حظر الإفطار العلني في العراق يبدد جهود مكافحة التطرف والارهاب

قرار حظر الإفطار العلني يدخل في إطار "سياسات الهوية" التي تخلق التناقضات والضغائن بين مكونات المجتمع، وتمزّق النسيج الاجتماعي.
الجمعة 2018/06/01
حلويات عراقية يحظر أكلها في النهار

يبدو أن الدولة العراقية مصرّة على حصر مقاربتها لمكافحة التطرف الديني في الإطار العسكري والبوليسي؛ فيما مؤسساتها مستمرة في انتهاج سياسات دينية أصولية تخلق التطرف وتكرّس أفكاره ومفاهيمه عبر تقمّص السلطة لدور الواعظ واستلهام منطق “ولاية الفقيه” في إدارة البلاد، فمع دخول شهر رمضان، أصدرت السلطات قرارا باتخاذ ما أسمته “الإجراءات القانونية” بحق “المجاهرين” بالإفطار وإحالتهم إلى القضاء، وغلق المطاعم وأماكن بيع الأطعمة والمقاهي من شروق الشمس إلى الغروب، باستثناء عدد من المطاعم على أن تكون مستورة بأغطية على الأبواب، إلى جانب غلق ومراقبة محال بيع المشروبات الكحولية، وكذلك منع إقامة نشاطات فنية باعتبارها لا تنسجم مع “قدسية” رمضان بعد الإفطار في المطاعم والفنادق والنوادي الاجتماعية كافة.

 وهي إجراءات تنتهك بشكل صريح الحقوق والحريات الشخصية والمدنية والاقتصادية والثقافية للمواطنين، وتثير الحساسيات الدينية والطائفية، وتزرع التفرقة بين الفئات الاجتماعية؛ لأنها تستخدم الهوية الدينية للمجموعة المسلمة في قمع الحريات الثقافية والاجتماعية للمجموعات الدينية الأخرى.

 

الإجراءات القمعية المتشددة التي تنتهجها الحكومة العراقية في حق المفطرين خلال شهر رمضان، تنطوي على خطورة متعددة الأبعاد ووخيمة النتائج على الصعيد الاجتماعي، فهي من جهة تفسد وتبدد كل جهد أمني وعسكري تزعم الدولة أنها قامت به في مجال مكافحة الإرهاب، ومن جهة مقابلة، تقسم المجتمع إلى صائمين ومفطرين، وذلك من خلال سن ما يشبه قانون حظر الإفطار، الذي ينتهك الحريات الفردية ويكرس دكتاتورية الدولة التي من الأجدر بها أن تلتفت إلى القضايا التنموية والأمنية التي تخص جميع المواطنين بدل التدخل في شؤونهم الشخصية والعقائدية.

ويدخل حظر الإفطار العلني في إطار “سياسات الهوية” التي تخلق التناقضات والضغائن بين مكونات المجتمع، وتمزّق النسيج الاجتماعي، وتصنّف المجتمع إلى صائمين ومفطرين أو متدينين و”منفلتين”، وبذلك فهي تعمل بالضد من الوظيفة الإدماجية للدولة والقائمة على قاعدتي سيادة القانون والمساواة أمامه، إذ تفتقر هذه التعليمات للشرعية القانونية لعدم وجود قانون يمنح السلطات حق معاقبة المفطر.

كما تفتقد للشرعية الدستورية لأن الدستور لا يصلح أساسا كمرجعية حاكمة هنا لكونه يناقض نفسه عندما يحظر التمييز الديني في باب الحريات المدنية؛ ولكنه يؤسس للدولة الدينية ويكرّس التمييز في المادة الثانية التي تطالب بالحفاظ على “الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي”.إن من شأن السياسات المفتقرة للعدالة توليد التطرف في المجتمع، فالتسامح والاعتدال وتقبّل التنوع والاختلاف نتاج للحرية، أما الكراهية فهي محصلة لسياسات القسر والإكراه واللجم الاجتماعي.

ويؤشر إصدار هذا القرار إلى خلل عميق في العقل السياسي للدولة، فهو يتناقض تماما مع مفهوم الحكم الرشيد بما هو أسلوب ممارسة السلطة لإدارة الموارد الاقتصادیة والاجتماعیة للبلاد لصالح التنمیة.

لكن سياسات التمييز الديني وقمع ومصادرة الحريات من شأنها تقويض تماسك المجتمع، وهدر رأس المال الاجتماعي الذي قوامه التنوع والتعايش والتسامح، وإشاعة مشاعر الخوف والارتياب والكراهية؛ بمعنى أن ممارسة السلطة هنا تتم لأجل السيطرة والإخضاع لا لصالح التنمية والإدارة الرشيدة للحياة الاجتماعية والإصلاح والتقدم والخير العام والمصلحة المجتمعية المشتركة. أي أن الدولة هنا ترتكب خطيئتين؛ الأولى توظيف الدين في خدمة سلطانها، والثانية تضليل المجتمع بشعارات حماية الدين.

وكل انشغال حكومي بالقضايا ذات الطبيعة الهوياتية والأيديولوجية، أو بمحاسبة الأفراد على خياراتهم في المعتقد والسلوك؛ إنما يتم على حساب المصالح التنموية الموضوعية للمجتمع، ويشي بتقصير السلطة في أداء مسؤولياتها الاقتصادية والخدمية وافتقارها للعقلانية، ذلك أن الوعي الاقتصادي بطبيعته وعي عقلاني، وحين تكون التنمية الاقتصادية هي البوصلة ينعكس ذلك على كل سياسات السلطة وممارسات الحكم فتكون واقعية وذات جدوى خدمية فعلية، أما حين يسود الوعي الديني المحافظ بين النخب الحاكمة فإن بوصلة المؤسسات العامة تنحرف باتجاه جدالات وسياسات خاوية تخنق الحياة وتحاصر الناس وتضيّق عليهم في حياتهم الشخصية والاجتماعية. إن سيطرة التفكير الديني على سياسات صانع القرار يهدد مستقبل التنمية والتحديث في هذا البلد.

تأميم الدين وتجزئة الحرية

ويندرج قرار ملاحقة “المجاهرين بالإفطار” ضمن مفهوم “تأميم الدين” الذي بموجبه تنصّب الدولة نفسها وصيّة على الدين، وتحوّله من شأن شخصي إلى شأن حكومي عام تتولى تسييره وضبطه. وفي تحكّم الدولة بالمجال الديني فإنها تسعى لفرض سطوتها على المجال العاطفي والوجداني للأفراد ومحاكمة نواياهم. إنها تنتهك حرية الصائم قبل حرية المفطر، ذلك أن الحرية الشخصية مفهومها واحد لا يتجزأ. وواجب الدولة هو حراسة حق المواطن في ممارسة معتقداته الدينية وتقاليده، وكذلك حماية حقه في الامتناع عن ممارسة أيّ طقوس دينية أو ثقافية لا يؤمن أو يقتنع بها؛ ولكنها تعمل بالضد من هذا الدور عندما تنحاز لدين محدد من دون الأديان والمعتقدات، وتدعم من يمارس أحد طقوسه على حساب الآخرين.

ويجدر بالصائمين أن يكونوا أول من يعترض على تطفّل السلطات الحكومية على الشأن الديني وتدخّلها السلطوي لمعاقبة المفطرين؛ لأنها بذلك تنتهك قيم التسامح والغفران والرحمة التي يُفترض أنها قيم محورية تهدف عبادة الصوم إلى تحقيقها من خلال مجاهدة النفس وتقويم السلوك في رمضان، حيث تتسبب الحماية الحكومية للصيام في إفراغ العبادة من محتواها، وتؤدي ضغوط السلطات السياسية والدينية والاجتماعية على الأفراد إلى إشاعة النفاق والرياء والازدواجية في السلوك الديني، بمعنى أننا إزاء عملية تسميم للحياة الدينية باستخدام القانون، وتسميم للحياة الاجتماعية باستخدام الدين.

وينتمي قرار حظر الإفطار العلني إلى مجموعة من الأعراف الإدارية المتهالكة التي أخذت قوة القانون، وباتت تحتاج إلى إلغاء جذري، وإحلال بدائل قانونية حديثة عوضا عنها وفق فلسفة سياسية وتشريعية جديدة تستوعب وتتفهم التحولات الثقافية والاجتماعية الجارية في العالم، وتتجاوز في الوقت نفسه الالتباس الحاصل في “هوية الدولة”، والمتمثل في نصّ الدستور على عدم جواز سن قانون يتعارض مع “ثوابت الإسلام” أو مع “مبادئ الديمقراطية” على الرغم من أن كليهما حمّال أوجه وقابل للتأويل والتوظيف الأيديولوجي بشكل يسمح بتمرير تشريعات وسياسات الإقصاء وانتهاك حرية المعتقد والضمير.

استخدام مصطلح "المجاهرة بالإفطار" يدخل في باب إساءة الظن والاتهام الكيدي والادعاء بالباطل ضد المفطرين

وقد يكشف تأييد بعض الصائمين لسياسات القمع ضد المفطرين أن الصيام تحوّل لديهم من قضية روحية ووجدانية إلى قضية هوياتية وفئوية تتعلق بتأكيد هيمنة الفئة الاجتماعية التي ينتمون إليها. وما يبدونه من كراهية وقسوة تجاه المفطرين علانية إنما يعكس التعصب والتمحور حول الذات والنرجسية الدينية التي ربما لو تتبعنا جذورها لوجدناها ترتبط بنرجسية جهوية أو فئوية أو ثقافية أو طبقية معينة، أو تعكس نزعة الأغلبية لإخضاع وترويض الأقليات وطمس هوياتها وخياراتها.

 ومثلما تستخدم السلطات الحكومية الدين لتغليف نزعتها السلطوية القمعية وسعيها لإخضاع المجتمع وخلق الإذعان لديه؛ فإن هدف العقل الديني الجمعي من استهجان الإفطار العلني وتبرير المعاملة الجائرة للمفطرين هو حماية التقاليد الاجتماعية والهوية الجماعية المحافِظة وليس الدفاع عن الدين، كما أن غاية السلطة الدينية من فتاواها المتشددة ضد المفطرين هي تأكيد هيمنتها على سلوك الناس وخياراتهم وليست نصرة الإسلام.

يقول الباحث الأردني إبراهيم غرايبة “عمليات التحريم والعقوبات الدينية مثل تحريم الموسيقى والرسم أو محاسبة تارك الصلاة أو مفطر رمضان ليست إلا عمليات سلطوية للهيمنة على الناس لخدمة السلطة والنخب ولا علاقة لها بالدين”.

ولا يعود غضب بعض الصائمين من المفطر علنا إلى انتهاكه المعايير الدينية المفترضة فقط؛ ولكن لأنهم يعتقدون أنه يخرج على الجماعة ويتحداهم كفئة اجتماعية ويتمرد على السلوك الجمعي الذي ارتضوه لأنفسهم. إن مشكلتهم مع المفطر شخصية وليست دينية. فهم يعتقدون أنه يجرح نرجسية الذات المسلمة ويضعف موقفها أمام الهويات الأخرى.

بمعنى أنه غضب فئوي قبلي قائم على التعصب والأنانية. وقد صبّت الدولة هذه المشاعر الدينية المتطرفة في قالب عُرف قانوني يجرّم الإفطار العلني في سياق استغلالها القضية في المزايدة الدينية والأخلاقية على المجتمع، فكل صاحب سلطة يميل إلى إشعار الذين تحت سلطته بأنهم أقل وأدنى سلوكا ومعرفة، ورمضان فرصة مواتية للدولة كي تقول للناس تحت سلطتها إنهم بانحلالهم الديني هذا يحتاجون إلى تدخلّها باعتبارها حامية للأخلاق والدين لضبط سلوكهم وتقويمه.

وتدخل هذه القرارات في إطار ما يمكن أن نسميه “الهدر الحضاري”، حيث تبدد الدولة مواردها الإدراكية والمؤسسية في سياسات ضارة ومدمّرة للأمن الاجتماعي وعديمة الجدوى الاقتصادية والاجتماعية، ومن شأنها أن تجعل مؤسساتها تعمل ضد الأهداف التي وجدت من أجلها وهي تحقيق المساواة وتوفير الأمن والاستقرار، حيث تشكّل سياسات التمييز الديني خطرا على التماسك الاجتماعي لأنها تقدم الإسلام في صورة أيديولوجيا فاشية بلشفية تؤمن باستخدام قوة السلطة الباطشة لفرض قناعاتها، ما يؤدي إلى تصدير صورة ذهنية مشوّهة عن الإسلام للأقليات الدينية والفئات غير المتدينة، كما تتضمن وصما للمفطرين في نهار رمضان يضعهم في خانة المعادين للإسلام لأن تجريم وملاحقة المفطرين ينطويان على افتراض أنهم يشهرون إفطارهم عمدا متقصدين الإساءة إلى المسلمين والإسلام. تحاول الدولة أن تخلق لنفسها ولسياساتها “شرعية دينية” تعوّض بها عن فشلها في إنتاج “شرعية الإنجاز” أو بناء ثقة مجتمعية حقيقية بمؤسساتها. كما تستخدم السياسات الدينية والهوياتية لأغراض التطويع والقهر الاجتماعي فالهدف من قمع الحريات الشخصية والدينية هو قمع الحريات السياسية والمدنية.

مجاهرون بالإفطار ومجاهرون بالصيام

أسر عراقية تعيش على الإعانات والتبرعات في رمضان
أسر عراقية تعيش على الإعانات والتبرعات في رمضان

مفهوم الحرية مفهوم واحد كما أن مفهوم القمع واحد، ولا يقبل أيّ منهما الاجتزاء، بمعنى أن قمع أحد أنماط الحرية يصب في تقويض أنماطها الأخرى، وكذلك فإن ممارسة القمع في مجال معين من مجالات الحياة يعني التأسيس له وشرعنة ممارسته في كل المجالات.

وإذا كان دعاة حظر الإفطار العلني يبررونه بأن “المجاهرين بالإفطار” يعتدون على مشاعر الصائمين، فإن المنطق والعدالة يقتضيان معاقبة “المجاهرين بالصيام” أيضا؛ لأنهم يعتدون على مشاعر غير الصائمين من خلال حملات التبشير الديني المكثف والطقوس والأجواء الرمضانية التي تطغى على كل تفاصيل الحياة وتجعل غير الصائمين يشعرون بالعزلة وربما النبذ والإقصاء. وليس أدلّ على ذلك من دعم بعض المسلمين للسياسات العقابية ضد المفطرين وتأييد التنكيل بهم.

وقد يكون المفطر مريضا أو مسافرا أو عاجزا عن الصيام لأي من الأسباب، وهذه مسألة شخصية، وليس من حق أي أحد أن يحكم على آخرين بالفسق والعصيان إذا رآهم مفطرين. وإذا كان المجاهر ينتهك “حرمة الصيام” الواردة في النص الديني، فإن الصائم الذي يعلن صيامه ويحتفل برمضان ينتهك حق المسلم المفطر في الإفطار برخصة المرض أو السفر الواردة في النص الديني أيضا.

وإذا كان الصائم يتعبّد بصيامه، فإن المفطر بعذر يتعبّد أيضا بإفطاره المشروع، علما أننا لا نستطيع أن نميّز المفطر بعذر عن المفطر بغير عذر. وحتى الذي يفطر رفضا لعبادة الصيام وإنكارا لها من حقه أن يفعل ذلك علنا في إطار حرية التعبير عن الذات والحق في عدم التدين.

يدخل كل من الصيام والإفطار في رمضان في باب الحرية الفردية. ولا نستطيع أن نقول للفرد غير الصائم لا تأكل ولا تشرب مراعاة لمشاعر الصائمين، فالأصل أن الإنسان حر في إعلان صيامه أو إفطاره دون أن يُسأل أو يُساءل عن ذلك، أما احترام مشاعر الآخرين فهو مسألة أدبية وشكلية لا ينتقص عدم الالتزام بها من حق الفرد الجوهري والأصيل في إعلان عدم صيامه الذي اعتدنا أن نسميه على سبيل الازدراء والعزل “المجاهرة بالإفطار”. والصائمون كذلك من حقهم أن يمتنعوا عن الأكل والشرب في رمضان أو غيره دون أن يُسألوا أو يُساءلوا عن ذلك. فلماذا يتم اعتبار الإفطار العلني تعديا على الآداب العامة ولا يتم اعتبار الطقوس الرمضانية استباحة للفضاء العام وتعطيلا للحياة؟

ولا يعكس تجريم الإفطار العلني النرجسية الدينية فحسب؛ ولكنه ينتهك فكرة القانون من الأساس ويشكّل نوعا من العنف التشريعي ضد المجتمع، فاستخدام مصطلح “المجاهرة بالإفطار” يدخل في باب إساءة الظن والاتهام الكيدي والادعاء بالباطل ضد المفطرين؛ لأنه يفترض ضمنا أن المفطرين يتعمّدون تحدي الطقس الرمضاني واستفزاز المشاعر الإسلامية، كما ينطوي المصطلح على تجريم ضمني للإفطار بالمطلق، وهو ما يتناقض مع النص الديني نفسه الذي يبيح الإفطار بعذر المرض أو السفر أو العمل الشاق.

13