حظر المحتوى مجهول المصدر يقطع الأمل بالتنوع في الإعلام

صحافيون معارضون يرون أن القرار يضيف المزيد من القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير.
الخميس 2020/05/21
لا مكان للمجهولين في الصحف المصرية

اعتادت بعض الصحف المصرية نشر مقالات بتوقيع أسماء مستعارة كنوع من تشويق القارئ وتناول القضايا والموضوعات بجرأة، كما تشترط بعض المصادر التكتم على حقيقتها للإدلاء بتصريحات مهمة، حتى جاء قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بحظر نشر أي محتوى لأسماء مستعارة، ليزيد الخناق على الصحافيين ويقلص ما تبقى من حرية.

القاهرة - تلقى الكثير من العاملين في الوسط الصحافي في مصر قرار المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بحظر نشر أي محتوى لأسماء مستعارة أو غير معلن هوية أصحابها بالمزيد من التذمر، باعتبار أن المصادر المجهولة كانت آخر أمل لتنوع المحتوى بين المؤسسات الإعلامية بشكل يحقق التنافسية المفقودة منذ سيطرة لغة البيانات الرسمية على الإعلام.

وأصبح لزاما على الصحف والمواقع الإلكترونية، إذا أرادت نشر أو بث مواد صحافية تحت أسماء مجهولة ومستعارة أن تتقدم بطلب رسمي إلى مجلس تنظيم الإعلام يتضمن مدة استخدام الاسم والغرض، وفي كل الأحوال لا يجوز نشر أو بث المواد المشار إليها إلا بعد أخذ موافقة كتابية كنوع من الالتزام بالقواعد والمعايير المهنية.

صحيح أن أغلب الصحافيين فسروا القرار بأنه جاء كرد فعل على الأزمة الأخيرة بشأن مقالات نشرت بصحيفة “المصري اليوم” الخاصة، وكانت تحمل اسما مستعارا (نيوتن)، تبنت حملة لتعيين حاكم مستقل لمنطقة سيناء وفصلها عن إدارة الحكومة المركزية، وتسبب ذلك في أزمة شغلت الرأي العام، لكن تبيّن أن الأمر يرتبط أيضا بنوعية المحتوى الذي يكون مصدره مجهولا.

اعتادت بعض الصحف نشر مقالات بتوقيع أسماء مستعارة كنوع من تشويق القارئ وتناول القضايا والموضوعات المثارة بجرأة دون أن يعرف أحد هوية الكاتب، والعبرة بما يكتبه، وهناك مقالات كتبها عدد من أساتذة ورموز الصحافة، كل منهم تناول قضية رأي في نفس المكان، وتحت ذات الاسم المستعار.

يرى صحافيون معارضون أن القرار يضيف المزيد من القيود المفروضة على حرية الرأي والتعبير، ولو كان يهدف إلى المزيد من المصداقية والمهنية، لكن خطأ صحيفة في تناول قضية أمن قومي مثل سيناء لا يمكن أن يكون مبررا لقطع آخر أمل أمام الصحف التي تبحث عن التنوع والتفرد بأخبار ومقالات تميزها عن غيرها بشكل يخدم المنافسة.

ويتعامل البعض من الصحافيين مع مصادر مجهولة ونسبها أحيانا لأسماء مستعارة، للحصول على المعلومة بعيدا عن البيانات الرسمية التي ترغب الهيئات الإعلامية في أن تكون المصدر الوحيد للخبر، بدعوى خفض منسوب الشائعات وعدم نشر معلومات في توقيتات خاطئة، قد تتسبب في إثارة الرأي العام حتى لو كانت دقيقة.

يكفي التجول لبضع دقائق داخل أروقة أيّ مؤسسة حكومية لاكتشاف عدد الملصقات التي تحذر الموظفين والمسؤولين من التعامل مع الصحافيين أو الإدلاء بمعلومات، في انعكاس واضح لحالة الحصار المفروضة على الأخبار التي تصل إلى المؤسسات الصحافية، ما لم تكن الجهة الحكومية تريد وصولها، ويكون ذلك في صورة بيان رسمي، جعل أغلب الصحافيين مجرد موظفين إداريين مهمتهم استقبال البيانات.

وإذا نجح الصحافي في اقتناص معلومة هامة من مصدر مجهول، ويدرك مديره أنها صحيحة، يتم رفضها في كثير من الأحيان لما قد تسببه من مشاكل، وقد يتعرض المدير لتوبيخ أو عتاب من شخصيات تدير المشهد الإعلامي، وربما يؤثر ذلك على استمراره في منصبه.

المؤسسات الحكومية تحذر موظفيها من التعامل مع الصحافيين في انعكاس واضح لحالة الحصار المفروضة على الأخبار

ورأى عبدالله زلطة، أستاذ الإعلام بجامعة بنها، شمال القاهرة، أن التحجج بفرض المهنية والمصداقية لكشف هوية المصادر المجهولة ومنع الأسماء المستعارة يتناقض مع مبادئ الصحافة المعمول بها في مختلف دول العالم، لأن ما يحدث في الإعلام المصري ليس بدعة، بل من أصول المهنة عبر التاريخ.

وقال في تصريح لـ”العرب” إن بعض رؤساء التحرير يخطبون ود الكراسي، أكثر من تقريب صحفهم إلى الجمهور، لذلك من الوارد أن يتم حجب المحتوى الصحافي المنسوب لأسماء مجهولة أو مستعارة، بذريعة الالتزام بقرار مجلس تنظيم الإعلام دون مخاطبة هذه الهيئة بضرورة وجود هذا النوع من الخط التحريري، لإظهار الالتزام الحرفي بالتعليمات. وتعاني بعض الصحف المصرية من روتينية المحتوى، ورغم ذلك لا يسعى المسؤولون فيها إلى التفرد أو التميز عن غيرهم، أو حتى تشجيع الصحافيين على الاجتهاد والسبق بحيث تكون هناك منافسة تمهد لاستعادة شعبية الجريدة مرة أخرى، ما تسبب بمرور الوقت في أن يفقد المحررون حماس العمل لإدراكهم أن الصحيفة لا تريد أكثر من بيان رسمي.

ويؤكد مراقبون أن إلزام الصحف بمعايير مهنية صارمة حق وواجب على الهيئات الإعلامية التي تدير المشهد، شريطة ألا يتسبب ذلك في قتل الابتكار والتنوع وإضفاء الصيغة الرسمية على أي محتوى يقدّم للجمهور، كما أن قرارا مثل هذا قد يكون مقبولا تطبيقه بالتوازي مع تمكين الصحافيين من الحصول على المعلومة دون تضييق.

وسبق أن أعلن مجلس تنظيم الإعلام أن نسبة 30 في المئة من إجمالي مخالفات وسائل الإعلام كانت بسبب الأخبار مجهولة المصدر، لكنه لم يتوقف أمام هذا الرقم ويجري استطلاعا ليعرف أسبابه وطرق علاجه ثم يتخذ قرارات مهنية مدروسة تصب في صالح حق الناس في المعرفة، وحق الصحافي في المعلومة.

قال (م. م)، وهو اسم مستعار لصحافي يعمل في جريدة خاصة، ومسؤول عن تغطية وزارة خدمية، إن الوزير يرفض التواصل مع الصحف خشية التلاعب في تصريحاته المكتوبة، ويمنع المسؤولين من التعامل مع الإعلام، لذلك يعتمد الصحافي على مصادر مجهولة ينسبها لأسماء مستعارة لعدم الإضرار بهم، وتجنب اتهامه بالعجز عن الحصول على المعلومة.

وأوضح لـ”العرب” أن حصول الصحافي على المعلومة من المصدر المجهول أصبح مرهونا بوجود علاقة صداقة بين الطرفين، ولم يعد هناك ما يعرف بحق المعرفة، أو تلميع المسؤول لإغرائه بالتواصل المستمر، فهو في النهاية لن يُنشر اسمه ولا صورته ولن يتم ذكر إنجازاته الشخصية.

تكمن المعضلة في صمت نقابة الصحافيين على فرض المزيد من القيود إلى درجة التدخل في السياسات التحريرية للصحف، وتحديد ما يتم نشره ومنعه، حتى بدا الأمر وكأن المؤسسات الصحافية أضحت بلا ظهير يدافع عن حقوقها ويحسن صورة العاملين فيها أمام الرأي العام.

وأكد يحي قلاش، نقيب الصحافيين السابق، لـ”العرب” أن تضييق الخناق بحظر نشر مواد صحافية لأسماء مستعارة أو مجهولة دون تقديم بديل يعوّض المؤسسات عن هذه النوعية من المحتويات التي تبني عليها جماهيريتها سوف تكون له تداعيات خطيرة، لأن هذا النوع من الإعلام كان الشيء الوحيد الذي يحقق التعددية والتنافس والتشويق في الصحف، والقضاء عليه بقرار غير مدروس يعجّل بهجرة ما تبقى من الجمهور الذي يتشوق لمحتوى ثري.

18