حظر إنشاء الأحزاب الدينية في مصر

الثلاثاء 2013/11/05
بديع.. خطاب ديني تقمص لبوس المدنية

بعد الإطاحة بحكم الإخوان الذي جثم على صدور المصريين وسعى بكل الوسائل إلى أخونة الدولة المصرية، يعيش المجتمع المصري الآن على وقع التأسيس لدولتهم المدنية التي يتساوى فيها جميع المصريين تحت مظلة القانون الذي يسطره الدستور. وذلك ما ترمي إليه مجهودات لجنة الخمسين المكلفة بإعداد الدستور والتي تسعى إلى وضع قوانين تضمن حقوق الجميع وتجمع المصريين ولا تفرقهم.

وقد رحب عدة سياسيين بالقانون الذي تضمنته المادة 54 والتي تنص على حظر إنشاء الأحزاب السياسية على أساس ديني أو بناء على التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو على أساس طائفي أو جغرافــــــي أو معـــــــاد لمبادئ الديمقراطية.

وهذا القانون سيلزم الأحزاب الإسلامية المتعددة في مصر من الحزب الإخواني وأحزاب أخرى قريبة من الإخوان مثل الحرية والعدالة، الوسط، ومصر القوية، والنهضة، والريادة، والتيار ومن الأحزاب السلفية، مثل حزب النور، ثاني أكبر الأحزاب الإسلامية، بعد الحرية والعدالة، والأصالة، والفضيلة، والإصلاح، والنهضة السلفي، والحزب "السلفي الجهادي، والبناء والتنمية وغيرها.

ونعرض هنا موقفين متباينين من قانون حظر الأحزاب على أساس ديني الأول لوحيد عبد المجيد، القيادي بجبهة الإنقاذ، الذي يرى أن حظر إنشاء الأحزاب على أساس ديني من شأنه أن يمنع التجارة بالإسلام في السياسة ويفصل بين الدين والسياسة. والثاني لصلاح عبد المقصود الممثل الاحتياطي لحزب النور بلجنة الخمسين الذي يذهب إلى أن المادة بصياغتها الحالية مطاطة وغير محكمة ومبهمة وفضفاضة.

لا بد من فصل الدين عن كل ماهو سياسي


خطوة إيجابية لفصل الدين عن السياسة

يرى الدكتور وحيد عبد المجيد، القيادي بجبهة الإنقاذ، أن حظر إنشاء الأحزاب على أساس ديني من شأنه أن يمنع التجارة بالإسلام في السياسة ولابد من فصل الدين عن كل ما هو سياسي.

ويلفت إلى أن الأحزاب الدينية الحالية لن يتم حلها في حال صدور تلك المادة وتعديل القانون الخاص بها، ولكن على تلك الأحزاب أن توفق أوضاعها وفقا للقانون، و يذهب إلى أن وضع مادة حظر الأحزاب على أساس ديني بداخل الدستور الجديد سوف تضر العلاقة بين حزب النور والدعوة السلفية .

ويقول القيادي بجبهة الإنقاذ: علينا أن نعترف أن مصطلح الأساس الديني هو تعبير غامض، وليس لها أي وجود في الشارع المصري، بمعنى أن النص الجديد في التعديلات الدستورية بشأن حظر الأحزاب الدينية لا يعني شيئا على الأرض، موضحا أن تفسير هذا النص لابد أن يكون في القانون.

ويرى أن مشرع القانون هو الذي سيحدد في المستقبل ما هي الأفعال التي إذا ارتكبها الحزب اعتُبر أن له أساسا دينيا. فالأمر متوقف على المشرع وما إن كان سيتوسع في نطاق الأفعال أم يضيقها وهذه مسألة نسبية، لأن التعبيرات الغامضة تتوقف على تفسيرها.

واستشهد عبد المجيد ببرنامج حزبي النور والحرية والعدالة مؤكدا أن برامج مثل هذه الأحزاب ليس فيها ما يشير إلى أنها حزب ديني.

ومن الصعب أن يحظر المشرع اعتماد برنامج الحزب على الشريعة الإسلامية لأن الدستور ينص في الأساس على أن مرجعية الدولة مبادئ الشريعة، وبالتالي فمن حق أي حزب أن ينطلق من الشريعة.

ويؤكد عبد المجيد أن الفائدة من هذا النص لن تتسب فى حل الأحزاب ولكن القانون سيتم تعديله ليتم حظر استخدام الشعارات الدينية في الدعاية للحزب أو استخدام دور العبادة في العملية السياسية، وهذان الأمران ليسا مقصورين أو موجهين بالأساس إلى الأحزاب ذات التوجهــات الدينيــــة وإنما جميع الأحزاب.

ويذهب وحيد إلى أن حظر لجنة الخمسين، المعنيّة بتعديل الدستور، لإنشاء الأحزاب على أساس ديني ليس له أثر في الواقع إلا بعد إصدار قانون الأحزاب، عندما يتم تعديله وفقا لهذا النص الجديد.

ويرى أنه فيما يخص موقف حزب النور عقب إقرار هذا الدستور فإن هذا الحزب نشأ وفقا للإعلان الدستورى الصادر في مارس 2011، وكان فيه نص مماثل لهذا النص، حيث يحظر إنشاء الأحزاب على أساس الدين، ولكن لم يكن هناك سند قانوني لتفعيل هذا النص، وبالتالي فإنه عند إقرار الدستور الجديد وإصدار قانون يُفَعِّل هذا النص قد يؤدي ذلك إلى تصنيف حزب النور كحزب ديني إذا ثبت بالدليل وجود علاقة بينه وبين الدعوة السلفية.

ويعتبر القيادي في جبهة الإنقاذ، أن النص في الدستور الجديد على عدم إنشاء الأحزاب السياسية على أساس ديني إن لم يتم وضع قانون يحدد مواصفات الحزب الذي يقوم على أساس ديني، حيث لابد من وضع نص في القانون يحدد ما هو المقصود من إنشاء حزب على أساس ديني، فإن أثره غير واضح في الحقيقة.

ويعتقد وحيد أن النص الدستوري لا يمكن تطبيقه إلا من خلال قانون، يجب أن يتضمن وينص على المواصفات التي بمقتضاها يمكن أن نقول إن هذا الحزب هو حزب ديني أم غير ذلك، كالأحزاب مثلاً التي تستخدم الشعارات الدينية في الانتخابات أو تستغل المساجد والجمعيات الأهلية في الدعاية الانتخابية، والتي يمكن أن نطلق عليها مسمى حزب ديني.

وأنه كان من الأفضل أن يقوم واضع الإعلان الدستوري بتسمية الأحزاب بأسمـــــائها ولا يصنفهــــا بتصنيفات وهمية.

صياغة المادة مبهمة وغامضة


إخضاع الأحزاب لأهواء السلطة الحاكمة

على خلاف وحيد عبد المجيد يرى صلاح عبد المقصود الممثل الاحتياطي لحزب النور بلجنة الخمسين أن المادة بصياغتها الحالية مطاطة وغير محكمة و مبهمة وفضفاضة، ويصعب وجود معنى واحد لها وبها غموض والتباس، وتخضع الأحزاب لأهواء السلطة الحاكمة، مطالبا بإعادة صياغتها بشكل واضح حتى لا يتم تفسيرها أو تطبيقها بالخطأ أو حسب أهواء السلطة. ويرفض عبد المعبود، المادة التي أقرتها لجنة الخمسين لتعديل الدستور بحظر إنشاء الأحزاب على أساس ديني أو التي تمارس نشاطا دينيا.

ويستشهد صلاح بمادة حظر إنشاء أحزاب على أساس ديني في دستور 1971، وقال: إنها منعت إنشاء أحزاب على رأسها حزب الوسط بدعوى أنه قائم على أساس ديني، ونفس المادة سمحت بإنشاء حزب الوسط وغيره من الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، بعد ثورة يناير، وهو ما يؤكد ارتباطها بأهواء السلطة على حد قوله.

ويعتبر أن هناك غموضا والتباسا في استخدام تعبير "حزب على أساس ديني"، وهذا ما قد يحدث خللا في فهم البعض، مؤكدا ترحيبه بانضمام كل أفراد المجتمع وطوائفه لحزبهم.

ويرى صلاح أن هناك خلطا واضحا فى المفهوم بين الأحزاب الدينية والأحزاب القائمة على مرجعية الشريعة الإسلامية، وأن الحزب الديني هو الذي يقوم على أساس التفريق بين المواطنين باشتراط "دين" معين فى عضويته أو مذهب أو طائفة، أما الأحزاب التي تفتح أبوابها لكل المصريين شريطة الالتزام ببرنامج الحزب فلا محظور فيه، وكونه ينص على مرجعية الشريعة الإسلامية فهو لا يخالف الدستور.

ويوضح الممثل الاحتياطي في اللجنة أن "النور" حزب سياسي يطالب بتفعيل بعض مواد الدستور وهي المادة الثانية، والتي تدل على مرجعية الشريعة الإسلامية.

ويؤكد أن حزب النور هو حزب سياسي غير قائم على أساس ديني، موضحا أن إقرار لجنة الخمسين المنوط بها تعديل دستور 2012 المعطل لمادة تحظر قيام الأحزاب على أساس ديني لا يضر الحزب في شيء.

ويعتقد صلاح أن كلمة "حظر الأحزاب الدينية" تثير الجدل حول التباس بعض الأمور التي ليس لها معنى واضح قائلا: "لا نريد أن نضع كلمة في الدستور كما حدث في كلمة مبادئ".

ويقول عبد المعبود إن حزبه لن يتأثر بهذه المادة لكونه حزبا سياسيا يضم كل أطياف المصريين، مفسرا حالة عدم التوافق داخل اللجنة علي المادة 219 من دستور 2012 نتيجة اقتناع الأطراف الأخرى المعارضة داخل اللجنة بالإبقاء على نص المحكمة الدستورية.

وكشف ممثل حزب النور في اللجنة، عن تجاهل الـ50 للبدائل التي قدمها الحزب حول المادة 219 في الفترة الأخيرة والمتمثلة في: حذف كلمة "مبادئ" من المادة الثانية والإبقاء على المادة 219 أو دمج المـــــادة الثــــانية والمـادة 219 كمـادة واحدة.

كما يرى عبد المعبود إن حزب النور يرفض أن يتضمن الدستور كلمتي "مدنية" و"ديمقراطية" في أي مادة لعدم وضوح معناهما، بحسب وصفه.

ويقول عبد المعبود: مصرون على تفسير كلمة مبادئ، وطالبنا من اﻷزهر تفسيرا لها، لنثبت أننا منفتحون على الجميع، ولسنا متمسكين بنص المادة 219 كما هو في دستور 2012 المعطل.

ويذهب صلاح عبد المعبود إلى القول: إننا نرفض كلمة مدنية الموجودة فى المادة الأولى، ونسعى إلى حذفها، كما أننا نرفض كلمة غير المسلمين الموجودة في المادة الثالثة ونرفض تماما حظر الأحزاب القائمة على أساس ديني. ويرى ممثل النور في الخمسين أنه من الممكن وضع دستور مثالي لكن لا يتم العمل به، قائلا: نحن نعمل بكل المتاح كي نسهم في وضع دستور لكل المصريين.


الإخوان و ازدواجية الخطاب

ليس غريبا أن تمنى تجربة الإخوان في الحكم بالفشل الذريع، ذلك أنهم افتدقوا إلى كثير من الوضوح وخادعوا الشعب المصري طويلا.

ونجحوا في توظيف بعض الشعارات التي تصر على أنهم مع الدولة المدنية ومع سيادة القانون وتطبيقه على الجميع وأن مصر لكل المصريين وأن تصنيف الناس على أساس ديني لا يمكن اعتماده، بل هو من دواعي التفرقة والعداء وتقسيم المجتمع المصري. غير أن فترة الشعارات والخداع لم تطل فقد أبان الإخوان بعد وصولهم إلى السلطة عن وجه آخر هو وجههم الحقيقي لمن لا يعرفهم، وحاولوا اللعب على الوتر الديني وأخذوا يصنفون الناس على أساس الولاء الديني "معي أو ضدي" تماما كالمنطق البوشي.

وما لبثوا أن رسموا الخطط للتمكين موظفين الخطاب الديني ومحاولين التأثير على الشعب المصري وغاب خطاب الدولة المدنية والحريات والديمقراطية والاختلاف وكل الشعارات التي رفعت. ولم يعد هناك من خطاب غير خطاب مرشدهم الذي يحوله الرئيس مرسي الذي اعتقد أنه رئيس لكل المصريين إلى واقع ملموس. محمد بديع سمح لنفسه أن يكون وصيا على المصريين وعلى أحلامهم وعلى طموحاتهم من خلال السعي إلى التغلل في مفاصل الدولة المصرية بخطاب يجعل الدين المعيار الأول للولاء وللقرب من بيت الإرشاد.

هذا الخطاب المزدوج هو الذي جعل المصريين يهبون إلى إزاحتهم من طريق الثورة بعد أن اكتشفوا حقيقة خطابهم المراوغ والمخادع.

ويذهب البعض إلى أن تجربة حكم الإخوان القصيرة كشفت للمصريين العديد من الحقائق ونبهت إلى الكثير من الإجراءات التي من خلالها سيقع تحصين المجتمع المصري من الخطر الإخواني. ولعل الدستور هو الضامن الوحيد لعدم مساس أي كان بحياة المصريين وحرياتهم الفكرية والدينية. ويمكن عد قانون حظر الأحزاب على أساس ديني يدخل في ذلك الإطار لما يمثله من أهمية لإبعاد الدين على كل المزايدات الحزبية وعن الأحزاب التي تعتقد أنها الحامية له والمتكلمة باسمه.

وقد وصف البعض قرار لجنة الخمسين بأنه قرار صائب وبأنه ضروري خلال هذه المرحلة، وخطوة جيدة على طريق فصل العمل السياسي عن العمل الدعوي.

من ذلك ما ذهب إليه رفعت السعيد، القيادي بحزب التجمع، الذي يرى أن حظر قيام أحزاب على أساس ديني واجب، وأنه دون حظر هذه الأحزاب ستتحول كثير من القوى السلفية وقوى الإسلام السياسي إلى نواة للإرهاب، قائلا: "الإرهاب ليس أن يفجر شخص مجنون قنبلة في مجموعة أبرياء، ولكن الإرهاب يبدأ فكرا، وهذه الأحزاب تبلور نفسها على أنها المتحدثة عن الإسلام وعلى هذا الأساس فمن يقف ضدهم سيكون كافرا".

ويتضح من خلال ردود الأفعال على قانون الحظر بأن المطلب كان شعبيا وليس مقتصرا على البعض أو على جهات سياسية بعينها.

كما يقول عبد الغفار شكر، رئيس حزب التحالف الشعبى، إن إقرار لجنة الخمسين حظر قيام أحزاب على أساس ديني جاء استجابة للمطلب الشعبي والسياسي الذي نادت به القوى السياسية.

12