حضور المرأة في الشعر لا يوازيه حضورها في نقد

النقد الأكاديمي بنى من صيغه الصارمة سورا يضاعف من عزلته عن الحياة الشعرية العربية.
الجمعة 2020/01/03
تراجع دور المرأة النقدي (لوحة سهير السباعي)

لئن تراجع نقد الشعر بشكل كبير مؤخرا، فإن حضور المرأة الناقدة للشعر شهد بدوره تراجعا، رغم تعاظم حضور المرأة في القصيدة وما يكتب من شعر من قبل النساء والرجال، وبعيدا عن التصنيف الجنسي، فإن المفارقة تستدعي الانتباه إلى أن يتطور حضور المرأة في الشعر ويتراجع حضورها فعليا في نقده.

الإسهامات النقدية للمرأة الناقدة ما زالت محدودة وكأن هذا الحقل من الكتابة خاص بالنقاد الرجال. إن هذا الحضور الخجول للمرأة الناقدة يجعل دور المرأة في الحياة الأدبية منقوصا وهي مسؤولية تقع على عاتق الكاتبات قبل أي أحد آخر.

السؤال الذي يطرحه هذا الواقع هو لماذا يظل هذا الدور ضعيفا وغير مؤثر بالنسبة إلى المرأة الكاتبة، ولماذا تؤثر المرأة الكاتبة التوجه نحو الكتابة الإبداعية وفي مقدمتها الرواية والشعر في حين تبدو جهودها في حقل النقد الأدبي متواضعة. قد لا تكون هذه الظاهرة في الحياة الأدبية بالنسبة إلى المرأة الكاتبة هي الوحيدة إذ ظلت إسهامات المرأة في الكتابة المسرحية لا تذكر دون أن يكون هناك أي تفسير لهذه الظاهرة لا من قبل النقد ولا دارسي الأدب العربي.

نقد الشعر

قبل الحديث عن الدور النقدي شبه الغائب للمرأة الكاتبة لا بد من التمييز بين نوعين من المساهمة النقدية للمرأة وهي المساهمة الأكاديمية التي يظهر فيها تطور واضح في إسهام المرأة ضمن حقل الدراسات الأدبية والنقدية وقد تطور مع تطور وضع المرأة التعليمي في الجامعات، لكن هذه المساهمة كأغلب الدراسات الأكاديمية يكاد يظل محصورا داخل أسوار هذه الجامعات لأكثر من سبب لعل أهمها التزام هذه الدراسات بالمنهج الأكاديمي الصارم الذي يتطلب قارئا خاصا يمكنه أن يستوعب حجم المصطلحات واللغة الجافة التي تتميز بها.

لذلك لم تستطع هذه الدراسات أن تشكل رافدا للحياة الثقافية كما لم تستطع كاتباتها أن تنخرط بفاعلية في الحياة الأدبية. وفي حين تبدو مشاركة المرأة الناقدة في نقد الرواية والدراسات الخاصة بها خاصة من منظور نسوي معقولة إلى حدّ ما تبدو مشاركة المرأة الناقدة في نقد الشعر تحديدا شبه غائبة باستثناءات لا تذكر على الرغم من أهمية بعضها.

من المعروف أن نقد الشعر في هذه المرحلة التي تتصدر فيها الرواية المشهد الأدبي لم يعد يغري العديد من النقاد فكيف يكون بالنسبة إلى المرأة الكاتبة التي لم تؤسس حتى الآن لها حضورا يذكر في هذا المشهد.

دراسات المرأة للشعر نادرة ولم تشكل رافدا للحياة الثقافية، كما لم تستطع أن تنخرط بفاعلية في الحياة الأدبية

لقد انعكس تراجع حضور الشعر في الحياة الثقافية على الاهتمام النقدي به وكان للفوضى الراهنة التي تعيشها الكتابة الشعرية دور واضح في هذا السياق.

إن صعوبة القراءة النقدية للشعر خاصة بعد التطور الذي شهدته كتابة القصيدة الحديثة لم يكن أقل تأثيرا في تراجع الاهتمام النقدي بالشعر، وهذه المسألة لا تتعلق بالممارسة النقدية العربية وحدها بل تتجاوزها إلى النقد الغربي الذي بات مشغولا بدراسة الرواية.

لقد أثر هذا الواقع الثقافي على الاهتمام النقدي بدراسة الشعر وتحليله عموما، وعلى توجهات المرأة الناقدة للتخصص في دراسة الشعر تحديدا، خاصة مع تراجع الترجمات الخاصة بدراسة الشعر ومناهجها المختلفة.

إن هذا الوضع الخاص بإسهام المرأة الناقدة في مجال الشعر يدلّ على أن انشغالها بهذا الفن يكاد يكون شبه غائب وهو ما يضاعف في مشكلة حضورها الثقافي الفاعل ولاسيما
في مجال النقد بشقيه النظري والتطبيقي.

إن غياب انفتاح النقد الأكاديمي في أغلب حالاته على الحياة الثقافية وعدم تجاوزه لجدران عزلته قد أضعف في دور المرأة الناقدة في الحياة الثقافية ما أثر سلبا على هذا الدور ولاسيما في مجال الدراسات النقدية للشعر. وإذا كانت المسؤولية في ذلك تقع على عاتق المرأة المتخصصة في مجال الدراسات النقدية فإن المطلوب هو تطويع هذه اللغة النقدية لكي تصبح أكثر تيسيرا على القارئ وهو قارئ كما نعرف متعدد المستويات التعليمية والإمكانات المعرفية خاصة في ما يتعلق بأمور المناهج النقدية الحديثة ومصطلحاتها.

المرأة الناقدة

مشاركات قليلة
مشاركات قليلة 

من الغريب أن حضور المرأة في الشعر لا يوازيه حضور المرأة في نقد الشعر دون أن يكون ذلك مفهوما خاصة مع غياب الاهتمام بدراسة التجارب الشعرية للمرأة الشاعرة وهو ما يلقي على المرأة الناقدة مهمة لا يبدو حتى الآن أنها واعية لها أو متحمسة للقيام بها. إن هذه المسؤولية لا تعني بأي حال من الأحوال تقسيم النقد على أساس جنس صاحبه ولا عزل الممارسة النقدية وفق هذه الاشتراطات الجنسانية وإن كانت المرأة الناقدة يمكن أن تكون أكثر قدرة على الإنصات لما تقوله قصيدة المرأة من الناقد الرجل.

وما يزيد من هذه المفارقة أن بعض الإسهامات التي قدمتها أكثر من ناقدة في مجال دراسة الشعر لم يحاول أحد الإشارة إليها أو التعريف بها أو مناقشة ما تطرحه من رؤى وأفكار لكي يتم تشجيعها على مواصلة هذه الإسهامات وتطويرها، وكذلك التشجيع على ظهور إسهامات جديدة لكاتبات أخريات.

إن المهم في هذه الدراسات أنها حاولت من منظور منهج حداثي أن تقارب الشعر وتبحث في جماليات التعبير فيه خاصة على مستوى الصورة الشعرية والمكان والبنية الاستعارية. وعلى الرغم من أهمية ما قدمته هذه الدراسات فإنها ظلت عند بعض الناقدات محاولات يتيمة لم يتم تطويرها ومتابعتها لأسباب مجهولة لعل أهمها ضعف الاهتمام بهذه الإسهامات وتراجع حضور الشعر في الحياة الثقافية.

من هنا تظهر أهمية تنشيط الملتقيات والندوات النقدية وفسح المجال أمام المرأة الناقدة حتى تأخذ موقعها في هذه الملتقيات لكي نستعيد حضور المرأة الناقدة الفاعل خاصة في مجال دراسات الشعر بعد أن هيمن النقاد على الحياة النقدية وتصدروا واجهاتها بجدارة أو بغير جدارة، ما انعكس سلبا على مشاركة المرأة ودورها فيها، ولم تستطع الحضور والانتشار سوى أسماء أقل من عدد أصابع اليد الواحدة، الأمر الذي جعل النقد يبدو وكأنه ممارسة خاصة بالنقاد الرجال. إن هذا الواقع السائد في حياتنا الثقافية لا يعفي المرأة الكاتبة من مسؤولياتها في هذا المجال فهي المعنية بتطوير دورها وتوسيعه ولا يكون ذلك إلا بالمزيد من المشاركة الفاعلة والنشيطة في الحياة الأدبية.

14