حفار الأفلام

الأربعاء 2017/07/12

في سياق ما كتبته ونشرته حديثا في “العرب” عن فيلم “نابليون” الصامت، ذكرت اسم المؤرخ والمخرج البريطاني كيفن براونلو الذي ظل منذ أن شاهد بكرتين فقط من الفيلم لأول مرة عام 1954، يعمل على استعادة باقي البكرات المفقودة، إلى أن أتم مهمته بعد جهود استمرت لخمسين سنة.

ما حدث أن براونلو سرعان ما أصبح رائدا في مجال “حفريات الأفلام”، أي البحث المستمر والتنقيب عن الأفلام القديمة التي يقال إنها “مفقودة” أو ضاعت، خاصة تلك التي تنتمي إلى عصر السينما الصامتة وأفلام الأبيض والأسود عموما التي تتحلل نسخ النيغاتيف الخاصة بها المصنوعة من مادة نترات الفضة، فبعد عرض النسخة المستعادة من “نابليون” عام 1981 الذي شهد إقبالا جماهيريا كبيرا، بادر جيريمي أيساك، وكان مديرا للقناة التلفزيونية الرابعة البريطانية، بإطلاق مبادرة للبحث عن، وترميم واستعادة الكثير من الأفلام الكلاسيكية القديمة الصامتة مثل أفلام شارلي شابلن ودوغلاس فيربانكس وغيرهما، وتبنى أيساك مشروع كيفن براونلو وقام بتمويله من ميزانية القناة، بعد أن أدرك بحسه كمثقف رفيع أن إنقاذ هذه الأفلام مساهمة في الحفاظ على جانب من التراث الفني الإنساني، كما أن هذا النوع من الأفلام يمكن أن يحقق أيضا أرباحا.

اتجه براونلو إلى طرق أبواب شركات الإنتاج والتوزيع في هوليوود، والشركات الصغيرة في نيويورك وغيرها، بحثا عن أي شرائط قديمة، ومواصلة البحث عن أجزائها المفقودة في كل مكان، وتمكن مع فريق من الباحثين المتمرسين، وبرفقة صديقه الموسيقار الكبير كارل ديفيز، من استعادة الكثير من الأفلام وإعدادها للعرض بمصاحبة موسيقى أعدها ديفيز.

هنا برزت لدينا للمرة الأولى في تاريخ السينما مهنة “حفار الأفلام” الذي ينقب باحثا عن الأفلام القديمة عملا بالحكمة القائلة إنه “لا توجد أفلام يمكن اعتبارها مفقودة طالما أننا لم نكتشفها بعد”.

وبعد أن انتهى دور أيساك جاء دور أرشيف الفيلم بمعهد الفيلم البريطاني، في الإنفاق على ترميم وإنقاذ الأفلام القديمة، وكان مهرجان لندن السينمائي أول مهرجان يبدأ عرض هذه الكلاسيكيات، وأذكر أنني شاهدت الفيلم الروسي “المدمرة بوتمكين” (1925) في أحد عروض المهرجان بقاعة “كوين إليزابيث” عام 1984 بمصاحبة أوركسترا أمستردام التي قامت بعزف الموسيقى المصاحبة البديعة التاريخية التي كتبها الألماني أدموند مايزل (ومنعت في ألمانيا خشية تأثيرها على الجمهور)، كما شاهدت فيلم “نوسفيراتو” (1922) الألماني الصامت للمخرج مورناو بمصاحبة الموسيقى الأوركسترالية الحية، ثم فيلم “الجشع″ (1924) لإريك فون شتروهايم بمصاحبة عزف حي على البيانو.

وقبل 15 عاما بدأ مهرجان كان السينمائي بتخصيص قسم لعرض الكلاسيكيات التي يتم إنقاذها واستعادتها في نسخ جديدة رقمية، وإعادة رونقها القديم وألوانها الأصلية وقت ظهورها، وحاليا تشترك مؤسسات عدة دولية منها ما أنشئ لهذا الغرض، في تمويل ودعم عمليات الترميم والإنقاذ بمساهمة مالية من أصحاب الشركات المؤمنين بأن التراث السينمائي ملك للإنسانية، وأن استعادته والحفاظ عليه وإنقاذه عمل حضاري يضيف للإنسانية كلها.

من المؤسف أن بلادنا لا تعرف وجود الباحثين عن الأفلام القديمة المجهولة أو التي يقال إنها “مفقودة”، بسبب غياب دور المؤسسات، الحكومية أو الخاصة في هذا المجال، بل وغياب “السينماتيك” أي دور المحفوظات السينمائية.

في مصر كان المخرج الراحل محمد القليوبي قد تمكن بجهد فردي من العثور على عدد من الأفلام التي أخرجها المخرج محمد بيومي الذي يعرف بـ”رائد الفيلم المصري” خلال بحثه في تاريخ بيومي تمهيدا لإخراج فيلم تسجيلي عنه، وقد عثر عليها القليوبي بالصدفة في غرفة المخزن التي تقع في الفراغ الواقع أعلى شقة ابنة بيومي -السيدة دولت بيومي- في الإسكندرية، لكن يظل هناك الكثير من الأفلام التي لم يتم الكشف عنها، منها الأفلام الأربعة الأولى التي قام ببطولتها نجيب الريحاني (من ضمن 10 أفلام)، ويجب أن نتذكر دائما أنه لا شيء يعد مفقودا طالما أننا نبحث عنه!

ناقد سينمائي مصري

16