حفتر يبحث في باريس استئناف العملية السياسية

القائد العام للجيش الليبي يرى أن شروط وقف إطلاق النار لم تكتمل بعد في ليبيا، وماكرون يقدم مقترحا لتحديد خط لوقف إطلاق النار تحت إشراف دولي.
الخميس 2019/05/23
انسجام مطلق

يزور القائد العام للجيش الليبي المشير خليفة حفتر باريس، حيث من المتوقع أن يبحث المقترح الفرنسي لوقف إطلاق النار في طرابلس واستئناف العملية السياسية.

تونس - بدأ المشير خليفة حفتر، القائد العام للجيش الليبي، زيارة إلى العاصمة الفرنسية باريس، تندرج في سياق حملة سياسية ودبلوماسية أملتها التطورات الميدانية في محيط العاصمة طرابلس، وتبدّل خارطة الأولويات بسبب التدخل التركي الفاضح في مُختلف جوانب المشهد الليبي العام، الذي دخل في نفق التجاذبات الإقليمية والدولية.

ويعكس توقيت زيارة حفتر لباريس بما يحمله في طياته من دلالات سياسية بارزة، مسارا سياسيا جديدا، ستكون له تداعيات واضحة على الوضع العام في ليبيا يدفع باتجاه محاولة تفكيك عناصر المأزق الراهن الذي تعبّر عنه مشاهد الانزلاق نحو المجهول.

ويدفع المجتمع الدولي نحو وقف القتال واستئناف المفاوضات. وتعرض باريس مقترحا لوقف إطلاق النار، سيكون على رأس أجندة زيارة حفتر.

وقال المكتب الإعلامي للرئاسة الفرنسية عقب زيارة رئيس  حكومة الوفاق فايز السراج إلى باريس، الأسبوع الماضي، إن إيمانويل ماكرون شدد على ضرورة حماية السكان المدنيين، وقدم مقترحا لتحديد خط لوقف إطلاق النار تحت إشراف دولي.

كما اقترحت الرئاسة الفرنسية إجراء تقييم لسلوك المجموعات المسلحة في ليبيا، بالتعاون الوثيق مع الأمم المتحدة وهو ما اعتبر خطوة تكتيكية من باريس لإثبات تخفّي حكومة “الوفاق” خلف جماعات فوضوية ومتطرفة.

كمال المرعاش: الزيارة مناسبة لتبديد مخاوف فرنسا بشأن الديمقراطية في ليبيا
كمال المرعاش: الزيارة مناسبة لتبديد مخاوف فرنسا بشأن الديمقراطية في ليبيا

وكان رئيس الحكومة المؤقتة عبدالله الثني أكد في تصريحات إعلامية نهاية الأسبوع الماضي، استعداد الجيش لوقف القتال والعودة إلى المفاوضات، لكن دون شروط مسبقة.

لكن المشير خليفة حفتر اعتبر أن شروط وقف إطلاق النار “لم تكتمل بعد” في ليبيا. ونقلت الرئاسة الفرنسية تصريحات لحفتر، بعد لقائه إيمانويل ماكرون في باريس، الأربعاء. وأبلغ حفتر ماكرون أنه سيكون مستعدا لنقاش سياسي شامل عندما تكون الظروف مواتية لوقف إطلاق النار، مضيفا أن “الجيش الوطني الليبي لا يستفيد ماليا من مبيعات النفط في شرق البلاد”.

ووبدورهاتشترط حكومة “الوفاق” عودة الجيش إلى المنطقة الشرقية والانسحاب من المواقع التي تمكّن من السيطرة عليها جنوب طرابلس ومن مدينتيْ ترهونة وغريان، لاستئناف العملية السياسية.

ويُنظر إلى هذه الزيارة التي تأتي بعد نحو أسبوع من زيارة مُماثلة إلى إيطاليا التقى خلالها المشير حفتر، رئيس الوزراء جوزيبي كونتي، في قصر “شيغي” بالعاصمة روما، على أنها مُقدمة لتحركات سياسية أخرى، لاسيما وأنها ترافقت مع حراك سياسي يتجه نحو المزيد من التنسيق مع قيادة الجيش الليبي، في سياق المعركة المفتوحة على الإرهاب والميليشيات.

وتُضيف تلك التحركات التي تعكس تزايد عوامل الإدراك بالمتغيّرات التي تعصف بالمنطقة، أهمية كبيرة لهذه الزيارة، خاصة وأنها تزامنت مع تقارير تُشير إلى زيارة مُحتملة للمشير حفتر إلى واشنطن للقاء الرئيس ترامب، الذي سبق له أن ثمّن دور حفتر في مكافحة الإرهاب.

وقال المحلل السياسي الليبي، كمال المرعاش، في اتصال هاتفي مع “العرب”، من العاصمة الفرنسية، إن الاجتماع بين قائد الجيش الوطني الليبي والرئيس الفرنسي، “سيكون مناسبة مهمة يُطلع فيها المشير حفتر الرئيس ماكرون على آخر مستجدات معركة تحرير طرابلس من الميليشيات، والعناصر الإرهابية التي تقاتل معهم”.

ولفت إلى أنه سيتم خلاله التركيز على “التمويل الذي حصلت عليه الميليشيات المُسلحة من حكومة فايز السراج الذي وصل إلى 2.480 مليار دينار ليبي”، وهو تمويل يعكس إمعان هذه الحكومة في إهدار المال العام. وأضاف المرعاش أن الاجتماع المُرتقب، “سيكون أيضا مناسبة لتبديد مخاوف فرنسا بشأن مستقبل الديمقراطية والاستقرار في ليبيا، إلى جانب تفنيد الحجج الواهية التي سعى إلى تسويقها فايز السراج خلال زيارته لفرنسا، والتأكيد على أن قيادة الجيش الوطني ملتزمة باتفاقات باريس وباليرمو وأبوظبي، وأن الذي تراجع عنها هو السراج تحت ضغط الميليشيات وحركة الإخوان المسلمين”.

وكان السراج قد زار باريس في الثامن من الشهر الجاري، وذلك بعد انتقادات عنيفة لفرنسا صدرت عن بعض أعضاء حكومة الوفاق الليبية، تخللتها اتهامات للسلطات الفرنسية بدعم المشير خليفة حفتر، وصفتها الرئاسة الفرنسية في بيان لها بأنها “غير مقبولة ولا أساس لها بشأن دعم مفترض لحملة حفتر”.

معركة طرابلس تستهدف تحريرها من الميليشيات والإرهابيين
معركة طرابلس تستهدف تحريرها من الميليشيات والإرهابيين

وسعى السراج خلال زيارته لفرنسا إلى محاولة تأليب الرأي العام الفرنسي على الجيش الليبي حيث دعا في أعقاب اجتماعه بالرئيس ماكرون، فرنسا إلى ما وصفه بـ”وضوح أكبر في موقفها مما يجري على الأرض في ليبيا”.

وأشار إلى أنه “فوجئ مؤخرا بأن فرنسا لا تدعم حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، وإنما تدعم دكتاتورا”، على حد وصفه، وذلك في إشارة إلى قائد الجيش الليبي، المشير خليفة حفتر.

وجدد السراج في تلك التصريحات، التأكيد على رفض حكومته الكامل لأي اتفاق سياسي لا يترجم بانسحاب قوات الجيش الليبي نحو المواقع التي كانت تنتشر فيها قبل معركة تحرير طرابلس.

ويرى مراقبون أن الخطاب الذي استخدمه السراج خلال جولته الأوروبية، لم يفلح في تغيير المواقف، حتى أن البعض تحدث عن فشل تلك الجولة، لعدة أسباب يبقى أبرزها إجماع أجهزة المخابرات الغربية، على أن الميليشيات الموالية لحكومة الوفاق تضم في صفوفها الكثير من المُتطرفين والإرهابيين الذين تدفقوا على ليبيا خلال الأسابيع الماضية.

دعم تركي للميليشيات وتنظيمات الإسلام السياسي في ليبيا
دعم تركي للميليشيات وتنظيمات الإسلام السياسي في ليبيا 

وساهم ذلك الإجماع الذي أربك دون شك حسابات السراج خلال جولته الأوروبية، في تقوية موقف قائد الجيش الليبي الذي يقول إن معركة طرابلس تستهدف تحريرها من الميليشيات والإرهابيين، لاسيما بعد ثبوت التورط التركي والقطري في تزويد الميليشيات بالسلاح والأفراد الذين يتم نقلهم من سوريا إلى ليبيا.

وكان لخروج الدعم العسكري التركي المباشر للميليشيات وتنظيمات الإسلام السياسي في ليبيا التي تُسيطر على طرابلس، إلى العلن بما يحمله من سوابق خطيرة، أثار تخوفات لافتة تجاوزت الجغرافيا الليبية لتشمل الدول الأوروبية التي لا تُخفي قلقها من عودة الإرهابيين الذين باتوا يتسربون بالعشرات عبر الممرات التي تُوفرها لهم السلطات التركية.

ويُرجّح المتابعون للشأن الليبي أن يكون هذا الملف الأكثر حضورا على مستوى الاجتماع المُرتقب بين المشير حفتر والرئيس ماكرون، بالنظر إلى أنه تحوّل إلى مصدر للقلق، يستهدف تغيير قواعد الاشتباك، وموازين القوى، نحو توسيع مساحة الفوضى في ليبيا، ليكون مشهد الانزلاق إلى الهاوية حاضرا بأبعاد إقليمية ودولية.

4