حظ "عوالم"

بينما شخص يدور بفناجين قهوة على المعزين الذين كانوا يرفضون، تجرأت وتناولت إحداها، لتكفهر الوجوه وتدور همهمة غاضبة، نصحني زميلي بالفرار تجنباً لعلقة ساخنة، لأن تناول القهوة وقتها كان يعني الشماتة في الميت!
السبت 2020/03/14
رفيقان في الحظ نفسه

لست في حاجة إلى التذكير بأني “منحوس” جداً، ورغم ما أبديه من تفاؤل إلا أن “الفقر الدكر” بتعبير صديق الزمن الجميل، محرر العوالم أو الصحافي الفني السعودي مبارك العوض، يكاد يكون الوجه الآخر لهذا التفاؤل.

وأنا بالسنة الجامعية الأولى، صادفتني مراسم عزاء حيث أقطن بحي ميت عقبة الشعبي، وتلبستني شهامة أولاد البلد، فنزلت مع زميلي للسرادق، وبينما شخص يدور بفناجين قهوة على المعزين الذين كانوا يرفضون، تجرأت وتناولت إحداها، لتكفهر الوجوه وتدور همهمة غاضبة، نصحني زميلي بالفرار تجنباً لعلقة ساخنة، لأن تناول القهوة وقتها كان يعني الشماتة في الميت!

من “أم نيكسون” التي اتهمتني بالجهل، رغم أنها لا تقرأ ولا تكتب، وقاطعتني لأني استحيت من قراءة عبارات غزل “جنسية” كان يرسلها زوجها في خطاب بريدي من ليبيا، بل منعت عني بعدها “طبق المحشي” المخصوص بعد كل صلاة جمعة.. إلى الشقة التي استأجرناها كطلبة خلف كازينو أريزونا بالهرم، وطردت منها وحدي عند منتصف الليل، إذ شكت زوجة صاحب المنزل من أن أحدنا عاكسها، فما كان من الزوج إلا أن اقتحم الشقة بـ”شومة” وصرخ ”عارفه.. ما في غير الواد الصايع الخنفس أبوشعر مسبسب”، وعبثاً حاولت المرأة إقناعه بأن لست أنا، لأنتهز فرصة الجدال وأهرب متوسداً حقيبتي في الشارع حتى الصباح.. وهكذا حتى الآن.

عموماً، الحمد لله لم أكن وحدي منحوساً، ففي أحد أيام 1982، كان العالم الدكتور حامد جوهر، صاحب جائزة الدولة التقديرية ووسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، يقف في الطابور أمام شباك الخزينة بمبنى الإذاعة والتلفزيون المصري،  ليتقاضى مكافأته عن حلقات برنامجه الشهير “عالم البحار”. وإذا بسيدة جميلة لفتت الأنظار وهي تدق الأرض بكعبي حذائها، وتتجاوز الصف لموظف الشباك الذي رحب بـ”طلعتها البهية” دون اعتبار لمن في الطابور، فيهمس أحدهم مندهشا ”إنها الراقصة ………….”.

وبينما سمع الواقفون اعتراضها على المبلغ بصوت يفوق سرعة حركات هز وسطها ”أنا أرقص ربع ساعة بهذه الملاليم؟”، صرخ شخص ”لا يعجبها 250 جنيهاً!” ليعقب آخر ”يا خرابي.. وفي ربع ساعة فقط”!

في غمرة اعتراضها وغيظ الواقفين، قطع الدكتور جوهر المشهد، وقال بلكنته الهادئة المميزة التي ارتبطت بأذهان مشاهديه ”أنا يا أستاذة أحضر من الإسكندرية، وأجهز للحلقة قبلها بأيام من كتب ومراجع، والحلقة مدتها نصف ساعة.. ولا يعطونني سوى 25 جنيهاً”! هنا نظرت إليه الراقصة الأشهر وقالت بلهجة “مائصة” وساخرة ”.. وأنا مالي؟ ما تروح ترقص يا أستاذ”!

24