حظر النشر في العصر الرقمي تضييق على الإعلام لمصلحة الشائعات

طرح توالي إصدار قرارات حظر النشر في قضايا تشغل الرأي العام تساؤلات حول جدوى هذه الإجراءات في زمن انتشار المعلومات على الفضاء الإلكتروني، فإذا كانت هذه الأحداث تترافق أساسا مع تداول لمعلومات غير صحيحة ونشر إشاعات، فإن منع النشر لن يفيد سوى بتفاقمها وزيادة اهتمام الجمهور بها على مواقع التواصل الاجتماعي.
السبت 2018/01/27
تكميم الأفواه ليس حلا

القاهرة – أثارت قرارات حظر النشر المتكررة في القضايا التي تشغل الرأي العام، جدلا واسعا في أوساط الإعلاميين والحقوقيين، لا سيما بعد أن أصدرت سلطات التحقيق العسكري بمصر، هذا الأسبوع، قرارا بحظر النشر في قضية رئيس أركان القوات المسلحة الأسبق، سامي عنان، والتحقيقات في جميع وسائل الإعلام والصحف والمجلات المحلية والأجنبية إلى حين انتهاء التحقيقات فيها، عدا البيانات التي تصدرها سلطات التحقيق بشأنها.

وكان السؤال الأبرز عن القرارات الحكومية لمنع النشر، هل منع نشر الأخبار تحت مسوغ الأمن العسكري أو الوطني مجد في العالم الرقمي المفتوح، الذي فتح المجال واسعا لتداول المعلومات، وفي حال تجاهل وسيلة إعلامية معينة خبرا هاما، ألن يجد الجمهور ما يكفي من معلومات عنه في الكثير من وسائل الإعلام الأخرى.

والمسألة الأساسية التي تطرح في هذا الشأن أن حظر النشر سيفتح المجال واسعا لانتشار الشائعات والأخبار غير الدقيقة أو المضللة، ويتفق الكثير من المحللين على أن عدم نشر نتائج التحقيقات يتسبب في بلبلة الرأي العام، بل ويثير الشكوك حول القضاء ذاته. وتبقى حجة الحفاظ على الأمن القومي، غير كافية لتبريره.

ويقول متابعون إن المشكلة تكمن في إصدار قرارات حظر النشر في القضايا الهامة، في ظل غياب تشريع لحرية تداول المعلومات، وذلك وسط تأكيدات حول أن صدور هذا التشريع هو السبيل الأفضل للتعامل مع تلك القضايا التي تشغل الرأي العام، بدلا من اللجوء إلى حجبها، وهو ما يفتح الباب أمام الشائعات والمعلومات والأقاويل المغلوطة.

وأفاد أستاذ القانون الدستوري شوقي السيد بأنه ضد التوسع في إصدار قرارات حظر النشر بشكل عام حتى لا يصبح المجال العام زاخرا بالشائعات، معتبرا أن حظر النشر لا يمنع إصدار بيانات من النيابة لتوضيح تفاصيل القضايا للرأي العام، مؤكدا أن الأصل في إصدار تلك القرارات هو الاستثناء وليس العموم.

عدم نشر نتائج التحقيقات يتسبب في بلبلة الرأي العام، بل ويثير الشكوك حول القضاء ذاته. وتبقى حجة الحفاظ على الأمن القومي، غير كافية لتبريره

وأضاف السيد أن سلطة التحقيق من حقها أن تأمر بحظر النشر عندما يكون أمامها تحقيق قائم، والسبب في إصدار مثل تلك القرارات يكون حماية الأمن القومي أو سرية المعلومات. وأوضح أن القرار يجب أن يُعتبر ملغى في حالتين، أولاهما انتهاء التحقيقات وبالتالي يسقط قرار حظر النشر، وثانيتهما أن يكون القرار محددا بمدة زمنية ويسقط لدى انتهاء تلك المدة، مثلما حدث في انتخابات الرئاسة 2012 وكانت مدة سريان الحظر لقرار مماثل ثلاثة أشهر.

وبدأ الصدام بين الصحافيين والبرلمان المصري بهذا الشأن مع اقتراب اللجنة التشريعية بمجلس النواب من إنهاء التعديلات على مشروع قانون الإجراءات الجنائية الذي تجري مناقشته حاليا، وبعد إدخال تعديلات على نص المادة الـ268 من القانون والتي تحظر نشر وقائع الجلسات إلا بموافقة كتابية من القاضي، وقال جمال فهمي وكيل مجلس نقابة الصحافيين السابق إن علانية الجلسات ضمانة للعدالة الصحافية والإعلامية، كما أن القانون والدستور أتاحا ذلك ولا توجد قيود قانونية تمنع ذلك، مشيرا إلى أن تغطية الجلسات في المحاكم تتفق مع القانون.

وشدد على ضرورة أن تتدخل النقابة وتتواصل مع مجلس النواب لإعادة النظر في تلك التعديلات، لأن هذا النص يجعل نشر الجلسات وتغطيتها الاستثناء لا القاعدة، وهو أمر مرفوض، لأن العلانية هي الأصل في القانون.

ورغم تكرار إصدار هذه القرارات في مصر، إلا أنها ليست الدولة الوحيدة المعنية بها، فجارها الأردن يشتكي الصحافيون فيه من هذه الظاهرة، وتثير التعميمات التي تحظر نشر أخبار تتسم بالطابع الأمني، إلى حين “انتهاء مجريات التحقيق”، تساؤلات في الوسط الإعلامي الأردني، عمّا إذا كانت هذه التعميمات تخدم بالمحصلة المصلحة العامة، أم أن استمرار إصدارها “يشي بتقييد حرية الإعلام”.

وكانت الحادثة الأبرز التي فتحت الباب واسعا لإصدار هذه القرارات في الأردن، هي حادثة اختطاف الطيار معاذ الكساسبة من قبل “داعش”، حيث جاء الحظر في ضوء ما نشرته بعض شبكات التواصل ووسائل إعلام ومواقع إخبارية من أخبار متضاربة، حول ظروف اختطاف الكساسبة، ثم تتالت تعميمات الحظر في الكثير من القضايا منها الأمنية والإرهابية وحتى الاجتماعية التي أثارت تفاعلا وجدلا واسعا على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية.

نضال منصور: لماذا يعتقدون أنهم حين يحظرون النشر لن تصل المعلومات إلى الناس

ورأى وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال السابق نبيل الشريف أن صدور هذه التعميمات “يخدم التحقيقات في قضايا تشغل الرأي العام”. وأضاف “من الواضح أن الجهات الأمنية ارتأت أن حظر النشر يحمي الأدلة ويحافظ على سرية وسلامة التحقيقات الجارية، بمعنى أنه يخدم المصلحة العامة”.

واعتبر الشريف أن “خدمة المصلحة العامة لا تتعارض مع حق الحصول على المعلومات، بل إن هذه المصلحة تتقدم على المعرفة في الظروف الطارئة”.

وأشار إلى أن “الكثير من الأحداث التي شغلت الرأي العام الأردني تبعها تداول لمعلومات غير صحيحة ونشر إشاعات، إضافة إلى نشر أخبار مدسوسة، الأمر الذي سبب إرباكا في سيل المعلومات التي يجب أن تتدفق للمواطن”.

وأوضح أن “المصلحة العامة تعني أن تكون هناك مسؤولية مشتركة، ولو كانت هناك سياسة انضباط في نشر المعلومات لما خرجت تعميمات تحظر النشر”.

لكن نضال منصور الرئيس التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحافيين، رفض هذه المبررات، وتساءل “لماذا ظلت الحكومات لا ترى في بعض الأحيان أبعد من أنفها، فحين تضع تشريعا تحوله إلى أداة لتقييد الحق، ولماذا أيضا تعتقد أنها حين تحظر النشر تنتهي المشكلة ولن تصل المعلومات والحقائق إلى الناس في زمن السوشيال ميديا؟”.

ويؤيد أستاذ الإعلام يونس عرب وجهة النظر هذه، حيث يرى أن حظر النشر هو “اعتداء صارخ على حرية الإعلام وحق المواطن في المعرفة”.

وقال عرب إنه “في الدول الديمقراطية لا يتم حظر النشر حتى لو كانت هناك قضايا خطيرة، وكثيرا ما تكون أخطر من القضايا التي تحدث في الأردن”.

18