاربة والقاتلة والتي لا تنتمي إلى الثقافة، تلك التي لا يعنيها أن ترتبط بالثقافة وعوالمها بأي شكل من الأشكال، في حين أن هناك إيران أخرى تصر على أن تطل علينا من باب الثقافة الرحب، وأن تكون مغوية ومقنعة وجميلة.

الإغواء ليس في نهاية المطاف سوى إحدى الإمكانيات التي تتطلبها السياسة لناحية كونها فن إدارة الممكنات، وتجميل الحلول والتسويات. من هنا فإن ركون المشهدية الإيرانية في المعرض إلى توسل الإغواء كطريقة للتخاطب، إنما يعلن عن ميل إيران إلى إظهار نفسها كدولة تخاطل العالم انطلاقا من رمزية ثقافية، تحمل دلالة تبني منطق السياسة في إدارة الأمور.

تفعل إيران ذلك وتخاطب العالم من خلال هذه الرمزية المشبعة بالدلالات، ولكنها تترك لأتباعها في لبنان مهمة الإعلان عن موت السياسة عبر المشهدية الفظة التي تترك لهم مهمة إدارتها، والبناء على ما ينتج منها. هكذا يتم تكوين منطق يلائم معايير العالم السفلي الذي تريد أن تتأبد إقامة لبنان فيه، كي يكون مسرحا دائما لما لا تلوث نفسها به.

لا تستقر المشهدية الإيرانية الأنيقة سوى في تلك الفسحة الصغيرة من معرض الكتاب التي ما إن تغادرها حتى تنفجر في وجهك المشهدية الإيرانية الأخرى الوقحة والبشعة، والتي تنطلق من مباشرة زاوية المنار في المعرض لتفلش أصداءها وروحها على كل البلد، زارعة فيه علامات موت الثقافة، وموت السياسة، وموت القدرة على إنتاجهما.

بين الأناقة والفظاظة نجد أنفسنا أمام نسختين من إيران؛ واحدة تعد نفسها للدخول إلى العالم، وعقد اتفاقات معه انطلاقا من مشهدية الثقافة وما تمثله حين تحل في السياسة، والأخرى معدة للاستهلاك المحلي اللبناني وهي منتج إيران الملبننة والتي لا يريد أحد التعاطي معها.

هناك إيران خاصة بنا تعدنا لمشهد الانعزال عن العالم، وإيران لإيران وهي ساحرة وفاتنة. يمكننا أن نقتني ما تنتجه هذه الإيران الأخيرة، ولكنها لن تكون وفية سوى لنفسها، فنحن، وكما تظهر مشهدية معرض الكتاب، لسنا سوى البضاعة الفاسدة التي يمكن أن تكون جثثنا، وجثث أوطاننا وآمالنـا، السمـاد الضـروري لكي تنمو أزهارها الفاتنة الصالحة للتسويق في العالم.

14