حظر ازدراء الأديان يعيد أوروبا خطوات إلى الوراء في مجال حرية التعبير

هجوم شارلي إيبدو وفتوى هدر دم رشدي حدثان بعيدان زمنيا يتشاركان رمزية استهداف القيم الأوروبية الأساسية.
الخميس 2019/01/10
خروج عن الموضوع

تمكن تكتل العديد من الدول من أجل تجريم ازدراء الأديان وعدم احترام المعتقدات والسعي لضبط تشريعات تردع الجريمة الدينية من ترجيح الكفة لصالح قيم التعايش السلمي بين الأديان والتسامح، لكن تكلفة هذا الأمر على مستوى حقوق الإنسان لم تكن أمرا يمكن التغاضي عنه، فقد ألغى تجريم ازدراء الأديان إلى حد ما حرية التعبير وأصبحت تشكل تهديدا للأقليات أو المنشقين عن دين معين أو الأشخاص الحاملين لأفكار غير تقليدية.

لندن – في ظل تطلع الدول والمجتمعات إلى ترسيخ قيم التسامح والتعايش السلمي بين الأديان، تم وضع قوانين رادعة ضد جرائم ازدراء الأديان وعدم احترام المعتقدات أو السعي لوضع تشريعات للحد من الجريمة الدينية، على غرار الخطابات السياسية الأوروبية مباشرة بعد الهجوم على المجلة الفرنسية الساخرة “شارلي إيبدو”. كما صدرت أحكام قضائية صارمة على خلفية أحداث تتعلق بإهانة دين أو طائفة أو نبي على غرار ما حدث في باكستان أو غيرها من الدول الإسلامية وحتى الدول الأوروبية.

لكن هذا الأمر وبنظر المدافعين عن حقوق الإنسان يسير بوضع الحريات والحقوق خطوات إلى الوراء بعد نضالات كبيرة في سبيل التمتع بحرية التعبير عن الأفكار والآراء دون قيود مفروضة مهما كان مصدرها.

وينتقد المدافعان عن حقوق الإنسان، جاكوب مكانغاما وسارة ماكلولين، في مقال نشراه بمجلة فورن بوليسي، عدم إيجاد أي دفاع منسق عن القيم الأوروبية الأساسية التي استهدفها الهجوم على مجلة شارلي إيبدو في العام 2015 وقبله هدر دم الكاتب البريطاني الهندي سلمان رشدي بعد فتوى صادرة عن الخميني في عام 1989.

ويقول الكاتبان إن العام 2019 يستهل بذكرى حدثين مظلمين في مجال حرية التعبير عبر التاريخ الحديث: الأول هو الذكرى الرابعة للهجوم على المجلة الفرنسية الساخرة “شارلي إيبدو”، والثاني هو الذكرى الثلاثون لفتوى الخميني الداعية إلى هدر دم الكاتب البريطاني الهندي سلمان رشدي.

وجاكوب مكانغاما هو المدير التنفيذي لمؤسسة “جاستشا” (العدالة)، وهي مؤسسة فكرية مقرها كوبنهاغن تركز على حقوق الإنسان وحكم القانون والمخاطر المهددة لحرية التعبير. أما سارة ماكلولين فهي مسؤولة بمؤسسة الحقوق الفردية في التعليم الأميركية. ويلفت المقال إلى أنه بدل التركيز على استهداف القيم الأوروبية من المرجح أن تضع أعلى المؤسسات الأوروبية قوانين لمكافحة الازدراء والجريمة الدينية.

الهجوم ضد مجلة “تشارلي إيبدو” مطلع يناير 2015، الذي نفذه الأخوان سعيد وشريف كواشي أسفر عن إعدام 12 شخصا، من بينهم رسامي كاريكاتير وصحافيون، بسبب رسوم ساخرة نشرتها المجلة للنبي محمد.

قادة أوروبا أدانوا الهجوم على شارلي إيبدو وأعادوا تأكيدهم على التزامهم بحرية التعبير. لكن الدعم الخطابي الذي حشدته حرية التعبير بعد الهجوم على “شارلي إيبدو”، رافقه في السنوات الأخيرة المزيد من ترسيخ حظر ازدراء الأديان في عدد من البلدان الأوروبية.

العديد من الأحداث تبرز تناقض تعامل الديمقراطيات الأوروبية مع مسألة الازدراء وحرية التعبير خلال مؤتمرات الأمم المتحدة

وفي آخر حادثة في هذا السياق، رأت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان أن النمسا لم تنتهك حرية التعبير بإدانة امرأة لأنها وصفت النبي محمد بـ”المتحرش بالأطفال”، حيث أعادت المحكمة التأكيد على أن قانون حقوق الإنسان الأوروبي يعترف بحق عدم جرح المشاعر الدينية. واعتبر البعض أن قرار المحكمة كان دفاعا ضروريا عن أقلية مسلمة معرضة للتأثر بالتعصب والكراهية الدينية.

ومقال فورن بوليسي ينتقد هذا الطرح بالقول إن القوانين ضد الإهانة الدينية والازدراء تختلف بشكل عام عن قوانين خطاب الكراهية، التي تمثل إشكالية في حد ذاتها، والتي يزعم أنها تحمي الناس بدلا من تجريد الأفكار الدينية والعقائدية.

ويوضح مكانغاما وماكلولين بأنه “كثيرا ما تحمي القوانين ضد الازدراء والإهانة الدينية الأغلبية ضد الأقليات والمعارضين”، فعلى سبيل المثال في إسبانيا ألقي القبض على الناشط ويلي توليدو، ويواجه الآن محاكمته بتهمة “الإساءة إلى المشاعر الدينية” بعد إبلاغ الشرطة عن منشوراته على موقع فيسبوك من قبل جمعية من المحامين الكاثوليك.

كما ستنظر المحكمة في قضية نجمة البوب البولندية دودا، المدانة بـ”الإهانة الدينية” بعد مقابلة قللت فيها من احترام المسيحية قائلة إنه “من الصعب تصديق كتاب مقدس كتبه شخص كان تحت تأثير النبيذ والماريخوانا”.

وفي روسيا، تم استخدام قانون ازدراء سنة 2013، لاستهداف مستخدمي وسائل الإعلام الاجتماعية والاحتجاجات السياسية، وبسبب هذا القانون قد ينتهي الأمر بالمدانين في قائمة الحكومة إلى “متطرفين وإرهابيين”.كل هذه الأحداث والحالات تبرز بوضوح تناقض كيفية طرح وتعامل الديمقراطيات الأوروبية مع مسألة الازدراء وحرية التعبير خلال اجتماعات ومؤتمرات الأمم المتحدة.

البلدان الإسلامية بدورها لم تكن بمنأى عن الجدل الذي تثيره مسألة ازدراء الأديان واحترام حرية التعبير. فمنذ عشر سنوات، تحاول منظمة التعاون الإسلامي فرض حظر على الازدراء في العالم من خلال إصدار قرارات سنوية ضد “تشويه صورة الأديان”. وفي سنة 2012، كان على الأمين العام آنذاك، أكمل الدين إحسان أوغلو، أن يعترف بهزيمته تحت ضغط من الديمقراطيات ومنظمات حقوق الإنسان والناشطين، وترك زمام المبادرة إلى الولايات المتحدة والديمقراطيات الأوروبية.

وجاء هذا النصر الحاسم لحرية التعبير متبوعا ببيانات من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومجلس أوروبا الهيئات والخبراء، الذين أكدوا على عدم توافق حظر الازدراء مع حرية التعبير بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.

ومن خلال كسر هذا الإجماع وعدم بلورة حماية الازدراء والإهانة الدينية ضمن معايير حقوق الإنسان الملزمة قانونا، فشلت المحكمة في توفير حماية موسعة لحرية التعبير للأوروبيين المتأثرين بهذه القوانين، لكن استدلال المحكمة والإنفاذ المتواصل لحظر الازدراء في الديمقراطيات الأوروبية يساعدان أيضا على إضفاء الشرعية على القوانين التي تعاقب الجرائم الدينية في الدول التي يعتبر الازدراء فيها سببا للقتل.

الدعم الخطابي الذي حشدته حرية التعبير بعد الهجوم على “شارلي إيبدو”، رافقه في السنوات الأخيرة المزيد من ترسيخ حظر ازدراء الأديان في عدد من البلدان الأوروبية

وفي سنة 2010، اقترحت منظمة التعاون الإسلامي قرارا يستند إلى صياغة حظر الازدراء الأيرلندي (منذ إلغائه)، ثم شجع مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بحرية الدين أو المعتقد الديمقراطيات الأوروبية على إلغاء هذا الحظر لأنه يوفر غطاء للدول غير الليبرالية أين يستخدم لاضطهاد الأقليات وخنق المعارضة الدينية. فغالبا ما تكون العواقب على المستهدفين متطرفة.

ونهاية أكتوبر الماضي، أصدرت المحكمة العليا الباكستانية حكما مفاجئا بتبرئة آسيا بيبي، وهي امرأة مسيحية قضت ثمانية أعوام في انتظار تنفيذ حكم الإعدام بسبب الازدراء.

وفي ديسمبر الماضي، حكم على شقيقين بالإعدام في باكستان لنشرهما “ملاحظات تحط من شأن النبي الكريم”.

وحكمت السعودية على أحمد الشمري بعقوبة الإعدام بتهمة الازدراء والإلحاد عام 2017، بعد تغريدة له مسّت من النبي محمد والإسلام. وفي 2018، تبنت موريتانيا قانونا يجعل عقوبة الإعدام إلزامية “لخطاب الازدراء”.

وفي إندونيسيا وإيران وباكستان ومصر، السجن هو مصير العشرات من الأشخاص الذين أدينوا بالازدراء، وهم من أقليات دينية أو لديهم آراء غير تقليدية، أو مدافعين عن العلمانية. إنّ العديد من الدول التي تعاقب الازدراء الديني والتجديف تعاني أيضا من عنف جماهيري شديد، موجه ضد المنشقين الدينيين، فلا يكون تطبيق القانون أسوء مصير للمتهم بالازدراء الديني.

وفي العقد الماضي، أدرك عدد متزايد من الدول الأوروبية أن القوانين ضد التجديف والإهانة الدينية لا تتوافق مع التزامها بحرية التعبير ولا يمكن الدفاع عنها في عالم تواجه فيه الأقليات الدينية والمنشقون عقوبة الإعدام أو الجلد أو السجن لمدة طويلة بسبب اتباع ضمائرهم. ورغم أن المملكة المتحدة وأيسلندا وهولندا والنرويج والدنمارك ومالطا وأيرلندا ألغت جميع أشكال حظر التجديف، فإن نحو 20 بالمئة من البلدان الأوروبية تجرم رسميا التجديف أو الإهانة الدينية.

ولم يعد سلمان رشدي يعيش مختبئا، لكن فتوى هدر دمه لا تزال سارية المفعول بعد مرور 30 ​​سنة على صدورها. أما شارلي إيبدو وفي الوقت الذي تستمر فيه بإثارة غضب اليمين واليسار والوسط، فإن حريتها المتواصلة للقيام بذلك ثمنها يقدر بنحو 1.7 مليون دولار من التكاليف الأمنية.

13