حضور الشباب الجزائري في الحياة السياسية يقتصر على الشعارات

أزمة الثقة مستفحلة بين الأجيال وبين مؤسسات الدولة والشباب الذي يبدي عزوفا شاملا عن الشأن السياسي.
الأحد 2018/09/02
أي شيء أكثر جدوى من السياسة في الجزائر

تترجم شبكات التواصل الاجتماعي نظرة الشباب الجزائري للفعل السياسي وفقدانهم الأمل في الأحزاب والمنظمات السياسية، ورغم ظهور بعض الوجوه الشبابية في بعض المواقع السياسية إلا أنهم مجرد واجهة شكلية ليس أكثر ولا يملكون أصواتا في عملية صنع القرار

الجزائر - رغم أن مجموعة الـ22 التاريخية التي كانت وراء ثورة التحرير الجزائرية، كان أكبرها لا يتعدى الأربعين من العمر، إلا أن حماس التحرير ومقاومة الاستعمار، انتهيا إلى عزوف شامل للشباب الجزائري عن الشأن السياسي، حيث ينطوي هؤلاء على أنفسهم في مختلف الاستحقاقات، ويعبرون عن استقالة جماعية من المواعيد السياسية ومن المؤسسات السياسية والأهلية القائمة.

يذكر مراد صابونجي خريج كلية الحقوق (35 عاما)، أنه لم يملك في حياته بطاقة انتخاب، ولم يحدث أن انخرط في حزب سياسي أو جمعية ولا يفكر في ذلك مطلقا، لأنه مستقيل من الممارسة السياسية أو النشاط المدني، ويبرر خياره بعدم الجدوى في ظل هيمنة الانتهازية والوصولية على مفاصل الطبقة السياسية، وغياب الثقة التي توفر جسور التواصل بين الأجيال.

وينسحب موقف صابونجي على غالبية فئة الشباب الجزائري الفاقدة الأمل بالحياة السياسية، وقررت الانسحاب الكلي من الهيئات والمؤسسات القائمة، وهو ما تؤكده الإحصائيات الرسمية وشبه الرسمية، المسجلة في مختلف المواعيد السياسية والانتخابية، الأمر الذي تحول إلى قطيعة غير معلنة بين الطرفين، والى هاجس حقيقي يؤرق السلطة والطبقة الحزبية معا في تلك المواعيد.

وتترجم شبكات التواصل الاجتماعي حجم الهوة السحيقة بين الشباب الجزائري والفعل السياسي، حيث تعج المنشورات والتعليقات بكل أشكال التهكم والسخرية بالمواعيد السياسية، وتمثل فضاء لإفراغ شحنات رفض الواقع القائم، خاصة بعد تحول الحزب السياسي أو الجمعية الأهلية، إلى مرادف لشتى توصيفات الانتهازية والمصالح الضيقة بدل الاهتمام بالشأن العام وخدمة المجتمع، وفق وصف الشباب.

وتظهر الصور والتسجيلات التي تنقلها كاميرات التلفزيون الحكومي، حول الإقبال والتدافع حول صناديق الاقتراع في الساعات الأولى للمواعيد الانتخابية، أن المسنين هم من يتصدرون المشهد فيما يغيب عنه الشباب، وهو مشهد يعكس حجم الأزمة التي يتخبط فيها المجتمع الجزائري، ويبرز التفاوت الكبير بين مـوقفي الفئتين تجاه الممـارسة السياسية.

صراع أجيال وأزمة ثقة

عموم الشباب الجزائري لا يعيرون المواعيد السياسية اهتماما إلا ما اعتبروه يوم الاقتراع هو يوم إجازة يخلدون فيه للراحة أو لقضاء مصالحهم الخاصة

إذا كان كبار السن يعتبرون المواعيد السياسية على وجه التحديد واجبا مقدسا، خاصة مع تفشي الأمية لدى هؤلاء، أو رغبة البعض في الحفاظ على امتياز ما، بإظهار الولاء للجهة التي ينتخبها، فإن عموم الشباب الجزائري لا يعيرون تلك الأحداث اهتماما، إلا ما اعتبروه يوم الاقتراع هو يوم إجازة يخلدون فيه للراحة أو لقضاء مصالحهم الخاصة.

وتُولي الحكومة والطبقة الحزبية أهمية قصوى لاستقطاب الشباب في المشهد السياسي، حيث تبذل الأولى موازنات ضخمة عن حملات الدعاية والتعبئة، وخصصت الثانية هيئات ودوائر داخلية لفئة الشباب، إلا أن المفعول العكسي يبقى لحد الآن هو مصير كل ذلك، في ظل أزمة الثقة المستفحلة بين الأجيال وبين مؤسسات الدولة والشباب.

ويبدي صابونجي في تصريحه لـ”العرب”، اطلاعا واسعا بالساحة السياسية رغم عدم انخراطه فيها، ويجزم بأن غالبية الأحزاب السياسية بمختلف توجهاتها ومرجعياتها الأيديولوجية، ستختفي من الساحة، لو تم مثلا اشتراط عدد معيّن من الشباب، في لوائحها الانتخابية أو هيئاتها لقبول شرعيتها القانونية، كما حدث مثلا مع حصة المرأة التي أوجبها المشرّع للغرض المذكور.

ولفت إلى أن دخول مفردات الشباب والتحديث في أدبيات بعض الأحزاب السياسية، يبقى مجرد ذر للرماد في العيون، ومجرد محاولة يائسة للعب على أوتار رنانة، على أمل استقطاب الجيل الجديد لدعم حظوظها ومواقعها في الاستحقاقات الانتخابية، لكن الواقع يقول إن الشباب كقوة اجتماعية وبشرية مهمشون ولا يوظفون إلا كأرقام خلال عمليات تعداد الأصوات وتأطير الحملات الدعائية، لأن المواقع المهمة تبقى من نصيب الآخرين.

ورغم ظهور بعض الوجوه الشبابية في بعض المواقع السياسية، أكد مراد، بأن “الفاعلين الحقيقيين في المشهد السياسي يختبؤون وراء الشباب، وهي عملية مقصودة ومبرمجة ولا تتم بالإرادة المحضة لهؤلاء، كما هو الشأن بالنسبة للمرأة، فهي حاضرة على الورق وفي الواجهة لكنها غائبة عن القرار والقضايا المهمة للمرأة، وهو نفس الأمر بالنسبة للشباب، قد يكونون حاضرين في الواجهة، لكن لخدمة أغراض أخرى، غير الأغراض والانشغالات الحقيقية للشباب”.

ويرى مختصون، بأن وضعية العزوف الحاد، هو وليد تراكمات تعود إلى تسعينات القرن الماضي، فاعتماد أسلوب التزوير والتلاعب بإرادة الناخبين من طرف السلطة، وعدم جدوى المنتخبين في تقديم الخدمة وأداء الرسالة التي انتخب لأجلها، فضلا عن استشراء الفساد في مفاصل المؤسسات الرسمية والسياسية للدولة، حولها إلى مصدر للنفور والهروب منها لا سيما من قبل الشباب.

الوجوه الشابة في بعض الأحزاب والجمعيات المدنية ليست إلا واجهة شكلية انجر أصحابها إلى المغريات والريع الذي عمدت إلى توفيره هذه الأحزاب لأعضائها من الشباب، بغية التباهي بشعبية مصطنعة أمام المنافسين والرأي العام المحلي، إلا أن اللافت هو تكريس النزعة الانتهازية على حساب التكوين السياسي والتمرس على خدمة الصالح العام، مما أدى إلى استفحال تهلهل الطبقة السياسية واهتزاز مصداقيتها لدى الشاب الجزائري، والهروب الجماعي من النشاط السياسي.

ويرى علي عمارة المسؤول السابق في حزب جبهة التحرير الوطني الحاكم في البلاد، بأن “المجتمع الجزائري يعيش حالة من الصراع المحتدم بين الأجيال، وأن التراكمات المترسبة على مر العقود، كرّست هوة سحيقة بين الشباب والمسنين، وحتى الآن لا يزال الصراع قائما في جميع مؤسسات الدولة، بين جيل ساهم في ثورة التحرير، متمسك بمواقعه بحجة عدم ثقته في الأجيال الجديدة إذا سلمها المشعل، وبين جيل فقد الثقة تماما فيما هو كائن وغير راض عما تحقق، ولذلك ينتقم لنفسه بمقاطعة السياسية”.

نشاط غير مؤطر بالأحزاب السياسية
نشاط غير مؤطر بالأحزاب السياسية

 ويضيف في تصريحات لـ“العرب”، “في الواقع عزوف الشباب عن الممارسة السياسية، هو سلوك يقع في صلب السياسة، لأن الموقف يعبّر عن رفض الواقع، وهو نوع من الاحتجاج والتعبير عن الممارسات الحالية في الطبقة الحزبية والمجتمع المدني ومختلف المؤسسات، وأن ما يعرف بالأغلبية الصامتة هي في الحقيقة موقف من الآليات والإفرازات الناجمة عن سلوك السياسيين والناشطين”.

ويؤكد عمارة الذي شغل خلال الفترة 1962- 1989، عدة مناصب في ما كان يعرف بالاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية، بأن “هناك فارقا كبيرا بين إقبال الشباب على الفعل السياسي خلال الحقبة الأحادية وبين حقبة التعددية، وهناك العديد من الأسباب التي دفعت الشباب إلى الانسحاب من المشهد السياسي، وعلى رأسها الانتكاسة التي ضربت المسار الديمقراطي في البلاد، التي وصلت لحد إفراغ الحزب كمؤسسة والتعددية كخيار ديمقراطي من محتواه”.

ولفت إلى أن “العشرية السوداء في الجزائر (1990- 2000)، لعبت دورا كبيرا في انسحاب الشباب من الفعل السياسي، بسبب التركة الثقيلة التي خلفتها سنوات الاقتتال والدماء، حيث صار الحماس والاندفاع الشبابي مرادفين للانزلاق نحو الفوضى الشاملة، ولذلك فانه لا ضير من الانطواء والانسحاب من الساحة، إذا كان الأمر ضريبة مقابلة للأمن والاستقرار والطمأنينة”.

سياسات الانتقال

وخلفت الحرب الأهلية في الجزائر 250 ألف من الضحايا معظمهم من الشباب بحسب إحصائيات رسمية صادرة عن الحكومة، وهي الفاتورة التي أفرزت تشعبات اجتماعية واقتصادية وسياسية، وخلقت مشهدا سياسيا مدجنا وفاقدا للمصداقية، مما فاقم حالة النفور الشبابي من طبقة سياسية هشة لا تظهر إلا في المواعيد الانتخابية وتختفي في الأوقات الأخرى.

ويذهب مختصون في علم الاجتماع، إلى أن الظاهرة التي تنتشر في مختلف الأقطار العربية، تحمل خصوصيات مميزة في الجزائر، فعلاوة على القواسم المشتركة المتعلقة بانتكاسة الاستحقاقات والتحولات الكبرى، والظروف الاقتصادية والاجتماعية التي ترغم الشباب على التفرغ لتحقيق متطلبات الشغل والسكن والزواج بدل الاهتمام بالممارسة السياسية، فإن فشل سياسات الانتقال والتداول بين جيلي ثورة التحرير وجيل الاستقلال، والتجربة السياسية الدامية في تسعينات القرن الماضي، ستؤجل العودة إلى الوضع الطبيعي لعقود كاملة.

الشباب كقوة اجتماعية وبشرية مهمشون ولا يوظفون إلا كأرقام خلال عمليات تعداد الأصوات وتأطير الحملات الدعائية

يعتبر أستاذ علم الاجتماع شفيق دحو، بأن “الوضعية معقدة والأسباب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، لها ضلع في الظاهرة، فالبطالة وغياب خدمات التكفل الحكومي، من الأمور التي تعيق الاستقرار المادي للشباب، ويبعدهم عن دائرة التفكير والإبداع واقتحام المجالات الأخرى وعلى رأسها المجال السياسي، ثم يلي ذلك أزمة السكن التي تحد من الطموح وتعمق مشاعر الاحتقان تجاه كل ما هو سياسي (حزب، مسؤول، ناشط أو مناضل.. )، لأن الانطباع السائد لدى هؤلاء هو أن السياسة هي سبب حرمانهم من أحد حقوقهم الأساسية”.

وأضاف “حتى التسرب المدرسي، له جزء من المسؤولية، لأن المدرسة الجزائرية تلفظ سنويا نحو نصف مليون تلميذ من مقاعد الدراسة، دون وجود بدائل أو آليات احتواء الأعداد المتراكمة، مما أدى إلى انزلاقات اجتماعية وأخلاقية خطيرة، وصناعة فئة اجتماعية جديدة تعيش على الهامش، فلا دراسة ولا تكوين ولا شغل ولا مصروف جيب، ما جعلها فريسة سهلة لشبكات المخدرات والمهلوسات والبلطجة، وهي فئة لا يهمها ما يجري خارج محيطها ولا تكترث لا بالسياسة”.

ولفت إلى أن “أكبر خطأ ترتكبه الطبقة السياسية في التعاطي مع الشباب هو تحويله إلى شعارات وخطابات خشبية، متداولة بقوة خلال الحملات الدعائية في الاستحقاقات الانتخابية، وفي باقي الأوقات ينصرف الجميع لخدمة أغراضه، مما ولد حالة أزمة ثقة مستفحلة بين الطرفين، لا سيما في ظل تفاقم الفـوارق الاجتماعية بين عموم الشباب وبين الحلقـات الضيقة في علب السياسة، وتحولها إلى مطية للكسب غير المشـروع والارتقـاء في السلـم الاجتمـاعي على حساب الطبقات المقهورة في القواعد”.

وتابع “هناك الكثير من الملامح والمعالم الماثلة في المشهد السياسي الجزائري التي تبعث على النفور والاشمئزاز، وتشجع على الهجرة منه، لأن بقاء زعيم حزب سياسي لربع قرن وأكثر على رأس حزبه، وجمود الخطاب السياسي في الزمن الذي عاشه هؤلاء، وعدم مواكبته لتطورات الحياة وطموحات الشباب، وتكرر نفس المفردات والمصطلحات الخشبية، تثبت أن الشباب المقاطعين لهذا المشهد قد تجاوزهم كثيرا هؤلاء، ولا يريدون أن يكونوا مادة لاستمرار هذا الوضع الشاذ”.

19